المستشرق الذي كشف أسرار المتصوفة (3)

بواسطة | أبريل 23, 2024

بواسطة | أبريل 23, 2024

المستشرق الذي كشف أسرار المتصوفة (3)

يستمر لويس ماسينيون في عرض رؤيته كمستشرق لمصير الحلاج والمتصوفة، وردود الفعل في العصور التالية، فيقول:

“وأخيراً نرى في كل عصر، على نحو مفرد غير منتظم، مسلمين أيقنوا أن عذاب الحلاج قد أتم ولايته بلطف النجاة، وهو أمر يمكن انطباقه على كل الملّة الإسلامية، فيجب عليهم دعوة الناس جميعاً إليه: فارس، ابن عقيل، عبد القادر الكيلاني، وهو الولي الشفيع الحنبلي لبغداد، روزبهان البقلي الشارح المتحمس لمؤلفات الحلاج، ومدرسة الشهودية، السمناني، ومخدومي جهانيان وسر هندي – والثلاثة لهم أثر كبير في الهند؛ وأيضاً خفاجي وهو مصري .

وفى البلاد العربية انتشرت “قصة شعبية” منذ القرن الثالث عشر في سوريا ومصر، أذاعتها الطريقة العدوية التي لم تستمر طويلا، ولقنها الناس في مكة ودمشق عز الدين بن غانم المقدسي الحنبلي، وهي قصة خلدت بقاء هذا الاعتقاد. والحلاج يدعى في الدعوات الشخصية، خصوصاً في بلاد الترك، لوقف بكاء الأطفال الصغار على وجه التخصيص، ولا يزال قبره التذكاري (الخالي من رفاته) الذي أُقيم له في القرن الحادي عشر في بغداد يزوره الناس، وبخاصة من الهنود.

والمزمار الرئيسي في الحفلات الموسيقية الروحية عند المولوية في الأناضول يدعى باسمه (ناي منصور).

حافظ، الشاعر الفارسي المشهور، أعجبه في الحلاج كونه “العاشق الذي جعله الصليب متعلقاً كل التعلق بشوقه، حتى صار سلوى له لا يستطيع الانفصال عنه”.

ما زالت قصة الحلاج تشغل المستشرقين والمفكرين والدعاة حتى الآن، بين من يراه خارجاً عن الملة وادَّعى على الله، وبين من يرى أنه فُهم خطأً ولم يدَّعِ على الله. لكن يناظر التنويع في الحرف الإنسانية في المدينة الفانية بهذه الدنيا اختلاف منظم للرسائل الروحية في الجماعة الدينية أو الملّة النهائية؛ فكما أن تركيب الجسم يعدل وينظم مختلف الفضائل التي مارسها بالزهد، كذلك ترتيب جماعة المختارين في المراتب العليا لا يتوقف على علاقات الأفضلية والتنازل الرسميين بين أولي المراتب في الدنيا، ولكن على النظام التصاعدي للشفاعات والاستدلالات، التي يكون “الحب” قد أوحى بها إلى النفوس المتحمسة، تلك النفوس التي تلقت أكثر وبذلت نفسها أكثر، فصارت أقدر على عبادة الله.

وأمثال هذه النفوس العاشقة تلقت رسالة الدعاء والتألم من أجل الجميع (راجع الدعاء الإسلامي للأبدال، وهو “دعاء بالصلاح”، موحى به من الخضر، وهو إلياس)، في الطبقات للشعراني تجد قوله: “إن غائيتنا أكبر من نشأتنا، هذه حقيقة تنبه إليها الحلاج” (الطبقات للشعراني: 177).. “أيهما أطيب: البداية أو النهاية؟ فقال: لا يجتمعان؛ كيف يقع بينهما تخير؟! ليس للنهاية ذوق استطابة، إنما هو “تحقيق” (الطبقات للشعراني: 175).

ابن عربي أيضا لاحظ في “تجلياته”، وبطريقة فيها مفارقة وتناقض ظاهران، أن دعواتنا التي تحييها نذورنا يمكن أن تكمل الأعمال التي تركناها والخلود غير التام لأسلافنا ولمعاصرينا على السواء.

الخلاف حول المتصوفة، وقبول أو رفض نظريتهم في العشق الإلهي، أو تجاوزها أو إهالة الركام عليها، لن يخفيها أو يميتها، كما قال بعض علماء الإسلام، فمنذ أكثر من ألف سنة وهي مستمرة، ولها تابعون يسيرون فيها وحولها.. لقد وجدت في قونية، حيث ضريح شمس الدين التبريزي وكذلك ضريح جلال الدين الرومي، الآلاف من الذين يتواجدون هناك كل عام، وفي يقينهم أن هؤلاء من أولياء الله الذين ينضمون تحت راية العشق الإلهي، ويرون أن للعشق الإلهي مراتب، أهمها المرتبة الأولى “مفتاح القبة “.

في نهاية بحثنا هذا أستطيع القول إن كل هذه الحركات الإسلامية لم تنتقص من قيمة أو مكانة الإسلام قيد أنمله، بل ثبت من خلالها أن الدين الإسلامي يقبل الفكر والنقاش والبحث، وهو متجدد تجاوز الزمن ولم يتجاوزه الزمن في أي مرحلة أو في أي عصر، لم يستطع الغلو منع التفكر وحرية الفكر، ولا استطاع المتصوفة تحويله إلى قوة روحية فقط، فجمع بين الدين والدنيا.. دين لا يحجر عليه حكام أو فقهاء، بل منح الجميع حرية الفكر والتفكر، فزاد الإيمان به والتمسك بقرآنه وسنته.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

حرب إسرائيل على أطفال فلسطين

حرب إسرائيل على أطفال فلسطين

"رأيت أطفالًا محروقين أكثر مما رأيت في حياتي كلها، رأيت أشلاء أطفال ممزقة".. هذه كلمات الدكتور مارك بيرلماتر، طبيب يهودي أمريكي، في شهادته حول العدوان الإسرائيلي على غزة. في مقابلة له على قناة CBS، قدم الدكتور بيرلماتر وصفًا صادمًا لمعاناة أطفال غزة.. الدكتور...

قراءة المزيد
جريمة اسمها التعليم!

جريمة اسمها التعليم!

قالوا قديمًا: "عندما نبني مدرسة، فإننا بذلك نغلق سجنًا".. وذلك لأن المدرسة في رأيهم تنير الفكر، وتغذي العقل، وتقوِّم السلوك؛ وذهب بعضهم إلى قياس تحضر الدول والشعوب بعدد مدارسها وجامعاتها. ومع إيماني الخالص بقيمة العلم وفريضة التعلم، فإنني أقف موقفًا معاديًا تجاه مسألة...

قراءة المزيد
أيُضلُّ الإنسان نفسه أم يُكتب عليه الضلال جبراً؟

أيُضلُّ الإنسان نفسه أم يُكتب عليه الضلال جبراً؟

لطالما كان اختيار الإنسان لطريق الهداية أو الضلال معضلةً، طرحت الكثير من التساؤلات عن مدى مسؤولية الإنسان نفسه عن ذلك الاختيار في ظل الإيمان بعقيدة القضاء والقدر، وكيف يمكن التوفيق بين مسؤولية الإنسان عن هداه وضلاله، وبين الإرادة والقدرة الإلهية، وما يترتب عليها من...

قراءة المزيد
Loading...