عندما اتصل صدام حسين بيوسف إدريس محيياً!

بواسطة | أبريل 30, 2023

بواسطة | أبريل 30, 2023

عندما اتصل صدام حسين بيوسف إدريس محيياً!

الروح في الكتابة، كالنفس في الطهي؛ فليس الطعام مقادير فقط، إذا تم ضبطها تم ضمان النتيجة، بل يبقى أنّ النفس دائما هي التي تصنع الفرق؛ وكذلك الحال بالنسبة للكتابة. ولهذا فالدرس الأول في كتابة المقال الصحفي ينبغي أن يكون نصيحة للمتدرب: كن نفسك!.
بعض الكتاب لا يكونون أنفسهم، فتحدث الازدواجية في الشخصية بمجرد أن يمسك أحدهم بالقلم، أو يضع أصابعه على لوحة المفاتيح بجهاز الكمبيوتر؛ لأنه يتحول إلى شخصية أخرى، وبالأحرى إنه هنا يتقمص شخصية الكاتب؛ وكما أن هناك كتابا يفتقدون روح الفكاهة، ومع هذا يتحولون إلى مسخ ليكونوا كتابا ساخرين، فإن من هم ساخرين بطبيعتهم، قد يتحولون إلى شخصيات جادة، إذا هموا بالكتابة، وهم يتصنعون الجدية كما يتصنع غيرهم السخرية. وفي النهاية فإن هؤلاء وهؤلاء لم يكونوا أنفسهم!.

كانت سطور صلاح منتصر عادية جدا، لأنه كان ينفصل عن نفسه عندما يكتب، فتبدو كتابته كملامحه جادة؛ وإذا كان معلوما عن الكتاب الساخرين أنهم في معظمهم أصحاب وجوه عابسة

وأزعم أن مشكلة الكاتب الراحل صلاح منتصر (1933- 2022) في أنه لم يكن نفسه، ولا أعرف متى بدأ كتابة عموده في الأهرام “مجرد رأي”، لكني أعرف أنه عندما بدأتُ العمل في الصحافة في 1987، كان هو من يكتب هذا العمود، وكنا نذكر له قبلها حملته على التدخين والإدمان، وقد كتب عن قصة إدمان الفنان فاروق الفيشاوي، وقد زاره في مكتبه مع زوجته الفنانة سمية الألفي، التي وقفت بجانبه في هذه الفترة، وقبل أن ينفصلا، وعند انفصالهما سرت شائعة أنها تزوجت من صلاح منتصر، ولم يكن هذا صحيحاً!.
كانت سطور صلاح منتصر عادية جدا، لأنه كان ينفصل عن نفسه عندما يكتب، فتبدو كتابته كملامحه جادة؛ وإذا كان معلوما عن الكتاب الساخرين أنهم في معظمهم أصحاب وجوه عابسة، لأنهم في الآخِر ليسوا من فريق الفنان شكوكو، إلا أن صرامة ملامح منتصر كانت تنتقل إلى سطوره، ولو أنه قرر في شبابه أن يكون كاتبا ساخرا لكان، لكن من الواضح أن بيئة الأهرام أثرت في كتاباته، وإن ظل في سلوكه العام هو ابن “أخبار اليوم” التي انتقل منها، وما عرف عن الجيل المؤسس لها من ميله لـ “المقالب” ولخفة الروح!.
عندما بدأت في كتابة زاويتي اليومية بجريدة “الأحرار” سنة 1999، تلقيت اتصالا من الكاتب الكبير يوسف الشريف، الذي كنت قد عملت معه “محررا” في مكتب جريدة “الوطن” الكويتية، قبل الغزو العراقي للكويت، وكان هو مديرا للمكتب. قال في عجالة:
سليم.. صلاح منتصر دايخ عليك، أرجوك اتصل به على هذا الرقم…
فاتصلت به، وما أن عرفته بنفسي حتى رد ببرود: لا خلاص!.
ايه اللي خلاص؟! الأستاذ يوسف الشريف قال لي أكلمك!.
وكان واضحاً أن بروده متصنع، فقد ذكر لي بعد ذلك أنه يتابعني كل صباح، فلما أدهشته هذه القدرة على الكتابة الجميلة، اعتقد أنني واحد من جيله، وأنني سقطت من ذاكرته، فلما سأل عني يوسف الشريف، أخبره نصا بأنني “عيِّل” من دور أبنائهم!.
وأسعدني بكل تأكيد وهو يقول لي إنه يبدأ يومه بقراءة “الأحرار”، وتكون البداية من الصفحة الثانية حيث عمودي “كلام في الهواء”؛ ثم تكررت بيننا الاتصالات التليفونية، ومع أني كنت قد شاهدته قبل ذلك بسنوات في معرض الكتاب، سواء متحدثا أو مستمعا، ثم شاهدته بالملابس الرياضية في شارع التحرير يمارس رياضة المشي، فإني لم أشاهده بعد ذلك سوى بعد الثورة، في مجلس الشوري، عندما ذهبت لمقابلة رئيس المجلس أحمد فهمي لتقديم مذكرة اعتراض على استبعادي من عضوية المجلس الأعلى للصحافة، بالمخالفة للقانون، وكان صلاح منتصر عضوا بالتعيين، ضمن من يعينهم رئيس الجمهورية من الشخصيات العامة، وقد عينه مبارك كما عينه محمد مرسي!.
وفي البداية كان عضواً في المجلس بحكم منصبه، رئيس مجلس إدارة دار المعارف، ورئيس تحرير مجلة “أكتوبر”؛ فلما غادرهما استمر بصفته من الشخصيات العامة، كما عينه مبارك عضوا في مجلس الشورى لدورة أو لأكثر. والمدهش في شخصيته، أنه مع كون الصحفي لا يشعر أن عطاءه قد اكتمل إلا إذا صار رئيسا للتحرير؛ فقد اشترط هو، قبل قبوله رئاسة دار المعارف والمجلة التي تصدر عنها، أن يستمر في كتابة عموده في الأهرام، فكان له هذا. ولما وصل لسن الستين، فاجأ النظام باتصاله بالدكتور مصطفى كمال حلمي رئيس مجلس الشورى، ليخبره بأنه ترك مكتبه في المجلة، ورفض رجاء حلمي أن يستمر حتى إبلاغ الرئيس؛ وكان الاتجاه لاعتبار ترك رؤساء المؤسسات الصحفية لمواقعهم بعد تجاوزهم سن الإحالة للمعاش مخالفةً للقانون!.
لقد أجرى قبل سنوات عملية دقيقة، ومن يومها قرر الاهتمام بنفسه، فصار يكثر من السفر، ومن الرحلات، ومن الاهتمام بصحته، فبدا لي عندما رأيته، وكان قد اقترب من الثمانين من عمره، أصغر من هذا بكثير. ويحكي المقربون منه عن مقالبه ونكاته، وقد سألته عن موقف له نقل إليَّ، كان مع يوسف إدريس، فأكد صحة الحكاية!.

الوحيد الذي شذ عن القاعدة، ومثل استثناء لها، كان هو يوسف إدريس الذي كان يرى نفسه أحق بنوبل، لولا موقفه الرافض لإسرائيل، ومواقف نجيب محفوظ المؤيدة لها!.

قبل غزو الكويت، كانت علاقة صدام حسين بنظام مبارك قوية، وكان غير مسموح الاقتراب منه بشطر كلمة؛ وعندما هرب سليمان فرحات من العراق، وألف كتابه “يوميات بعثي سابق”، فإن من ألقى القبض عليه كان زكي بدر، وزير الداخلية، لتجاوزه في حق حامي البوابة الشرقية، لكن الكتاب صدر بعد الغزو عن دار الزهراء للإعلام العربي!.
وكان الرئيس العراقي تربطه علاقة جيدة برؤساء تحرير الصحف المصرية؛ وكثيرا ما كان يدعوهم إلى هناك في احتفالات مختلفة، ويغدق عليهم بالهدايا، وذات مرة أهداهم، وأهدى غيرهم من المسؤولين المصريين، سيارات مرسيدس؛ وأذكر أننا في “الأحرار” اعتبرناها هدية للجريدة والحزب، ولم يكن ثمن جماركها متوفرا، فتم بيعها في المطار، وتوريد المبلغ لحساب الجريدة بالبنك!.
وذات مرة كانت الدعوة لعدد من الكتاب، من بينهم صلاح منتصر، والأديب الكبير يوسف إدريس، وكان نجيب محفوظ قد فاز بجائزة نوبل، وفرح له المصريون، حتى اليسار الذي كان ينظر إلى محفوظ باعتباره يمينيا منحازا للسلام مع إسرائيل!.
الوحيد الذي شذ عن القاعدة، ومثل استثناء لها، كان هو يوسف إدريس الذي كان يرى نفسه أحق بنوبل، لولا موقفه الرافض لإسرائيل، ومواقف نجيب محفوظ المؤيدة لها!.
وكان يوسف إدريس طفلا إذا غضب، وطفلا إذا فرح، وكان تخطي الجائزة له مبررا لإعلان الحرب، والتأكيد بدون خجل أنه الأديب الكبير الذي يستحق نوبل بدون منازع، وكانت طفولته لا تكتفي بجعله نرجسيا فقط، لكنه كان يعبر عن نرجسيته بتطرف ومبالغة!.
كان في حالة استنفار عام، وفي غضب شديد، وقد أعلن الحرب ولا أمل في أن يهدأ، وتلقى في غرفته في أحد فنادق بغداد اتصالا من الرئيس صدام حسين!.
قال له: أنت أديب الأمة والمعبر عن نبضها. فيصرخ يوسف إدريس شاكرا للأخ القائد، وزعيم الأمة، والمهيب الركن، هذا الكرم وهذا التقدير!. ويذكره المهيب الركن ببعض قصصه وما جاء فيها، ويعددها له قصة قصة، وحكاية حكاية، فيعاود الأديب الكبير الصراخ ممتنا وشاكرا الأفضال!.
ثم داس الأخ القائد على الجرح، بأن ذكر له أن السبب في عدم حصوله على نوبل، هو أنه يعبر عن نبض الأمة وآمالها، وقيمها وأحلامها؛ ليصل صراخ يوسف إدريس إلى عنان السماء. ليبلغه الرئيس القائد بقراره أنه أقرَّ جائزة قدرها ضعف نوبل ماليا، ومنحَها في هذا العام ليوسف إدريس، وعليه فقط أن ينشر ذلك في الأهرام؛ ولأن الطبعة الأولى كانت قد صدرت، فإنه طلب من رئيس التحرير المناوب، أن تحمل الطبعات التالية خبرا في الصفحة الأولى، وأن تخصص الصفحة الأخيرة له، بأسماء كتبه، ومسيرته الصحفية والأدبية، ونشر أكثر من صورة لمراحل مختلفة له!.
وبعيد يومين كان في السفارة المصرية، في انتظار عدد “الأهرام” ليرسله للرئاسة، فهاله أن الخبر لم ينشر، واتصل بالمسؤول عن النشر معنفا، فأخبره أن قرار عدم النشر صدر من إبراهيم نافع رئيس التحرير؛ ولما اتصل به، اكتشف الحقيقة المرة، وهي أنه لا جائزة هناك، وأن من اتصل به لم يكن المهيب الركن، وإنما صلاح منتصر، الذي خشي من النشر، فاتصل بإبراهيم نافع لمنعه. وعاد يوسف إدريس الى الفندق غاضبا، وهو يبحث عن صلاح منتصر ليضربه!.
لم يكتب صلاح منتصر هذا “المقلب”، أو غيره من المواقف الطريفة المرتبطة بشخصيته، لأن من كتب لم يكن هو صاحب هذه المقالب، بل الكاتب الذي يعيش بروحين، روح في الواقع، وروح عند الكتابة، فيفتقد للروح إذا كتب، وللنفس إذا طبخ!.
كونوا أنفسكم!.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

دانشمند: تحولات الغزالي وروح عصره  (3)

دانشمند: تحولات الغزالي وروح عصره  (3)

بعد جزالة اللغة وسعة الخيال والمهارة في الربط بين أجزاء الرواية؛ يبقى التفنن في الوصف والقدرة على تحريك الشخوص وفق أدوارهم المرسومة محل اختبار لكل روائي، وفي رواية دانشمند نجاح ماتع في "الرسم بالكلمات" لملامح الأشخاص، وقدرة إبداعية على تحريك شخصيات الرواية الكثيرة في...

قراءة المزيد
الرّدّ على المشنّعين على شعيرة الأضحية وكشف زيفهم

الرّدّ على المشنّعين على شعيرة الأضحية وكشف زيفهم

متّكئًا على أريكته بعد أن ألقى في بطنه وجبة دجاجٍ من "كنتاكي" وكان سبقها بيومٍ بالتهام شطيرة لحمٍ من "ماكدونالدز"؛ يرفع عقيرته بالتّشنيع على المسلمين الذين يذبحون الأضاحي في العيد لأنّهم يمارسون الجريمة بحقّ الحيوانات ويرعبه منظر الخراف المسكينة التي لقيت حتفها على...

قراءة المزيد
نشر نعيه قبل موته!

نشر نعيه قبل موته!

تائه في لندن أنا، لذا تذكرت محمد عفيفي صاحب كتاب "تائه في لندن". ذات عام سألني أحمد خالد توفيق: كيف توصلت إلى زوجة محمد عفيفي؟ منذ سنوات طوال وأنا أبحث عن أي أثر لهذا الكاتب العظيم، ولم أصل لأحد!. كنت مثل أحمد خالد توفيق لسنوات أتقصى أثره، أبحث عن هذا الساخر الكبير،...

قراءة المزيد
Loading...