باربرا وولترز.. تجربة إعلامية مع قادة ومشاهير العالم (2)

بواسطة | يونيو 8, 2024

بواسطة | يونيو 8, 2024

باربرا وولترز.. تجربة إعلامية مع قادة ومشاهير العالم (2)

باربرا تقابل شاه إيران

من اللقاءات التي تحكي عنها المذيعة باربرا في مذكراتها حوار بينها وبين شاه إيران وزوجته فرح بهلوي، في طهران.

في البداية قابلت المذيعة الإمبراطورة “فرح”، التي كانت في الثامنة والثلاثين من عمرها، في مكتبتها الخاصة، وحولها أرائك من الجلد المدبوغ، وجدران تعج بالكتب، ومخطوطات فارسية ثمينة ومنحوتات ولوحات لبيكاسو وسلفادور دالي، وبعدها قابلت المذيعة شاه إيران، وكان يكبر زوجته بتسعة عشر عامًا، وكان لديه مكتب فاخر مع منضدة مذهَّبة، وهواتف ذهبية، وكانت النوافذ مصنوعة من الزجاج المضاد للرصاص.. قالت المذيعة إن الشاه بدا متغطرسًا ومتعاليًا إلى حد البرودة، لكنه أجاب على كل أسئلتها بأمانة كبيرة، حتى إنها تمنّت في بعض الأوقات أن تقاطعه، وتقول له: “أتدرك ما الذي تقول؟”.

عندما سألته باربرا إن كان يشعر بأنه وُلد ليكون ملكًا بمشيئة الله أجاب بالإيجاب، وبأن ذلك كان المغزى الكامل لحياته، وعندما سألت المذيعة الشاه إن كان يسمح لصحيفة في بلاده أن تنتقده، أجاب بصراحة: “لا”. فقالت: لمَ لا؟ فأجاب: “لا يمكنك إهانة الملك”.

استمرت المقابلة المثيرة للجدل، وتصاعدت عندما سألت باربرا شاه إيران عن تصريحات قلّل فيها من شأن المرأة في إحدى المجلات، إذ قال: “لا يوجد بينكن أبدًا مَن هي من طينة الفنان مايكل أنجلو أو الموسيقار باخ أو حتى أي طباخ عظيم؟”؛ وهنا أكد الشاه موقفه من النساء.. وعندما ضغطت عليه المذيعة بسؤالها في الإشارة إلى أنه جعل زوجته وصية على العرش بعد وفاته: “فهل أنت لست واثقًا بقدرتها على الحكم كالرجل؟”، أجاب الشاه: “لا أستطيع الجزم، ولا أعرف كيف ستتعامل مع الأزمات”. إجابات الشاه كانت في حضور زوجته فرح بهلوي، التي راودتها الدموع، وقالت زوجة الشاه له في المقابلة: “لا أعتقد أنك تؤمن بذلك حقًّا”.

المقابلة التاريخية بين السادات ومناحم بيغن

صوَّرت المذيعة باربرا وولترز مقابلتين رئيسيتين عن طريق الأقمار الصناعية، الأولى مع غولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل السابقة، والثانية مع الرئيس المصري محمد أنور السادات، وذلك في الذكرى الأولى لحرب أكتوبر، ووعدت المذيعة غولدا مائير بعرض مقابلتها خلال البث الأول، ناهيك بأن مائير أرادت أن يسبق ظهورها على البرنامج ظهور عدو إسرائيل السابق، أنور السادات، لكن القناة قررت عرض مقابلة السادات أولًا، واعترضت المذيعة بحزم على هذا التغيير، لكن القناة أصرّت، وغضبت غولدا مائير، وأعلنت أنها لن توافق مرة أخرى على إجراء أي مقابلة مع باربرا وولترز، وهذا ما جرى بالفعل.

لكن من بين كل اللقاءات التي أجرتها باربرا، تُعتبر مقابلتها مع السادات من أهم المقابلات في مسيرتها المهنية، لقد صعدت على طائرة السادات التي توجَّهت إلى إسرائيل، وصل السادات إلى المطار في تل أبيب، واصطف أعداؤه السابقون في صف واحد للترحيب به (مناحم بيغن وغولدا مائير وموشيه ديان وأرييل شارون وإسحاق رابين)، لكن ما لفت نظر المذيعة باربرا وولترز، التي حضرت تلك الأمسية، هو كيف حصل الإسرائيليون على العدد الكبير من الأعلام المصرية، وكيف استطاعت فرقة الموسيقا العسكرية عزف موسيقا النشيد الوطني المصري!

كان المشاهدون الأمريكيون قد ضبطوا شاشتهم على محطة “إيه بي سي” لمتابعة مباراة كرة القدم بين ولاية أوهايو وولاية ميشيغان، ولكنهم بدلًا من مشاهدة المباراة على شاشاتهم، شاهد أنصار كرة القدم وصول السادات المسرحي إلى إسرائيل. انتاب المشاهدون الغضب وراحوا ينهالون بالمكالمات الهاتفية على القناة للاعتراض والشكوى، وبعد سبع دقائق عادت القناة من جديدة إلى مباراة كرم القدم، وانتصرت كرة القدم.. وليذهب التاريخ إلى الجحيم، خصوصًا للمُشاهد الأمريكي غير المهتم بالشرق الأوسط.

لدى وصول باربرا إلى القدس، توجَّهت مباشرة لإجراء مقابلة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن، وبعد نهاية اللقاء، قال لها إنه عندما غادر المطار أقنع السادات أن يعطوها مقابلة مشتركة في الكنيست بعد خطاب السادات، إذ قال بيغن للسادات: “من أجل صديقتنا العزيزة باربرا فلنؤدِّ هذا اللقاء المشترك”.

صحيح أن الرئيس نيكسون قد أمّن للمذيعة مقابلة خاصة مع الأمير فيليب، ولكن بيغن قد حصل لها على أهم مقابلة في مسيرتها المهنية، وانصرفت من منزله شاكرة له هذه الفرصة.

وفي 20 نوفمبر/ تشرين الثاني1977م، كانت المقابلة التاريخية بين السادات وبيغن على شاشة التليفزيون بعد خطاب السادات في الكنيست، وتستعرض باربرا في مذكراتها تفاصيل هذا اللقاء، وقد حاولَت أن تحصل على أجوبة تكاد تكون سبْقًا صحفيًّا، إذ سألت السادات: “هل من الوارد التنازل عن جزء من الأراضي مقابل السلام؟”، فقال السادات: “كلّا، على الإطلاق.. على الإطلاق”، وبقيت المذيعة تلحُّ عليه للحصول على إجابة مختلفة، حتى إن السادات قال لها: “المسائل السياسية لا يمكن معالجتها بهذه الطريقة”، لكنها ردت: “عليّ أن أستمر في المحاولة”.

لقاء السفراء

لم تكن تلك مهمة باربرا فقط، فقد أقدمت على الطلب من السادات الموافقة على جمع السفيرين الإسرائيلي والمصري في واشنطن، وعندما طلبت الأمر من السادات قال لها: “ولمَ لا؟ أظننا اليوم مستعدون”، ووافق بيغن كذلك على لقاء السفيرين.

في البداية طمحت باربرا أن يظهر السفيران في لقاء تليفزيوني في برنامج “قضايا وأجوبة”، الذي يُعرض بعد ظهر كل يوم أحد على شبكة “إيه بي سي نيوز”، مع العلم أن هذا الظهور الإعلامي هو حلم كل سفير أجنبي.

كانت زيارة السادات لإسرائيل خطيرة وغير متوقعة، واختلط الأمر على سفراء مصر في جميع أنحاء العالم نتيجة هذا الأخذ والرد، وتسببت زيارة السادات في إحداث حالة من الفوضى في وزارة الخارجية المصرية، إذ استقال وزير الخارجية إسماعيل فهمي قبل يومين من رحلة السادات إلى القدس.

وافق السفير الإسرائيلي دينيتز، بينما اعترض أشرف غربال، الذي أبدى استعداده للقاء دينيتز، ولكن ليس على شاشة التليفزيون. يقول مارتن كرايمر عن هذا اللقاء: “كيف يمكن للمذيعة باربرا وولترز تحويل اجتماع غير مسجَّل إلى حديث الساعة؟ فكرت في أن تدعو عددًا من كبار المسؤولين ومشاهير الصحافة إلى العشاء.. وعند ذلك حجزت شبكة (إيه بي سي) – حيث تعمل والترز- قاعة طعام في فندق ماديسون، ودعت خمسين شخصًا إلى العشاء على شرف السفيرين. نعم، لن يجري تسجيل الاجتماع، ولكن الخبر سيصل إلى جميع الأشخاص المناسبين.. وقد يمهد هذا الطريق لسبْق صحفي آخر.. وفي النهاية، كان العرض بين السفير الإسرائيلي والسفير المصري قد بدأ للتو”.

كانت قائمة الحاضرين متألقة، فقد حضر من إدارة كارتر، زبيغنيو بريجنسكي (مستشار الأمن القومي) وهاملتون جوردن (كبير المستشارين السياسيين للرئيس كارتر)، وروبرت شتراوس (الممثل التجاري للولايات المتحدة).. غير أن أهم الضيوف كان هنري كيسنجر، الذي شارك بصفته وزير خارجية في الإدارة السابقة للرئيس نيكسون، وهو الذي شارك في مفاوضات فض الاشتباك العسكري بين إسرائيل ومصر عامَي 1974 و1975م.

وأقيمت مأدبة العشاء في مساء يوم 4 ديسمبر/ كانون الأول، وعندما جاء دور كيسنجر في الكلام، قال مازحًا: “لم أخاطب جمعًا موقَّرًا كهذا منذ تناولت العشاء وحدي في قاعة المرايا في فيرساي”.. لكن أهمية الأمسية لم تنشأ من ترحيب كيسنجر أو الإطراءات المتبادلة بين غربال ودينيتز، بل من إحضار الأمسية بعضًا مما جرى في القدس إلى واشنطن، وجذب الانتباه إليه في الولايات المتحدة الأمريكية.

تمدُّنا مذكرات باربرا وولترز بوصف لهذا الحفل، فقد أقامت باربرا حفل التعارف بين السفيرين، ومع حماس السلام المصري والإسرائيلي، شرب كبير الموظفين في البيت الأبيض هاملتون جوردن الخمر، لدرجة أنه أهان آمال غربال، زوجة السفير، عندما أخذ يحدق في “تقويرة” فستانها، ثم قال: “طالما أردت رؤية الأهرامات!”.

كادت باربرا أن يُغمى عليها عندما علمت بهذه القصة في اليوم التالي من خلال مقال صحفي، إذ كانت مشغولة في حفل الليلة السابقة، حاول أحد زملاء باربرا كتابة مقال بعنوان “حفل عشاء باربرا” حتى يغطي على الشائعة، ويركز على أهمية التقاء السفيرين المصري والإسرائيلي في واشنطن، باعتبارها خطوة في السلام بين البلدين.

يوضح مارتن كرايمر، في مقالة له عن أهمية هذه الأمسية، أنها وجهت التفكير في واشنطن حول السلام المصري- الإسرائيلي، فمن الممكن أن هذه الأمسية أسهمت في تحفيز إدارة الرئيس الأمريكي، جيمي كارتر، للتفكير في السلام؛ فقد باغتت خطوة السادات بالسفر إلى إسرائيل جماعة كارتر، الذي كتب في دفتر يومياته بعد أسبوع من زيارة السادات إلى القدس: “ارتباك عام في الشرق الأوسط حول ما يجب علينا فعله تحديدًا بعد ذلك”، وأضاف: “الارتباك نفسه يسود البيت الأبيض”.

الأمر الثاني الذي ينبهنا إليه كرايمر: “لقد جاء العشاء ليذكر مجددًا إدارة كارتر بأن عليها أن تبدأ، بأسرع وقت، العمل بكفاءة واستباقية.. وكانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية قد أصدرت للتو نبذة عن السادات، مشيرةً إلى أنه يعاني من “متلازمة باربرا والترز”، ما يعني إحساسًا بأهمية الذات تُضخِّمه وسائل الإعلام، لكن مَن يستطيع أن يلومه؟ لقد أخذتْه هي على محمل الجد، بينما لم تفعل جماعة كارتر ذلك. وبالتالي، توجَّب على الإدارة الأمريكية زيادة اهتمامها بعملية السلام (وفصل هذه العملية عن كيسنجر)، ويبدو على الأرجح أن مأدبة العشاء سرّعت ذلك”.

لعل باربرا حاولت أن تؤكد دورها في تقريب الجانبين المصري والإسرائيلي عندما قالت في المذكرات: “صدقوني، كان هذا العشاء حدثًا كبيرًا”، لأن هذا اللقاء كان البداية لظهور السفير المصري غربال مع إسرائيليين، وأصبح الظهور المشترك لغربال ومجموعة متعاقبة من الدبلوماسيين الإسرائيليين خلال السنوات الست اللاحقة أحد المشاهد الدائمة في الولايات المتحدة الأمريكية.

كانت المقابلات التي أجرتها باربرا وولترز مع رئيس كوبا، فيديل كاسترو، واللقاء مع ياسر عرفات في لبنان، واللقاء مع السادات ومناحم بيغن في إسرائيل، قد أعادتها إلى الخريطة صحفية جدية، وجرى قبولها عضوًا في نادي كبار الصحفيين.

دبلوماسية الفيديو

لقد كانت باربرا قريبة من أجواء السلام بين مصر وإسرائيل، حتى إنها كانت حاضرة في بيت مناحم بيغن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، عندما تلقَّى مكالمة من كارتر حول موافقة مصر على السلام، ورأت بيغن، الذي كان يحاول البقاء هادئًا والتصرف بوصفه رجل دولة، كيف كان ينبض بحماسة جلية.

لقد مارس التليفزيون ما تسميه باربرا “دبلوماسية الفيديو” في اللقاءات والحوارات بين مصر وإسرائيل، خصوصًا أن التليفزيون تحول في نهاية السبعينيات من القرن الماضي إلى مصدر الأخبار الرئيسي، وكتب جون وايز مان: “منذ البداية، منذ زيارة أنور السادات التاريخية إلى القدس في نوفمبر/ تشرين الثاني 1977م، كان الحدث تلفزيونيًّا.. في الحقيقة، كانت فيتنام حرب التليفزيون الأولى في العالم، وكانت الاتفاقية الإسرائيلية- المصرية سلام التليفزيون الأول في العالم”.

وهنا كانت ملاحظة رئيسة وزراء إسرائيل، غولدا مائير، إذ قالت: “لستُ متأكدة في النهاية ما إذا كان بيغن والسادات سيحصلان على جائزة نوبل… ولكن بالتأكيد يستحق كل منهما أن ينال جائزة الأوسكار”.

وفي الحقيقة حصل الاثنان، السادات وبيغن، على جائزة نوبل للسلام في عام 1979م.. لكن بعد وفاة كل من “السادات” و”ديان”، وصل فصل حياة باربرا وولترز في الشرق الأوسط تقريبًا إلى نهايته، فقد ختمته بالحوار مع ياسر عرفات مرة ثانية في كوبا خلال مؤتمر دول عدم الانحياز، وانتقل اهتمامها الصحفي إلى النصف الآخر من الكرة الأرضية في الولايات المتحدة الأمريكية.

رؤساء الدول.. الصالحون والطالحون والمجانين

حاولت المذيعة باربرا وولترز التفكير في نقطة مشتركة تجمع بين كل الرؤساء والزعماء، وبرزت لها سمة واحدة، ألا وهي الإيمان بالذات، والاقتناع بالقدرة على إنجاز المهمة. فشاه إيران شعر بأنه وُلد ليعتلي عرش الإمبراطورية، وفيديل كاسترو قال لها إنه لو أراد أن يستقيل لاعتبر المواطنون استقالته تلك “خيانة”، أما أنور السادات ومناحم بيغن فكل منهما كان مؤمنًا بالقضاء والقدر.

حاورت “باربرا” على الأقل ثلاثين رئيس دولة، منهم مارغريت تاتشر، التي كانت زعيمة متسلطة آمرة وجازمة، ومتعنتة ومتشبثة برأيها، وقد حذرها والدها من متابعة الجماهير، وأن عليها أن تقرر وتتبعها الحشود بعد ذلك، وقد أعربت تاتشر بوضوح عن شعورها بالضياع في مقابلة مؤثرة، أجرتها معها باربرا بعد أربعة أشهر من مغادرتها منصب رئاسة الوزراء في بريطانيا، قالت فيها إنها عادة اكتسبَتها مع مرور السنوات، الهاتف يرن، تُفكر فورًا.. يا إلهي! ستعقد الأمم المتحدة جلسة “أتساءل عما يحصل”، تقفز وترد على الهاتف، وفجأة تدرك أن ذلك المنصب لم يعد لها!

كانت تاتشر، حتى بعد خروجها من المنصب، تنتقد الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش على عدم ملاحقته صدام حسين خلال حرب الخليج، فقالت: “عندما تستهل عملًا ما عليك إتمامه حتى نهايته على أكمل وجه”.. كان ينبغي – في رأي تاتشر- “إذلال صدام علنًا” وإرغامه على الاستسلام، فعندما توقف ديكتاتورًا، كحال صدام حسين، لا بُدَّ من إذلاله، ويجب أن يراه الجميع مهزومًا في المعركة، وواضح أن بوش لم يأخذ بنصيحتها في الاعتبار، ولكن نفذ هذه الوصية الرئيس الأمريكي بوش الابن عند غزوه العراق عام 2003م.

وعلى ذكر صدام حسين، فقد أجرت معه باربرا مقابلة قبل اندلاع حرب الخليج بعشر سنوات، أي في عام 1981م، بعد قصف إسرائيل المفاعل النووي العراقي، وتتذكر باربرا سفرها إلى بغداد وحديثها مع صدام، ونبرة صوته الهادئة وهو يحدثها عن عدائه مع الولايات المتحدة، واعتباره أمريكا هي المعتدية عليه، ولم يؤيد صدام فكرة إقامة دولة فلسطينية في إسرائيل، لأن دولة إسرائيل ليست موجودة أساسًا في نظره، وشعرت المذيعة ساعتها بقلق كبير حيال إسرائيل.

وسمعت باربرا تصريحات مماثلة عند اللقاء مع العقيد الليبي معمر القذافي، فقد أجرت مقابلة معه في خيمته المعتادة، وتشرح في مذكراتها كواليس هذا اللقاء.

ولعل من بين المقابلات الأغرب، التي أجرتها طوال مشوارها الصحفي، الحوار مع جيانغ زمين، الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني ورئيس اللجنة العسكرية المركزية، فقد جلست وتحدثت معه في بكين عام 1990م، بعد مرور عام على حادثة ساحة “تيانانمن”، حيث قمعت القوات الصينية مظاهرة الطلاب، وقد ساعدها هنري كيسنجر كثيرًا في الحصول على هذه المقابلة، لأنه بنى علاقات جيدة مع السلطة الصينية منذ زيارته التاريخية إلى الصين، وحوّلها إلى الأشخاص المناسبين للموافقة على المقابلة الصحفية في الصين.

وردّ رئيس الوزراء حول القمع باقتباس من شكسبير بأنه “ضجة فارغة”، وقال إنه لا يشعر بالندم، وعرضت عليه المذيعة صورة أيقونة شهيرة لشخص صيني يقف بشجاعة أمام دبابة، فتهرَّب الزعيم الصيني من الإجابة عن هذا السؤال، وقال: “لا أعتقد أنه قُتل”.. أعجبني هذا التحدي من باربرا للوزير الصيني، فيما افتقدته عندما كانت تقابل بيغن وموشيه ديان وغولدا مائير والمجرمين الصهاينة، الذين كانت تصمت – وهي تقابلهم- عن الإجرام الإسرائيلي.

مناكفات المذيعة باربرا كثيرة، حتى إنها سألت الزعيم السوفييتي، بوريس يلتسن، هل يعاني من مشكلة إدمان الكحول؟ وهذا يقترب من سؤالها القذافي: “هل أنت مجنون؟”، حتى إنها تحمست في اللقاء مع بوتين، وسألته: “هل أمرت يومًا بقتل أحد؟” خصوصًا أن بوتين عميل سابق في الـ”كي جي بي”، وردَّ بوتين: “كلّا، في الواقع كان عملي بالأحرى فكريًّا، ويقتصر على جمع المعلومات السياسية”.

ليس هذا كل شيء في مذكرات المذيعة باربرا وولترز، بل إنها تحاورت مع أكثر الرجال غموضًا – وهو تاجر السلاح عدنان خاشقجي- في صيف عام 1986م، على يخت في جنوب فرنسا، قبل أن ينفجر الوضع ويظهر اسم عدنان خاشقجي في فضيحة “إيران كونترا”، التي هزت إدارة الرئيس رونالد ريجان، وهي فضيحة تتعلق بتوصيل سلاح إلى إيران عبر إسرائيل.

تصف المذيعة قصر عدنان، الذي يساوي سبعين مليون دولار، ويحتوى طائرة ومهبطًا، وتكشف باربرا عن ثروة عدنان الطائلة، وقد سعت وراءه ليكون ضيفًا في برنامجها، وفي إحدى المرات شاركها عدنان مكالمة هاتفية حول تجارة السلاح، إذ قال خاشقجي للمتحدث: كم جنينا من هذا النوع؟ سبعة ملايين؟ وكم سنحصل من الطاو؟ مليونين؟.. لم تفهم باربرا معنى “الطاو”، وهو عبارة عن صاروخ مضاد للدروع يُطلق من أنبوب، موجّه لا سلكيَّا، ولقد علمت باربرا ساعتها مهنة عدنان خاشقجي وصلاته بتجارة السلاح.

لقد كتبت باربرا مذكرات شيقة تهم طلبة الإعلام والمهتمين بالسياسة وتفاصيل كواليس المقابلات التليفزيونية، ورصدت كيف طوَّر الزعماء حذرًا خفيًّا من المقابلات وانتباهًا للأسئلة حتى لا يتورطوا على الهواء، وتفخر في مذكراتها بأن المذيعة الشهيرة أوبرا وينفري قالت لها إنها شاهدتها وهي صغيرة، وألهمتها حتى تكون مثلها، وهي تعبر عن ذلك بقولها في المذكرات إنها “أستاذة أوبرا وينفري”.

رحلت باربرا عام 2022م، بعد أن تركت تجربة ثرية في الإعلام وتجربة منحازة لإسرائيل.. لقد حققت ضربات إعلامية كثيرة، فمع نهاية تسعينيات القرن الماضي، بعد اكتشاف فضيحة العلاقة الجنسية بين الرئيس بيل كلينتون وسكرتيرة البيت الأبيض، مونيكا لوينسكي، تحدث كلينتون وزوجته هيلاري للصحفيين كثيرًا، ودافعا عن نفسيهما، لكن رفضت لوينسكي، حتى أقنعتها وولترز، وشاهد تلك المقابلة قرابة ثمانين مليون شخص، لذا خصصت فصلًا في مذكراتها عن مونيكا.

في المذكرات تفاصيل تخص الحديث عن الممثلين والمشاهير، الذين التقتهم باربرا، لكن هذه فرصة للتفكير في الإعلام ودوره وتفاعله مع السياسة في عالمنا.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

دانشمند: تحولات الغزالي وروح عصره  (3)

دانشمند: تحولات الغزالي وروح عصره  (3)

بعد جزالة اللغة وسعة الخيال والمهارة في الربط بين أجزاء الرواية؛ يبقى التفنن في الوصف والقدرة على تحريك الشخوص وفق أدوارهم المرسومة محل اختبار لكل روائي، وفي رواية دانشمند نجاح ماتع في "الرسم بالكلمات" لملامح الأشخاص، وقدرة إبداعية على تحريك شخصيات الرواية الكثيرة في...

قراءة المزيد
الرّدّ على المشنّعين على شعيرة الأضحية وكشف زيفهم

الرّدّ على المشنّعين على شعيرة الأضحية وكشف زيفهم

متّكئًا على أريكته بعد أن ألقى في بطنه وجبة دجاجٍ من "كنتاكي" وكان سبقها بيومٍ بالتهام شطيرة لحمٍ من "ماكدونالدز"؛ يرفع عقيرته بالتّشنيع على المسلمين الذين يذبحون الأضاحي في العيد لأنّهم يمارسون الجريمة بحقّ الحيوانات ويرعبه منظر الخراف المسكينة التي لقيت حتفها على...

قراءة المزيد
نشر نعيه قبل موته!

نشر نعيه قبل موته!

تائه في لندن أنا، لذا تذكرت محمد عفيفي صاحب كتاب "تائه في لندن". ذات عام سألني أحمد خالد توفيق: كيف توصلت إلى زوجة محمد عفيفي؟ منذ سنوات طوال وأنا أبحث عن أي أثر لهذا الكاتب العظيم، ولم أصل لأحد!. كنت مثل أحمد خالد توفيق لسنوات أتقصى أثره، أبحث عن هذا الساخر الكبير،...

قراءة المزيد
Loading...