تفسير مختلف لما يجري في غزة!

بواسطة | مايو 1, 2024

مقالات مشابهة

مقالات منوعة

بواسطة | مايو 1, 2024

تفسير مختلف لما يجري في غزة!

في كتابه “نشوء وسقوط القوى العظمى”، يؤكد المؤرخ الأمريكي بول كيندي أن سقوط الإمبراطوريات الكبرى لا يكون بالضرورة بفعل قوى أخرى مكافئة لها في القوة والعدة والعتاد، وإنما يكون أحيانا من قوى صغيرة ناشئة، لديها أسلحة بسيطة غير متكافئة على الإطلاق مع القوة العسكرية الضخمة للإمبراطوريات؛ ودلّل على ذلك في كتابه بشواهد متعددة، وأكد أن هذا ما حدث خلال خمسمائة العام الماضية من عمر البشرية، بل وكان ذلك على مدار التاريخ.

وتأكيدا لذلك، لو عدنا إلى ما بعد ظهور الإسلام لوجدنا أن الفرس والروم كانوا يسيطرون على النفوذ العسكري والسياسي في قلب العالم، وحينما ظهر الإسلام ودخل في مواجهة مع كل منهما كانت أسلحة المسلمين أقل تطورا من أي من القوتين؛ ولكن المسلمين كانوا أرسخ عقيدة، وأكثر جرأة على العدو وثقة بالله، ولهم قراءتهم المختلفة لموازين القوى ووسائل وأساليب الصراع؛ فنتج عن ذلك أنه خلال سنوات معدودات استطاعت هذه القوة الجديدة، قليلة العدد والعدة، هزيمة الإمبراطوريتين، وتغيير مسار التاريخ وموازين القوى في العالم.

لذلك فإنه حينما يهيئ الله الأسباب للتغيير في الكون فليس بالضرورة أن يأتي هذا التغيير على يد القوى العظمى التي تملك عناصر القوة، لأن للنصر في عقيدة المسلمين أسبابا لا تقتصر على الأسباب المادية وحدها، ويكون الإعداد للقوة فيها على قدر الاستطاعة لا على قدر ما يملك العدو من إمكانات؛ قال تعالى: {وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم}.. وهنا تكون المعجزات بأن يأتي مدد الله وأسبابه ليتحقق ما أراد لكونه وعباده، رغم الفارق بين القوة التي أعدها المسلمون على قدر الاستطاعة امتثالا للأمر، وبين ما يملكه العدو من إمكانات.

ولعل التغيرات التي تحدث في العالم منذ ستة أشهر، وتحديدا منذ اندلاع معركة “طوفان الأقصى” تؤكد أن يد الله فوق الجميع، وأن المعركة تجاوزت حدود البقعة الجغرافية التي تدور فيها، وأن توازن القوى العسكرية بين الطرفين لم يعد خاضعا للمعايير البشرية المادية، وإنما لترتيب رباني شمل أنحاء العالم بشكل لم يحدث في الكون منذ عشرات السنين.

فالتظاهرات التي تدين إسرائيل، وتناصر شعب فلسطين، هي الأولى من نوعها في العالم منذ قيام إسرائيل على أطلال فلسطين عام ١٩٤٨؛ وهذه التظاهرات ليست في بقعة واحدة من الأرض، والمتظاهرون ليسوا من طائفة أو فئة شعبية واحدة، ولا يجمعهم دين واحد.. وإنما هي أمواج تحركت في أرجاء الدنيا، والخائضون فيها من كل البشر ومن كل ملة ولون ودين، وتمتد بقعتها من اليابان شرقا وحتى الولايات المتحدة غربا، ومن أقصى بقعة في شمال الكرة الأرضية شمالا وحتى أستراليا ونيوزلندا جنوبا.. وهذا يعني أن تغييرا كونيا يجري، فهو ليس محليا أو إقليميا.

فلم تعد هناك بقعة في الدنيا لا تعرف غزة وفلسطين، ولأننا – كمسلمين- نختلف عن غيرنا في فهم وتفسير ما يجري في الكون، وما يدور في الحياة من أحداث، حيث نزن كل شيء بميزان عقيدتنا وديننا، فإننا نقف عند عقيدتنا التي تؤكد من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية أن كل شيء يجري في الكون إنما هو بمقادير الله؛ ورغم أن ألم المعارك يتشارك فيه المسلمون وأعداؤهم، فإن المسلم يرجو من الله ما لا يرجو غيره، وإن النصر له أشكال متعددة، ويجري على مراحل مختلفة، ولعل يقظة العالم هي أولى مراحل النصر والتغيير.

وإذا عدنا إلى الأهداف التي انطلقت بها حركة حماس وقوى المقاومة في غزة إلى “طوفان الأقصى”، في السابع من أكتوبر الماضي، وجدنا أن الهدف الأساسي كان الحصول على بعض الأسرى الإسرائيليين، لمبادلتهم مع آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل، ولم يدُر في خلد رجال المقاومة الفلسطينية على الإطلاق أن المعركة يمكن أن تصل إلى ما وصلت إليه، وأن تكون أطول معركة في تاريخ إسرائيل وتاريخ الصراع معها، وأن تمتد كل هذه الفترة الزمنية رغم الاختلال الكبير في ميزان القوى والعتاد والعدة والرجال، وما كان متصورا أن تصل إلى ما وصلت إليه؛ إذ أصبح العالم كله مشاركا فيها، وانضمت إليها شعوب وأجيال وفئات من البشر، لم يسبق لها أن شاركت في أي عمل سياسي أو تظاهرات تضامنية تتعلق بقضية خارج نطاق بلادها.

لكن مدبر الكون سبحانه وتعالى له مشيئته التي أراد من خلالها أن يحرك العالم كله تعاطفا مع الفلسطينيين، وأن يعرّي الحركة الصهيونية وجرائمها، ويعرّي إسرائيل ومشروعها الاستعماري الإجرامي، وهي التي نجحت طيلة أكثر من قرن من الزمان في تسويقه واستغفال العالم وابتزازه، وأصبحت به ورما خبيثا في خاصرة الأمة الإسلامية يجب استئصاله.

لقد نجح الغرب على مدى أكثر من قرنين، من خلال سيطرته على وسائل المعرفة والإعلام في العالم، أن يرسخ النظرة إلى الموازين المادية للأحداث على أنها المعيار الأول والأخير الذي يقوم عليه كل شيء، وقد أثر ذلك بشكل كبير في اعتبار المسلمين لتلك الموازين، ونسي كثير منهم أن مدبر الكون وخالقه له موازين أخرى.

وإن التأمل فيما يجري في الكون منذ ستة أشهر كفيل بأن يذكّر المسلمين بأن ربهم هو الذي يدير الكون ويدبر شؤونه، وأنّ عليهم أن يعيدوا قراءة الأحداث وتفسير ما يجري في الكون من خلال منهج ربهم لا من خلال فهم أعدائهم، وأن يعودوا بفهم صحيح إلى قول ربهم: {يا أيّها الّذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم}.

4 التعليقات

  1. رياب عقار

    سلمت يمناك
    العالم الان ينهض ضد سياسة الكيل بمكيالين
    قوى الغرب لم تعد كما كانت قبل السابع من أكتوبر اختلت الموازين تغير كل شيء وبات تحرير فلسطين قريبا بإذن الله .

    الرد
  2. سناء أمين

    أول مرة اقرأ مقال حلو كده منذ شهور .. جزاكم الله خيرا و بارك فيك

    الرد
  3. لؤي عياد

    جزاكم الله خيرا احسنت التفسير

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

جحيم غزة.. من هم صانعوه؟

جحيم غزة.. من هم صانعوه؟

"رأيت طفلاً يبلغ من العمر 6 سنوات، كان ملقى على الأرض في غرفة الطوارئ، ولم يكن أي من عائلة الطفل حوله، فقد أُخبِرنا بأنهم قُتلوا جميعا! كان الطفل يعاني من حروق مؤلمة للغاية، وجروح مفتوحة في منطقة الصدر.. نظرت حولي بحثا عن أطباء أو عمال تمريض يساعدونني، فلم أجد، كانت...

قراءة المزيد
دموع في عيون وقحة

دموع في عيون وقحة

"دموع في عيون وقحة".. هو اسم المسلسل الدرامي المصري الذي جسد قصة أحمد الهوان، ابن مدينتي السويس وأحد أبطال الحرب الباردة بين مصر وإسرائيل، الذي خدع جهاز المخابرات الصهيوني على مدار سنوات قبل انتصار أكتوبر 1973، وجسد شخصيته في المسلسل الفنان عادل إمام باسم "جمعة...

قراءة المزيد
“إلى عرفات الله”.. كيف فر أحمد شوقي من الحج مع الخديوي واعتذر بأبهى قصيدة؟

“إلى عرفات الله”.. كيف فر أحمد شوقي من الحج مع الخديوي واعتذر بأبهى قصيدة؟

في عام 1909م، قرر الخديوي عباس حلمي الثاني (ت:1944م) السفر إلى الحج، ومن الطبيعي أن تكون هذه الرحلة تاريخية، إذ ستكون على ظهور الإبل والخيل، ثم على ظهور السفن التي تمخر عباب البحار. اصطحب الخديوي معه في رحلته هذه أمه أمينة هانم إلهامي (ت:1931م) حفيدة السلطان العثماني...

قراءة المزيد
Loading...