أسرار نقاشات الولايات المتحدة الأمريكية مع الحكام العرب

بواسطة | نوفمبر 4, 2023

بواسطة | نوفمبر 4, 2023

أسرار نقاشات الولايات المتحدة الأمريكية مع الحكام العرب

تستكشف المقالة التأثير الأمريكي في الشرق الأوسط من خلال مذكرات مسؤولين غربيين. يسلط الضوء على التلاعب بالديمقراطية وحقوق الإنسان، مع تحليل تفاصيل لقاءات مع حكام عرب وتغيير وجهات نظر السياسيين الغربيين حسب المصالح.

تلاعب السياسة الأمريكية في المنطقة العربية – رؤية عبر مذكرات المسؤولين الغربيين

تُظهر مذكرات المسؤولين الأمريكيين عديدا من القضايا التي تشغل صانع القرار الأمريكي، مثل الحفاظ على أمن إسرائيل، ومتى تختلف الولايات المتحدة مع حلفائها العرب، وكيف يتحدث العرب مع القادة الأمريكيين لتحديد مشكلات المنطقة العربية.. أحاول في المقالة سماع أصوات الحكام العرب في نقاشاتهم مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومعرفة كيف يعبِّرون عن همومهم السياسية.
مبارك وأوباما: الطغاة في كهوف القصور
ينبهنا باراك أوباما في مذكراته عند حديثه عن فترة ثورة 25 يناير، إلى إثارته موضوع حقوق الإنسان مع مبارك، واقتراحه خطوات على مبارك اتخاذها لإطلاق سراح السجناء السياسيين، وتخفيف القيود المفروضة على الصحافة؛ وبإنجليزية ذات لكْنة، لكنها تبقى مقبولة، تحدَّث مبارك وابتعد عن الكلام في مخاوف أوباما، مؤكدا لأوباما أن أجهزته الأمنية لا تستهدف إلا المتطرفين الإسلاميين، وأن الشعب المصري يدعم نهجه الحازم.
ففي بداية سؤال أوباما لمبارك عن إمكانية وصول المظاهرات إلى مصر، نبذ مبارك الفكرة، وأوضح لأوباما أن «مصر ليست تونس».. يقول أوباما في المذكرات عن مبارك: «أكَّد لي أن أي مظاهرات ضد حكومته سرعان ما ستنتهي، وفيما كنت أنصت إلى صوته تخيَّلته جالسا في إحدى الغرف الكَهْفية المبهرجة داخل قصره الرئاسي الذي التقينا فيه للمرة الأولى، فالستائر مسدلة، وهو يعتلي مقعدا ذا ظهر عالٍ، بينما قليل من مساعديه يدوّنون الملاحظات أو يكتفون بالمتابعة، متحفزين لتلبية احتياجاته. في عزلته تلك، كان يرى ما يريد أن يراه، ويسمع ما يريد أن يسمعه، وبدا لي أن ذلك لا يبشر بخير».
خرج أوباما بانطباع سوف يألفه تمام الألفة في تعاملاته مع الطغاة.. يقول أوباما عن الطغاة الموغلين في العمر: «يغلقون عليهم قصورهم، وكل تفاعل لهم إنما يجري من خلال الموظفين المذعنين المحيطين بهم من ذوي الوجوه الجامدة، وهُم عاجزون عن التمييز بين مصالحهم الشخصية ومصالح بلادهم، وإن أفعالهم محكومة بغرض واحد لا يتجاوز الحفاظ على الشبكة المعقدة من المحاباة والمصالح التجارية».
خلف كواليس مشهد الثورة في ميدان التحرير كانت توجد خلافات في الإدارة الأمريكية، فالأعضاء الأكبر سنًّا، مثل جو بايدن وهيلاري كلينتون وليون بانيتا [كبير موظفي البيت الأبيض]، أشاروا على أوباما بالحرص، وجميعهم كانوا يعرفون مبارك منذ سنين، وسبق لهم أن عملوا معه، ويهمني هنا الحُجَّة التي قدمها هذا الفريق لأوباما، إذ أكدوا له دور مبارك في حفظ السلام مع إسرائيل ومحاربة «الإرهاب» والشراكة مع الولايات المتحدة في جملة من القضايا الإقليمية الأخرى.
لم يكن هؤلاء فقط الذين اعترضوا على أوباما، ففي الوقت نفسه أراد البعض أن يعرفوا السبب الذي يمنع الولايات المتحدة من تقديم مزيدٍ من الدعم إلى مبارك بقوة، فقد أصرَّ بنيامين نتنياهو على أن الحفاظ على النظام والاستقرار في مصر أهم من أي شيء آخر، وقال لأوباما إنه إذا لم يحدث ذلك فسوف ترى إيران هناك في غضون ثانيتين.
يبدو هنا هَوَس نتنياهو بحشر الخوف من إيران في حواراته دائما، حتى إن عبد الله الثاني بن الحسين، ملك الأردن، يحكي في مذكراته: «فرصتنا الأخيرة: السعي نحو السلام في زمن خطر»، عن مقابلته مع أوباما وسؤال الرئيس الأمريكي له عن رأيه في بنيامين نتنياهو، ساعتها أجابه الملك عبد الله الثاني بن الحسين: «السيد الرئيس، نتنياهو سوف يزورك قريبًا وسوف يتحدث عن أربعة أمور: إيران، ثم إيران، ثم إيران، ثم سيكشو إليك من أن لا شريك فلسطينيًّا له لتحقيق السلام معه».
لم يكن عواجيز الإدارة الأمريكية أو نتنياهو مَن لديهم مشكلة مع رحيل مبارك فقط، بل كان للملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود اعتراضٌ عبَّر عنه لأوباما، إذ اعتقد الملك أن المتظاهرين المصريين لا يعبِّرون في الحقيقة عن أنفسهم، وحدَّد «الفصائل الأربع» التي رأى أنها وراء المظاهرات، وهي: «الإخوان المسلمون»، و«حزب الله»، و«القاعدة»، و«حماس».
لم يقتنع أوباما برأي الملك عبد الله كما يخبرنا في مذكراته، غير أن الزعماء الأكثر شبابًا في المنطقة، كما يحكي أوباما، ومنهم الملك الأردني عبدالله بن الحسين، تخوَّفوا من إمكانية أن تُحدق المظاهرات ببلادهم، وفي حين استعملوا لغةً أرقى، فإنهم كانوا يتوقَّعون من الولايات المتحدة أن تختار بلا لبْس «الاستقرار» لا «الفوضى»، على حد تعبير بيبي، نتنياهو.
ومع رحيل مبارك والاحتفالات التي انتشرت، يحكي أوباما أنه أدرك أن انتقال السلطة في مصر جعله يتذكر الحوار الذي أجراه مع محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي، الحاكم الفعلي للإمارات العربية المتحدة في ذلك الوقت. يقول، والترجمة بقلم أحمد شافعي: «فور أن دعوت مبارك إلى التنحي.. يومها رأيت أن محمد بن زايد أو إم بي زد MBZ كما نُطلق عليه، وهو الشاب المحنَّك القريب من السعوديين، وربما الحاكم الأذكى في الخليج، لا يخفف من كلماته وهو يصف كيفية تلقي الخبر في المنطقة».
قال محمد بن زايد لأوباما: «إن بيانات الولايات المتحدة في ما يتعلق بمصر تُوبعت متابعة حثيثة في الخليج، وبقلق متزايد… إن الرسالة العلنية لا تؤثر في مبارك كما ترى، لكنها تؤثر في المنطقة». وقال ابن زايد «إن مصر إذا انهارت وتولَّى الإخوان المسلمون السلطة فيها فإن ثمانية زعماء عرب سوف يسقطون، ومن هنا كان انتقاده بياني». قال: «إنه يبيّن أن الولايات المتحدة ليست شريكا يمكننا الاعتماد عليه على المدى البعيد». ويكمل أوباما الوصف: «كان صوته هادئًا باردًا، وأدركتُ أنَّ كلامه لم يكن طلبًا لمساعدة، بقدر ما كان تحذيرًا.. فمهما يكن ما حدث لمبارك، لم يكن النظام القديم بالعازم على التنازل عن السلطة دون قتال».
هيلاري كلينتون والدفاع عن مبارك
إن هذا النقاش والحوار على طوله يكشف بعض النقاط المهمة في الغرف المغلقة، التي تدور بين حكام المنطقة العربية والولايات المتحدة: نقاشات مع مبارك إلى ملك الأردن وملك السعودية ورئيس دولة الإمارات، ويتضح لنا أن معادلة الحفاظ على أمن إسرائيل كانت عاملًا مهمًّا داخل رؤية الإدارة الأمريكية حول عزْل أو بقاء مبارك، وهو نقاش نقلته هيلاري كلينتون في مذكراتها، إذ توضح هيلاري في مذكراتها «خيارات صعبة» أنها شاطرت فريق أوباما الانبهار باللحظة القادمة من ميدان التحرير، ثم قلِقت، لأنها شعرت أن الأمريكان يتخلون عن شريك قديم، وأنهم بقبول اللحظة الثورية يسلِّمون مصر وإسرائيل والأردن والمنطقة ككل إلى مصير مجهول وخطر! ثم تُعدِّد مزايا مبارك ودورَه في العداء مع إيران، والتضييق على تنظيم «القاعدة» أو فتح خطوط الملاحة في قناة السويس، فضلًا عن الحفاظ على أمن إسرائيل.. رجُلُهم في المنطقة لم يقصر في أي من الطلبات، فلماذا نتخلى عنه بعد ثلاثين عامًا من التعاون؟!
كذلك روبرت غيتس، وزير الدفاع الأمريكي ومدير الاستخبارات الأمريكية، الذي كان ضمن فريق استمرار مبارك في الحكم، ففي مذكراته «الواجب» يذكر أنه حاول إثناء أوباما عن الضغط على مبارك، بل إنه ذكَّر الإدارة الأمريكية بأنه كان جالسًا في المكتب الذي يشغله الآن مع زبيغنيو بريجينسكي عندما خلع شاه إيران، وتحدَّث غيتس عن الدور الذي أدَّته الولايات المتحدة في تلك الثورة، وعبَّر عن قلقه من تَكرار التخلِّي عن الحلفاء مثلما صمتت الولايات المتحدة عن عزل شاه إيران وصعود الثورة الإسلامية.
هكذا يخاطب غيتس الإدارة الأمريكية بتذكيرها أن مبارك حليفٌ موثوق، لقد رأى غيتس أنه إذا أذلَّت الولايات المتحدة الأمريكية مبارك، -ويعني هنا بالإذلال التشجيع على طرده من الحكم- فسيبعث هذا برسالة إلى الحُكَّام الآخرين. قال غيتس لهم «اجعلوا مبارك يغادر مكتبه بشيء من الكرامة، وينقل السلطة إلى مدنيين منتخبين عبر انتقال منظم، فذلك سيوصل رسالة إلى الآخرين في المنطقة بأننا لن نرميهم للذئاب».
لم تتوقف خطوط الهاتف بين واشنطن والشرق الأوسط، في هذه الأثناء كان حكام المنطقة يتواصلون مع جو بايدن وهيلاري كلينتون وروبرت غيتس، ولتأكيد معنى المكالمة التي ذكرها أوباما مع محمد بن زايد، يذكر غيتس مكالمة مع ولي عهد أبو ظبي حول ذلك، في مذكراته «الواجب»: «كنتُ أصغي إلى آراء ولي عهد أبو ظبي وأحكامه باهتمام بالغ، لقد وبَّخني قائلًا إنه يتلقَّى رسائل مختلفة من الولايات المتحدة، وإن رسالتي ورسالة نائب الرئيس ليستا الرسالة نفسها التي سمعها من البيت الأبيض أو من الإعلام، ثم أردف قائلًا: إذا انهار النظام في مصر فلا توجد إلا نتيجة واحدة: وهي أن تصبح مصر النسخة السُّنِّية من إيران»، وقال إن موقف الولايات المتحدة ذكَّره بأيام جيمي كارتر خلال سقوط الشاه و«إنَّ نغمة رسالة أوباما يجب أن تكون مختلفة».
روبرت غيتس وزير الدفاع وخلفه أسماك القرش
يتبيَّن لنا من خلال النتف التي ينشرها الرؤساء، وكذلك وزراء الخارجية والدفاع في الولايات المتحدة، النقاشات التي تجري مع قادة المنطقة العربية، التي لا تكون دائما موافقة لرؤية الولايات المتحدة؛ مثالٌ مهم على ذلك، يذكره غيتس عن خلافه مع السعودية، الذي تمثَّل في محادثة مع الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود. سبق اجتماع غيتس مع الملك عبد الله في قصره مأدبة فاخرة، كانت الغرفة التي تناول فيها غيتس الطعام بحجم خمسة أو ستة ملاعب كرة سلة، بالإضافة إلى بِرْكة سباحة بحجم بِرَك السباحة الأولمبية، وكان البوفيه يحوي ما يزيد على خمسين صنفًا من الطعام، لكن أبرز ما في الغرفة كان حوض سمك يمتد من الأرض إلى السقف، بعرض ما بين 50 و75 قدمًا وارتفاع 30‏ قدمًا، وكان الحوض يشكِّل الجدار الذي كان خلف غيتس في أثناء تناوله الطعام، وكان من بين أصناف السمك في الحوض عددٌ من أسماك القرش الكبيرة، فسأل غيتس أحد السعوديين عن كيفية منعهم أسماك القرش من الْتهام الأسماك الأخرى، فأجابه بأن ذلك يستدعي إطعامها حسب برنامج دقيق.
بحضور مترجم فوري فقط، بدأ الاجتماع، الذي اعتبره غيتس أحد أكثر الاجتماعات التي علقت في ذاكرته خلال ولايته في وزارة الدفاع الأمريكية، فقد كانت بالنسبة له المواجهة الوحيدة مع قائد أجنبي، التي فقد فيها أعصابه، كما يذكُر؛ ولندَعْ غيتس يحكي القصة بلسانه: «كان الملك عبد الله رجلًا ممتلئ الجسم، في الثمانينيات من عمره، وكان سجلُّه الصحي حافلًا بالمشكلات، وكان في غاية الذكاء، ولم يكن ينتقي كلماته بينما كان يدخن سيجارة تلو أخرى، كان يريد هجومًا عسكريًّا شاملًا على أهداف إيرانية عسكرية، وليس فقط على المواقع النووية، وحذَّر من أننا إن لم نشنَّ هجومًا فالسعوديون سيلجؤون إلى أسلوبهم الخاص لحماية مصالحهم. بدا لي أنه يطلب من الولايات المتحدة أن ترسل أبناءها وبناتها إلى الحرب مع إيران لحماية موقع السعودية في الخليج وفي المنطقة، وكأننا نوع من المرتزِقة! كان يطلب منا أن نبذل الدماء الأمريكية، لكنه لم يلمّح في أي لحظة إلى أن الدم السعودي يجب أن يسيل، واستفاض في الحديث عن الولايات المتحدة، وكيف صار يُنظر إليها من حكومات المنطقة على أنها ضعيفة.. كلما أطال الحديث كان صبري ينفد أكثر فأكثر».
هنا ردَّ غيتس بشكل غير دبلوماسي على الإطلاق وأخبره الآتي: «إذا لم تُستهدف القوات الأمريكية أو حلفاؤنا بهجوم عسكري إيراني، فإن شنَّ الرئيس شبه حرب وقائية أخرى في الشرق الأوسط يصبح موضع مساءلة على الأرجح، وأخبرته أيضًا بأننا متورِّطون بالكامل في العراق، وأن الرئيس سيلجأ إلى القوة العسكرية فقط لحماية المصالح الحيوية الأمريكية، وأن ما يعتبره (ضعف أمريكا الأكبر)‏ بإظهارها ضبط النفس هو في الواقع قوة هائلة، لأن بإمكاننا سحق أي خصم، وقلت له إنه لا يُفترض به أو بأي أحد أن يقلل من شأن قوة الولايات المتحدة وبأسها، فأولئك الذين فعلوا ذلك، ألمانيا الإمبراطورية وألمانيا النازية واليابان والاتحاد السوفييتي، أصبحوا في مزبلة التاريخ».
يُكمل غيتس: «لقد جرحت في الصميم»، بعد ذلك انتهى الاجتماع وبعد نحو أربع سنوات، وفي آخر اجتماع لغيتس وهو وزير للدفاع مع الملك عبد الله، أشار الملك، وهو يبتسم ‏ إلى النقاش الذي جرى في جدّة على أنه كان الليلة «التي قلَبتُ فيها الطاولة»، وأخبره أنه «كان يتوخَّى الوضوح من الولايات المتحدة حيال ما كان مُرجَّحًا فعله بخصوص إيران، ولم يُوفَّق في ذلك إلا تلك الليلة»، وقال لغيتس: «صراحتي قد برهنت له أن بإمكانه الركون إلى ما قلت».
من الطريف أن روبرت غيتس دائم الحديث عن تفاصيل القصور التي يقابل فيها السعوديين، حتى إنه وصف مكتب الملك، ففي قصر الملك في الرياض داخل مبنى ضخم من الرخام الأبيض، كان مكتب الملك أكبر بنحو عشرة أضعاف من مكتب الوزير في البنتاغون، وكان مزخرفًا بالنقوش ومزينًا بثماني ثُريّات كريستال، ويحكي لنا عن لقاء آخر جرى بينه وبين السعوديين في مزرعة الملك، خارج الرياض، ثم يعلِّق: «لقد ترعرعت في كنساس، لكني لم أرَ مزرعة كهذه في حياتي»، وتناول غيتس العشاء ذات مرة مع حكام الرياض داخل خيمة مع ثُريّات كريستال تتسع لسيرك ضخم، كما يقول.
بلا شك، التفكير في مصالح الولايات المتحدة هو مفتاح فَهم طريقتها في استخدام ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان، فهي تُغمض أحيانًا عن بعض الملفات، ولقد برع الصحفي بلال فضل في برنامجه «عصير الكتب» عندما ذكر كيف وصفت هيلاري الرئيس مبارك في مذكراتها الأولى قبل أن تكون وزيرة خارجية، ثم تبدَّل الوصف في مذكراتها الثانية عندما عملت وزيرة خارجية، فالوصف الذي كان يفيض مدحًا تحوَّل إلى نقد سلبي، وهذه القدرة على التبدُّل قدرة أمريكية عجيبة، في زعم التصرف الأخلاقي حتى في أكثر المواقف تحيزًا، وما نراه في حرب فلسطين شاهدٌ واضح على ذلك.
أودُّ توضيح نقطة مهمة، وهي أنني لا أتعامل مع النقولات من مذكرات السياسيين بتسليم كامل، لكن عبر ضرب الروايات ببعضها، ويمكن استشفافها عند ذكر الحادثة لدى أكثر من شاهد عليها، وهذه طريقة للتحقق من موقف أو اتجاه لدى الولايات المتحدة. الأمر الثاني هو لجوء الباحث العربي إلى البحث عن موقف الحكومات العربية من المصادر الغربية بسبب شُحِّ المصادر العربية عن رؤيتها للأحداث، إذ يمكن معرفة أصوات سعود الفيصل وبندر بن سلطان وبشار الأسد ومبارك وأحمد أبو الغيط من خلال مذكرات السياسيين الغربيين أكثر من حديثهم عن أنفسهم.
 لقد حاولت في هذه الجولة تأكيد أن معطى أمن إسرائيل عاملٌ مُهم في الحكم على مبارك وغيره، والمعطى الثاني هو كيف تتعاطى الولايات المتحدة بالقبول والرفض مع الحُكَّام العرب، فهو ليس تحالفًا يقوم على الإذعان، بل أحيانًا تتصرف الدول العربية بإرادة تُخالف الولايات المتحدة، وهذا مبشِّر لو جرى استخدامه في قضايا للضغط على الولايات المتحدة عند معالجة مسألة فلسطين وإسرائيل مثلًا، فلقد غضبت السعودية أكثر من مرة من الولايات المتحدة، ووصف الملك عبد الله بن عبد العزيز شارون بـ«الخنزير»، كما يذكر جورج بوش في مذكراته، وهدَّد الوفد السعودي بالانسحاب من أحد الاجتماعات مع أمريكا بسبب مواقف إسرائيل المتعنِّتة، وهي رسائل تهتم بها الولايات المتحدة.
أحيانًا يكون التحالف مع أمريكا ورقةً على بياض مثلما حدث مع مبارك وقبله السادات، اللذين رأيا أن الولايات المتحدة تملك أوراق اللعبة كاملة، حتى إن مبارك أبلغ جورج بوش بامتلاك العراق أسلحة جرثومية، على ما يذكره بوش في مذكراته، فهذه علاقة خدمت الولايات المتحدة، وهي ردٌّ على من يقول إن مبارك لو كان في الحكم حاليًّا لكانت الأمور أخفَّ على أهل غزة.
لقد استساغ بعض زعماء البلدان العربية فكرة إلقاء المحاضرات على الولايات المتحدة في شأن العمل المتمثل في مطاردة الإرهابيِّين؛ ويوضح كتاب «حرب الظل» أنه وفي خلال حفل عشاء في القاهرة في مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2001م‏، نصح الرئيس المصري حسني مبارك دونالد رامسفلد، وزير الدفاع الأمريكي، بأنه لا نفع‏ للقنابل في الحرب الأمريكية الجديدة، وبأن على الولايات المتحدة أن «تستخدم أموالها لشراء الحلفاء على الأرض في أفغانستان». ولا شك في أن مبارك، الذي وطَّد جزءًا من سُلطته بسحق الحركات الإسلامية في بلاده، وجد أن لديه الكثير ليربحه من شراكته مع الولايات المتحدة، التي تتلمَّس استراتيجية جديدة ضد الإرهابيِّين. وقال لرامسفلد، بمباهاة بلاغية: «إن الحرب على الإرهاب ضرورية لإنقاذ الكوكب».
وقبلها يحكي ديك تشيني في مذكراته عن رحلاته المكوكية في أثناء حرب الخليج، إذ طلب من مبارك تحليق الطائرات العسكرية فوق المجال المصري، ووافق، ثم طلب منه الإذن بعبور حاملة الطائرات «آيزنهاور»، العاملة بالطاقة النووية، وعادة لا ترتاح مصر إلى عبور السُّفن العاملة بالطاقة النووية في قناة السويس، لكن مبارك وافق كذلك.
بل يمكن القول إن الـ«سي. آي. إيه»، وكالة المخابرات الأمريكية، قد تحالفت مع أجهزة استخبارات وحشية في أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وشكَّلت شراكات مع أجهزة استخبارات أجنبية يديرها أمثال حسني مبارك ومعمر القذافي، وساعدت هذه الشراكات الـ«سي. آي. إيه» على جمع الغنائم للحرب على الإرهاب، فقد رُفعت الكُلفة بين مديري المخابرات وبين موسى كوسا، رئيس جهاز التجسس الوحشي التابع للقذافي.
ويذكر كتاب «حرب الظل» كيف عمد الجواسيس الأمريكيون والليبيون معًا إلى مطاردة رجال يُشتبه في ارتباطهم بتنظيم «القاعدة»، واعتقالهم ووضعهم في سجن «أبو‏ سليم» سيئ‏ الذكر، وبعد سقوط القذافي ونهب المتمردين مقر الاستخبارات الليبية، عُثر على كنوز وثائقية تفصّل الروابط الوثيقة بين الاستخبارات الأمريكية والليبية، حتى إنه وُجدت رسالة من بورتر غوس، المدير السابق للمخابرات، إلى موسى كوسا، يشكره فيها على هديته التي أرسلها من البرتقال الطازج بمناسبة عيد ميلاده.
كلُّ غَوْصٍ في تفاصيل سياسات البلاد العربية في المذكرات الأجنبية قد يُظهر أصواتًا لا نسمعها وأفكارًا لا نعرفها .

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

شمال غزّة يموت جوعا!

شمال غزّة يموت جوعا!

المشهد الأول: نخوة العرب في الجاهلية بعد أن وقّعت قريش وثيقة المقاطعة الظالمة لبني هاشم، وعلقتها في الكعبة لتعطيها شيئا من القداسة، جاء هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، لتمزيق هذه الصحيفة رغم أنهم كانوا جميعا على الشرك، ولكن كان...

قراءة المزيد
مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

والد لا يعارض ثورة أمَّمت شركاته خسر والد محمد سلماوي كثيرًا من مشاريعه التجارية بسبب التأميم، وكذلك خسر أراضي زراعية بسبب الإصلاح الزراعي، لكنه لم يعترض في فترة حكم عبد الناصر، وهُنا أعجبني تحليل سلماوي موقف والده، فقد اندهش سلماوي كثيرًا بعد رحيل عبد الناصر، وحين...

قراءة المزيد
لا نامت أعين الجبناء

لا نامت أعين الجبناء

في سكرات موته بدا واهنًا بشكل لا يُصدَّق، كان قادرًا على أن يلمح الوجوه الجزعة التي جاءت لتطمئن عليه، لم يستطع جسده المحموم أن يبلغ به وضع القعود، فتحسس جسده بكلتا يديه وابتسم ! إن جسده المرهق الواهي ليس فيه موضع سليم، لا يوجد شبرٌ واحد على حاله التي خُلق عليها،...

قراءة المزيد
Loading...