ساطع الحصري.. من الفكرة العثمانية إلى العروبة

بواسطة | أبريل 13, 2024

بواسطة | أبريل 13, 2024

ساطع الحصري.. من الفكرة العثمانية إلى العروبة

يكثر الحديث عن شخصيات غربية ظهرت على مسرح الأحداث التاريخي في المنطقة العربية في فترة الحرب العالمية الأولى، مثل لورنس العرب وجيروترد بيل وفيلبي، وغيرهم؛ وفي المقابل يخفت الحديث عن أبطال عرب أسهموا فكريًّا وميدانيًّا مثل: رستم حيدر وساطع الحصري ورشيد رضا وشكيب أرسلان، وغيرهم.

كتب المؤرخ وليم كليفلاند كتابًا بعنوان “ساطع الحصري.. من الفكرة العثمانية إلى العروبة”، ترجمة فكتور سحاب، حكى فيه سيرة الحصري (1880-1968م) وتحولاته.

درس كليفلاند حياة وفكر ساطع الحصري، وخطَّ كتابًا آخر عن أمير البيان، شكيب أرسلان؛ وقدَّم قصتيهما مع شرح للسياق الزمني والظرف التاريخي لهما، وهذا النوع من الكتابة يجعل البطل بوابة لفهم عصره والجدالات التي عاشها.

قدَّم كليفلاند شخصية قومية وأخرى إسلامية، واقترب كثيرًا منهما بسبب تنوع قراءته ودقته، وكتابه عن أرسلان من الكتب المهمة والمفيدة.

وُلد ساطع الحصري في 1880م، في الهزيع الأخير من الدولة العثمانية التي كانت تعصف بها رياح القومية، وتضربها أمواج الاستعمار القادم عبر البحار.. وُلِد لأبٍ من أصول سورية، عمل رئيسًا لمحكمة الاستئناف الجنائية في (صنعاء اليمن) موظفًا لدى الدولة العثمانية، ونشأ متنقلًا بين حواضر هذه الدولة.

تلقّى ساطع تعليمه الأوليّ في البيت، حيث كانوا يتكلمون تركية الطبقات العثمانية المثقفة، وتعلم اللغة الفرنسية بجانب العربية، التي لم تتحول لتصبح لغته الأولى إلا عام 1919م حين انتقل إلى سوريا، ومع ذلك ظلَّ يتكلم العربية بلكنة تُركية، ثم التحق بمدرسة من أفضل مدارس الدولة العثمانية (المدرسة الشاهانية) في إسطنبول، وهي مدرسة علمانية أُسست لتخريج بيروقراطيين للعمل في جهاز الدولة الإداري.

كانت تلك المدرسة مركزًا للجدل الفكري المحتدم بين مختلف التيارات السياسية في الدولة العثمانية، لذا كان من الطبيعي أن يصبح بعض منتسبيها قادة في الحركات السياسية المناهضة لشكل الحكم العثماني آنذاك.

تخرَّج ساطع في المدرسة الملكية بدرجة امتياز، لكنه كان راغبًا عن الالتحاق بالوظائف الحكومية، وبناء على طلبه عُيِّن مدرسًا للعلوم الطبيعية في إحدى مدارس البلقان، فارتحلَ إليها مطلع القرن العشرين وبقي فيها ثماني سنوات، كان لها بالغ الأثر في تشكيل وعيه السياسي. وسعى، خلال وجوده في البلقان، إلى تطبيق رؤاه الإصلاحية التربوية على مدارس السلطنة، لكنه سرعان ما شعر بالعجز والإحباط نتيجة الفساد المستشري في جهاز الدولة الإداري المتهالك آنذاك.. هكذا وصل الحصري إلى قناعة مفادها عدم جدوى الإصلاح التربوي في غياب الإصلاح السياسي.

شارك الحصري في حركة يوليو/ تموز عام 1908م، التي أطاحت بسيطرة السلطان عبد الحميد الثاني، إذ اتصلت جماعة الاتحاد والترقي بساطع، لأنه كان يؤمن باستعادة الدستور وتقييد السلطان عبد الحميد، ويعتبرهما الوسيلة الأفضل لصَوْن السلطنة العثمانية، لكنه سرعان ما نفر من المراوغات السياسية، ورفض تسلُّم أيٍّ من المناصب الإدارية التي عرضها عليه محمود شوكت.

طوى الحصري صفحة البلقان، ومنها انتقل إلى إسطنبول ليتسلم إدارة “دار العلوم” ويؤسس جريدة “أنوار العلوم”، مستأنفًا نشاطه الإصلاحي التربوي، ما أسبغ عليه لقب “أبو التربية التركية”. وعلى صفحات الجرائد التركية احتدمت المناقشات بين ساطع الحصري وبين المنظّر ضياء كوكب ألب، العقل المفكر للقومية التركية في مختلف المواضيع الاجتماعية.

وعلى الرغم من صداقة ساطع مع عبد الكريم الخليل، أمين سر مؤتمر باريس وأحد قادة الإصلاح العربي، لم يؤثر ذلك في مواقف ساطع السياسية، وظل عَزوفًا عن الانتماء إلى أي حركة عربية، وحافظ على مسافة واحدة من الجمعيات العربية السياسية الناشئة آنذاك في إسطنبول. وطوال عهد الدولة العثمانية، بقي الحصري مُخلصًا للوطنية العثمانية، ساعيًا إلى تعزيزها في نفوس الطلاب من خلال جهوده التربوية والتعليمية، رافضًا الدعوات القومية إلى تفكيكها.

لكنه ما لبث أن ألفى نفسه عثمانيًّا بلا وطن بعد الحرب العظمى، فالحرب العالمية الأولى وضعت أوزارها، والدولة العثمانية لم يعد لها وجود على الخارطة السياسية الدولية؛ لذا لم يجد ساطع بُدًّا من العودة إلى العرب في سبيل بناء أمة جديدة على أسس أحدث، فجعل القومية العربية رابطًا جامعًا، واعتبر انهيار الدولة العثمانية حتمية تاريخية لا يجوز اتهام الثورة العربية بالتسبُّب فيها.

غادر ساطع الحصري إسطنبول قاصدًا سوريا في يونيو/ حزيران 1919م، ليعتنق قضية جديدة وينافح عن القومية العربية، وهكذا تحوَّل من ساطع بك العثماني إلى ساطع الحصري القومي العربي.

“لمَّا ذهبتُ إلى سوريا، كنتُ في غِنى عن تعريف الناس بي، لأن كتاباتي ومحاضراتي كانت مشهورة في كل النواحي العثمانية”.. هكذا عبَّر ساطع عن نفسه، فقد كان معروفًا لدى النخبة العربية. وقد وصل ساطع إلى دمشق، التي أصبحت مَهوى أفئدة المثقفين والقوميين العرب، وأملَهم في تأسيس الدولة الجديدة بقيادة الأمير فيصل بن الشريف حسين، فالتقى رجل الفكر برجل السياسة في دمشق، ونشأت بينهما عَلاقة استمرت سنوات طويلة، وعُيّن ساطع الحصري وزيرًا للتربية.

وفي كتابه “صفحات من الماضي القريب”، يحكي ساطع قصة تعرُّفه إلى الملك فيصل لأول مرة في دمشق، عقب عودة فيصل من مؤتمر الصلح في باريس، وذلك استعدادًا لاستقبال لجنة الاستفتاء الأمريكية، فقد دخل ساطع عليه ليلًا في قاعة من قاعات قصر “الجسر”، وقال له فيصل: “كلما كنت أقرأ لك وأسمع عنك، كنت أتخيَّلك شيخًا متقدمًا في السن، ولهذا السبب سُررت جدًّا بمشاهدتك هكذا في سن الكهولة وعهد النشاط؛ وهذا من حُسن حظ الأمة العربية.. سيكون أمامك مجال واسع لتخدمها في حياتها”.

وعام 1919م، وبينما كان ساطع يخوض صراعًا مع الحاكم العسكري العام في المملكة العربية الناشئة في سوريا حول آليات العمل ومناهج التربية والتعليم، كانت الجيوش الفرنسية تستعد لاحتلال سوريا، تنفيذًا لاتفاقية سايكس-بيكو.

وجّه الجنرال غورو إنذارًا إلى حكومة فيصل، يأمرها بحلِّ الجيش العربي، واعتماد النقد الفرنسي، وتسليم السكك الحديدية إلى السلطة الفرنسية. وكان من مهام ساطع تسلُّم الإنذار من الجنرال الفرنسي غورو، وهكذا كانت هموم تلك الفترة بقاء مملكة سوريا أكثر من هموم مشروعات الحصري التربوية بعيدة المَرمى، فانغمس الحصري – وقلَّما كان ينغمس- في مشكلات السياسة اليومية بحق.

كان لإعلان بريطانيا وقوفها على الحياد في الخلاف بين فيصل والفرنسيين تأثيره، ما جعل فيصل وحيدًا في مواجهة فرنسا، ما حدا به إلى القبول بشروط غورو، وأرسل إليه ببرقية يُعلمه فيها بحلِّ الجيش العربي، و(تجاهَل غورو البرقية)، فاندفعت جيوش فيصل للقتال ضد الفرنسيين وهُزمت في ميسلون، التي حضرها ساطع الحصري ووثّق قصتها.

يصف لنا ساطع أجواء معركة ميسلون بقوله: “وردت إلينا أخبار ميسلون، وما كنتُ أستطيع أن أُمَنِّي نفسي بأيّ أمل في الانتصار بعد أن علمْتُ ما علمتُ عن أحوال جيشنا، وشاهدْتُ ما شاهدتُ من عدد الجيوش الفرنسية، وما كنت أجد مجالًا للشكّ في النتيجة الأليمة التي ستنتهي إليها المعركة، ومع ذلك كنت أتمنّى أن تطول المعركة قدر الإمكان، وأُمَنِّي نفسي بمعركة عنيفة، تساعد في حفظ شرفنا العسكري، على أقل تقدير.

وانكسر الجيش، واختُرِقتِ الجبهة، وقالوا: يوسف العظمة قُتِل في ميسلون، قلتُ: بل إنه انتحر هناك، واستُشهد على كل حال.. وكان يوسف العظمة قد انتحى بي زاوية من الغرفة قبل المعركة، وقال لي بالتركيّة: أنا ذاهب إلى المعركة، وأترك ليلى ابنتي أمانة لديكم، أرجوكم ألا تنسَوها”.

وفي الأول من أغسطس/ آب 1920م، غادر ساطع الحصري سوريا برفقة الملك فيصل وحاشيته بعد طرد الفرنسيين إياهم، وكانت حيفا وجهتهم الأولى، لينتقلوا بعدها إلى ميناء بورسعيد قاصدين الوصول إلى أوروبا، ويصف ساطع هذه الرحلة بقوله: “بَقِينا على ظهر الباخرة وقد هيَّأتْ هذه الأيام للملك فيصل جوًّا هادئًا للاسترسال في استعراض وقائع الماضي من جهة، والتفكير في احتمالات المستقبل من جهة أخرى، كما هيَّأتْ لي فُرَصًا كثيرة للحديث إليه طويلًا، وملاحظة نزعاته النفسية مليًّا.

فكثيرًا ما كان الملك فيصل يستعرض حوادث الماضي بنظرة انتقادية، ويُقلّب وجوه الخطأ والصواب فيها، ويُظْهر ندمه على بعض الوقائع والمواقف، وكان يوجّه إليَّ اللوم مباشرة من حين إلى حين.

ولكنه كان يفكر أكثر من ذلك كله في المستقبل، وكان قد ألقى عليَّ مهمة جديدة، تقضي بافتراقنا مدة من الزمن، وهذه المهمة كانت السفر إلى إسطنبول، للاتصال بالكماليِّين من أتباع مصطفى كمال، ومعرفة مدى المساعدات التي يمكن أن نأملها منهم في كفاحنا ضد الفرنسيين”.

وبعد تخلي فيصل عن مسار المقاومة في سوريا، ورغم جهود الحصري في حشد مساندة أتباع مصطفى كمال له هناك، واصل مساعدته فيصل وإيمانه بمشروع الدولة العربية تحت قيادته.. “علمتُ خلال اتصالاتي ببعض رجال وزارة الخارجية الإيطالية، أن الحكومة البريطانية أعدَّتْ مشروعًا يتضمّن صكّ الانتداب على العراق، ومشروعًا آخر يتضمّن صكّ الانتداب على فلسطين، وقد أرسلتْ بصورة سِرّية نسخة من كِلا المشروعين إلى الخارجية الإيطالية قبل عرضهما على عصبة الأمم.

وتوسّلتُ بشتّى الوسائل للحصول على تلك المعلومات السرية، لكي يفيد الملك فيصل منها في مفاوضته مع الإنجليز، لأن هذا الاطلاع يقيه أفخاخ السياسة التي برع في نَصْبها الأوروبيون، وحصلتُ على الوثيقة، وساعدتني زوجتي (أم خلدون) في نَسْخها، وضَحَّت بنومها في تلك الليلة، وفي الصباح وصلت الوثيقة إلى الملك فيصل، وسُرَّ بها سرورًا عظيمًا، وكانت هذه فاتـحة الخِدْمات التي قدّمتُها إلى العراق وإلى القضية العراقية بصورة مباشرة”.

بعد خيبة الآمال في سوريا، وانتهاء حلم الدولة العربية هناك، أمضى ساطع الحصري السنة التالية في سفر شبه متواصل، وتحوَّل مع الملك فيصل إلى منبوذَين بلا وطن، يستحثان التأييد لقضية بعثر الاحتلال الغربي أنصارها في كل مكان، وما كتبه الحصري في شأن فيصل يصحّ فيه أيضًا، إذ قال: “مودّعًا حياة حافلة بشتى الأعمال والذكريات، ملتمسًا حياة جديدة تكتنفها أنواع الاحتمالات”.

‏رأى الحصري الملك فيصل في أشد ثورات غضبه، وأعمق حالات الرضا، عاشره في أتعس أيام الخيبة وأسعد سِنيّ الفوز، ورافقه في أحرج ظروف حياته، وفي أبهج أيام نجاحه. ومن أهم ملاحظات الحصري أن فيصل كان ذكيًّا، حاد الذكاء، وينفُذ إلى دقائق الأمور وخفاياها بصورة تثير الإعجاب.

والملاحظة الثانية أن فيصل كان خارق المرونة؛ يتكيف بسرعة كبيرة وفق مقتضيات الأحوال والظروف، من الوجهتين المادية والمعنوية، فإذا ما رأيتَ فيصل على مائدة أوروبية، خِلْتَه رجلًا عريقًا في الحياة الأرستقراطية الغربية، كأنه نشأ منذ نعومة أظفاره على أدق تقاليد البلاطات الملكية، وإذا شاهدتَ فيصل في خيمة بدوية، خُيّل إليك أنك أمام رجل لم يفارق البادية، فلم يأخذ أدنى نصيب من متارف المدنية.

إن شخصية فيصل البدوية – ومقدرته العشائرية- تجلَّت أمام الحصري على أوضح الصور لأول مرة، في ظل بيت شعر مكشوف الجوانب، أقيم بالقرب من محطة السكة الحديدية في درعا.. لقد جلس الملك فيصل القرفصاء، بالرغم من ملابسه العسكرية، وأخذ يحادث الشيوخ المجتمعين حوله بلهجة بدوية صرفة، بأوضاع بدوية بحتة، كأنه واحد منهم، ولا يختلف عنهم أبدًا. كانت كلماته التي يلفظها ترافق حركة أو إشارة من يده، أو رأسه، أو عينه، أو جذعه، أو منها جميعًا، وكانت يده – على وجه أخص- لا تنقطع عن الحركة والإشارة.. كل ذلك تماشيًا مع سياق الكلام، ومقتضيات الحديث، والشيوخ من حوله يُصغون إليه بانتباه عميق، كأنهم مسحورون بأطواره وأحاديثه.. وعندما يجيبون عن أسئلته يبدؤون الكلام بقولهم: “والله يا بو غازي..”.

ولكن ساطع رآه بعد شهرين من ذلك التاريخ في أحد الفنادق الإيطالية الفخمة، يبدو للناظرين في صورة أمير أوروبي ظريف، يجذب الأنظار بلباقته النادرة وأناقته الممتازة، وقد سمع الحصري كثيرين من نزلاء الفندق – من رجال ونساء- يتهامسون أو يتحادثون عنه بإعجاب عميق: “ما أظرفه! ما أنبله! إن آثار النجابة والأصالة تبدو على مُحيَّاه بكل وضوح.. حقًّا، إنه أمير ممتاز!”.

كانت المحطة الجديدة لساطع الحصري هي العراق، حيث وصل إلى بغداد، وعلى ضفاف دجلةَ انطلق في مشروع جديد، ساعيًا إلى تحقيق آماله في الوَحْدة العربية من خلال المسار التربوي والثقافي، وفي هذه الحقبة اجتنب الحصري العمل السياسي، واتجه إلى العمل التربوي والتعليمي، إذ وجَّه التعليم توجيهًا وطنيًّا، ورفع مستوى “دار المعلمين العليا”، وأنشأ مجلة “التربية والتعليم”، ولم يدرس تاريخ الأقوام الأخرى إلا بمدى علاقته بالتاريخ العربي، وجعل تدريس التاريخ العراقي والعربي على النحو الذي يذكي المشاعر القومية عند الطلبة.

واعتمدت وزارة المعارف العراقية كتاب درويش المقدادي في المدارس الثانوية لتثقيف النشء على هُويتهم العربية بوصفها هُوية سياسية، واعتبرت تاريخ الإسلام تاريخ مَجْد وبطولات، ومواقعَه عربية.

اصطدم ساطع الحصري بواقع جديد في العراق، إذ لم يأخذ حساسية التنوع الديني والمذهبي بحسبانه في أثناء صياغة السياسات التعليمية، ما أثار ضده عديدًا من الانتقادات، حتى تطلَّب الأمر تدخل الملك فيصل لحل الإشكال؛ وتجدَّد الجدل بعد رفضه تعيين الشاعر محمد مهدي الجواهري أستاذًا في الثانوية.. وبوفاة فيصل الأول فَقَد الحصريّ أحد أهم داعميه في العراق، وبعد فترة نُقل إلى إدارة الآثار.

وكان من أهم الاستشارات التربوية التي سأل فيصل الحصريَّ فيها رأيه في ذكاء ابنه غازي بسبب تأخُّره الدراسي، فقال له فيصل: “إذا كان غازي لا يخلو من غباوة، فأنا سوف لا أتردد في العمل بما يحتمه عليَّ الواجب الوطني، سأجمع مجلس الأمة، وسأقول: إني أجعل الأمة في حِلٍّ من ولاية عهد ابني، وأترك لها الحرية التامة في تقرير ما يجب عمله في هذا الشأن”!. وبعد نقاش الحصري مع غازي ومتابعة دروسه تأكد أن الموضوع تأخُّرٌ في الدراسة وليس تأخرًا عقليًّا يمنعه من الحكم.

وشهادة الحصري عن فيصل تدلُّ على حضور وفاعلية كثير من الشخصيات العربية في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى وسعيها لبناء دولة وطنية؛ رغم نكد الإنجليز وتدخُّلهم وتقطيع الاستعمار مشروع الاستقلال، وهذا يناقض صورة المستشارين الأجانب، صانعي الملوك العرب، واعتبار العرب مفعولًا بهم فقط، فقد سعَوا بكل قوتهم لبناء دولهم رغم تدخل الاستعمار، واعتمد فيصل على سياسة “خُذْ وطالِب”.

وفي كتاب “الظل والحرور” تُنقل قصةٌ من مذكرات بائع الكتب قاسم رجب عن ساطع الحصري وشرائه الكتب: “كان ساطع الحصري يفاصل عند شراء الكتب من أي إنسان، فأذكر مرة أنني عرضتُ عليه كتابًا اسمه (نزهة الزمن في تاريخ اليمن) للحجة الحسن، طبعة هامبورغ، وكان قليل الصفحات، فلا تزيد صفحاته على 70، وثمنه مرتفعًا جدًّا، فطلب مني تنزيل ثمنه وأرسل إليّ مذكرة كتب عليها بخطه (موا….) ولم يُتمَّ الكلمة، فإن وافقتُ على تخفيض سعره، فسوف يكتب بقية الكلمة (… فق)، وبما أنني أعرف أنه إذا لم يشترِ هذا الكتاب من مكتبة المتحف فإنه سوف (يبور) ولا يُباع، تنازلتُ عن ذلك السعر، فأكمل كلمة (موافق)”.

ويحكي عباس حضر، الذي عمل محررًا في مجلة “الرسالة”، أن أصعب المقالات في التحرير للغة العربية مقالات ساطع الحصري، والسبب أن ساطع كتب وتكلم التركية في فترة حياته الأولى، ثم تحول إلى القومية العربية والكتابة بها.. وفي عام 1947م تابع الحصري نشاطاته في القاهرة، وعمل مستشارًا في اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية، وعُيّن أول مدير لمؤسسة الدراسات العربية العليا، وتوفي ببغداد في ديسمبر/ كانون الأول عام 1968م، عن ثمانية وثمانين عامًا.

عاش الحصري حياة عريضة بين عالَم تركيا العثماني وتفاعل معه وكتب بالتركية، ثم عالَم العروبة، واقترب من فيصل بن الحسين وكتب عن القومية العربية.. هو مثقف زمن التحولات التاريخية، إذ شهد على نهاية مرحلة وبداية تجربة جديدة، هكذا تكون حياته تُلخّص حقبة كاملة من التاريخ العربي.

وقصة الحصري يختصرُها قوله: “لم أشتغل بالسياسة بمعناها المُتَعارف عليه، بل ركّزتُ جهودي حول ما كنت أعتبره فوق السياسة، أو المَرْتبة العُليا من السياسة، ولم أَتَوَلَّ وظيفة سياسية، ولكن هذا لا يعني أني لم أهتمّ بالأحوال السياسية أو لم أكترث بها”.

يحكي ساطع الحصري ما حدث له في أول مائدة بدوية شارك فيها مع الملك فيصل، وكان ذلك في العراق، كانت المائدة بدائية وبدوية بكل معنى الكلمة: على صينية كبيرة القطر، تلٌّ من الأرز كثير الدهن، وعليه خرفان سمينة، ولم يوجد من آلات الأكل شيء غير الملاعق المُعدّة لشرب اللبن، فجلس الملك فيصل على الأرض، ببشاشته المعهودة، وشمَّر أردانه إلى كتفيه، وأخذ يتناول الطعام على عادة البدو تمامًا.. مدَّ يده إلى الخروف، وقطع اللحم بأصابعه الطويلة، وبعد ذلك أخذ يملأ كفه بالأرز، ثم يعصره عصرًا يؤدي إلى سيلان الدهن من بين الأصابع، وطفق الملك يأكل بشهية وبساطة، كأنه لم يأكل طول حياته على أسلوب غير هذا الأسلوب، أما الحصري فقد حار في ما يجب عمله في هذا الوضع للوهلة الأولى، ثم أخذ يستعمل الملعقة مقام السكين، يقطع اللحم بطرفها الحاد، واستعان بما تذكَّره عن طريقة طعام أهل الصين، وصار يدفع بالملعقة مقدارًا من الأرز على الخبز المُرقّق، ثم يدفع عليه اللحمة المقطوعة، وتوصَّل بهذه الصورة إلى تناول الطعام دون أن يلوّث يده وأصابعه بالدهن أو اللحم، وكان الملك فيصل قريبًا منه، وعندما شاهد الطريقة التي ابتكرها الحصري، قال له مبتسمًا: دبّرْتَها؟!

وانصرف الحصري إلى الأكل مع شيء من الارتياح، لتغلُّبه على المشكلة التي جابهته على هذا المنوال، غير أن هذه الأريحية لم تدُم طويلًا، لأنه شعُر، بعد مدة قصيرة، بقطعة كبيرة من اللحم المدهن تنقض على قفا يده بكل حرارتها وسمانتها، فتُفسد عليه كل الجهود التي كان بذلها.. وكانت قطع من اللحم رماها فجأة فيصل على ظهر يد الحصري، وانطلق الملك فيصل – في الوقت نفسه- يُقهقه قهقهة عالية، ويقول: عوّد نفسك يا شيخ!

فعلَّق الحصري قائلًا: “عوِّد نفسك، يا شيخ!”.. هذه العبارة التي ألقاها عليَّ فيصل في الظرف الذي ذكرتُه آنفًا، كان يعمل بها على الدوام، ويعوِّد نفسه جميع الأعمال الملائمة لجميع الظروف.

1 تعليق

  1. بدر الصالح

    مقالة شيقة بسطتم بشكل موجز عن سيرة رجل في زمن كما وصف في المقالة زمن التحولات. هذه التحولات التي رأينها في شخص ساطع من مثقف تركي الى حركي عربي. رائع انت يا شيخ محمد بك.

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

شمال غزّة يموت جوعا!

شمال غزّة يموت جوعا!

المشهد الأول: نخوة العرب في الجاهلية بعد أن وقّعت قريش وثيقة المقاطعة الظالمة لبني هاشم، وعلقتها في الكعبة لتعطيها شيئا من القداسة، جاء هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، لتمزيق هذه الصحيفة رغم أنهم كانوا جميعا على الشرك، ولكن كان...

قراءة المزيد
مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

والد لا يعارض ثورة أمَّمت شركاته خسر والد محمد سلماوي كثيرًا من مشاريعه التجارية بسبب التأميم، وكذلك خسر أراضي زراعية بسبب الإصلاح الزراعي، لكنه لم يعترض في فترة حكم عبد الناصر، وهُنا أعجبني تحليل سلماوي موقف والده، فقد اندهش سلماوي كثيرًا بعد رحيل عبد الناصر، وحين...

قراءة المزيد
لا نامت أعين الجبناء

لا نامت أعين الجبناء

في سكرات موته بدا واهنًا بشكل لا يُصدَّق، كان قادرًا على أن يلمح الوجوه الجزعة التي جاءت لتطمئن عليه، لم يستطع جسده المحموم أن يبلغ به وضع القعود، فتحسس جسده بكلتا يديه وابتسم ! إن جسده المرهق الواهي ليس فيه موضع سليم، لا يوجد شبرٌ واحد على حاله التي خُلق عليها،...

قراءة المزيد
Loading...