أزمة جمهورَي العنابي والنشامى.. وفتنة الفراعنة ومحاربي الصحراء!

بواسطة | فبراير 20, 2024

بواسطة | فبراير 20, 2024

أزمة جمهورَي العنابي والنشامى.. وفتنة الفراعنة ومحاربي الصحراء!

تاريخ الصراعات الرياضية بين مصر والجزائر يستحضر تحذيرات حول الوصول لمستويات العنف. المقال يناقش التصعيد الإعلامي والسلوكي ويحذر من تأثيره على العلاقات العربية.

التصعيد الرياضي والإعلامي بين الجزائر ومصر – دروس وتحذيرات

على خير ودون تطرف انتهت سريعا المناوشات بين جمهوري “العنابي” و”النشامى” الشقيقين، بعد المباراة النهائية لكأس آسيا لكرة القدم، والتي أسفرت عن  تتويج المنتخب القطري بطلا للقارة للمرة الثانية على التوالي، مع ظهورٍ مشـرِّف وقفزة كبيرة للمنتخب الأردني، بالوصول للنهائي القاري لأول مرة.

مثل هذه المناكفات بين مشجعي الكرة واردة على كل حال، وإن كانت خرجت عن المألوف قليلا وزادت سخونةً لأهمية المباراة والبطولة؛ وأعتقد أنه بزيادة الخبرة لدى الجمهورين، إذا دخل أحدهما منافسة من هذا النوع مستقبلا مع جمهور آخر، فسيضع المنافسة في إطارها الطبيعي، مثلما تفعل الجماهير التي تعودت كثيرا على المناوشات أو “التحفيل” وفق مصطلح العصـر.

وليست ببعيدة عنا معركة “الطعمية” و”الكبسة” مؤخراً بين جمهوري الأهلي المصـري والاتحاد السعودي، التي دارت رحاها بمدينة جدة خلال بطولة كأس العالم للأندية في ديسمبر الماضي، وانتهت بانتصار “الطعمية” مع تقبّل مناصري “الكبسة” النتيجة بروح رياضية وأخوية جميلة، إذ شاهدنا فيديوهات لغلاة مشجعي الاتحاد، الذين سبق أن هتفوا بسقوط “الطعمية”، وهم يباركون للأهلي وجماهيره.

لا شك أن أصوات الحكمة من الجانبين القطري والأردني، كانت أعلى من صرخات المتشنجين على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان لها أكبر الأثر في إنهاء الموضوع سريعا. وعبّرت كلمات رئيس مجلس النواب الأردني خلال اتصال مع رئيس مجلس الشورى القطري عن الروح التي يجب أن تسود بيننا كعرب، إذا قال إن “فوز قطر هو فوز لكل المنتخبات العربية المشاركة”، بينما أشاد  نظيره القطري خلال الاتصال بالأداء القوي والمشرف لمنتخب النشامى.

أعادتني هذه الأزمة العابرة، إلى أزمة كانت أشد صعوبة وأكثر تطرفا وأعلى صياحا، وصلت إلى حد من الشحن وإشعال نيران التعصب، كاد أن يصل بها إلى ما لا يُحمد عقباه بيننا نحن – أهل مصـر- وبين أشقائنا في الجزائر، قبل  15 عاما في ما عُرف بـ “موقعة أم درمان”.

انتهت أزمة الجمهورين القطري والأردني سريعا جدا، لأنها مجرد مشاحنات عفوية بين جمهورين، دون أن تتدخل فيها أو تحركها عن بُعد أو تصب عليها الزيت لتزيدها اشتعالاً “أصابع سياسية”، كانت تريد التغطية على سوء الأوضاع الداخلية بشحن الشعبين باتجاه كرة القدم، وتفريغ طاقات الغضب الكامن في النفوس نحو جماهير الجانب الآخر، فضلا عن مآرب أخرى!

في 2009، كان سطح الأحداث في مصـر والجزائر يُخفي أسفله مشـروعين لتوريث السلطة.. الرئيس مبارك – رحمه الله- في القاهرة يُعد الساحة لنجله جمال، وفي المقابل الرئيس بوتفليقة – رحمه الله- يُجهز الميدان لشقيقه سعيد؛ ولهوس جماهير البلدين بكرة القدم، فقد رأتها “الأصابع الخفية” فرصة لركوب الموجة واستغلال مباراة، الفائز فيها سيصل إلى  كأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا، لتحقيق أهدافها حتى لو كانت الشعوب وقودا لنار معركة، المنتصـر فيها.. خاسر.

في القاهرة، بدأت الأحداث برشق بعض الغوغاء حافلة المنتخب الجزائري بالحجارة، وحطموا أجزاء منها.. لعب المنتخبان وفاز “الفراعنة” بثنائية على “محاربي الصحراء”، فتساوى الجانبان في كل شيء، ما حدا بالاتحاد الأفريقي إلى إقامة مباراة فاصلة في أم درمان بالسودان. هنا، بدأت تُدق طبول شحن غير مسبوق ضد الجزائر، بدا الأمر كأننا مقبلون على معركة حربية وليس مباراة كرة، جهّزت السلطة رجالها بإرسال مشجعين من المحسوبين عليها من فنانين وإعلاميين يقودهم جمال مبارك! كان المخطط أو الأمل أن يفوز منتخبنا، ويعود الفريق بالنـصـر من “غزوة أم درمان”، ويهبط نجل الرئيس من الطائرة ويأخذ لقطة الصعود إلى كأس العالم، مع حملة إعلامية فكرتها المُعدة سلفاً أنه لولا الدفعة المعنوية التي أعطاها الوريث المنتظر للفريق ما كان لهم الوصول إلى  المونديال، والذي بالمناسبة ترشحنا لاستضافته وحصلنا على “صفر أصوات” من النوع الفاخر!

 سارت الريح على عكس ما اشتهت السفن الحكومية، وفازت الجزائر، فبدأنا نسمع بعد المباراة مباشرة من الفنانين وصحفيي السلطة الذين سافروا بأنهم معرّضون للموت من الجمهور الجزائري في شوارع أم درمان. نُصبت المناحات على الشاشات، وهي التي اتضح كذبها بعد ذلك، مثلما تكشفت افتراءات مسؤولي الاتحاد المصـري لكرة القدم، الذين أطلقوا أطنانا من الأكاذيب لا تبدأ بمقولة تحطيم المنتحب الجزائري بنفسه الحافلة التي كانت تقله في القاهرة، مرورا بأن الاتحاد الدولي قد يحسب نتيجة مباراة أم درمان لصالح مصــر أو إعادتها على الأقل.. لكننا استيقظنا على خبر إدانة مصـر وتغريمها من “الفيفا”، وإقامة عدة مباريات قادمة لمنتخب الفراعنة في ملاعب خارج القاهرة، وتحذير مصـر من إبعادها من تصفيات كأس العالم بالبرازيل 2014، إذا تكررت أحداث مباراة الجزائر في القاهرة.

ولكي تكتمل المأساة، فقد جهّز أحد البرامج التلفزيونية حلقة خاصة للرد على أحداث “معركة أم درمان”! الحلقة كانت عبارة عن ثلاث ساعات من “معايرة” الجزائريين بأفضال المصـريين عليهم، مع عرض فقرة ثابتة عقب كلمات المتحدثين، تضم صورة لأبرز الشخصيات المصـرية الفكرية والعلمية والسياسية والفنية، مع جزء من أغنية أم كلثوم الشهيرة عن مصـر “وقف الخلق ينظرون جميعا كيف أبني قواعد المجد وحدي”.

 وكم كان مثيراً للمفارقة التي تبعث على الضحك إلى حد البكاء، أن أذاع البرنامج – وبدون مونتاج- كلمات لرئيس تحرير صحيفة مسائية شهيرة، وهو يشتم مسؤولا كرويا جزائريا بعبارات بذيئة وألفاظ نابية، وبعد وصلة سبابه مباشرة، جاء صوت أم كلثوم يصدح “وقف الخلق ينظرون جميعا كيف أبني قواعد المجد وحدي”!

وقتها اتصلت برئيس التحرير المذكور – وكنت أعد تقريرا لصحيفة “المصـري اليوم” حول التناول الإعلامي بعد المباراة- وقلت له إن ما ذكره في التلفزيون سب وقذف صريح، يتيح للمسؤول الجزائري رفع قضية ضده وسيكسبها حتما، فقال إنه مستعد لدفع أي غرامة تقررها المحكمة، مبررا ما فعله بأنه رد على “كل عدو تسوّل له نفسه مهاجمة بلدي”.

المعنى نفسه أكده لي مقدم البرنامج – وهو إعلامي ومعلق كروي شهير جدا- وقال إن المثول أمام القضاء في قضية كهذه “شرف لي، وكله يهون عشان مصـر ومواجهة أعدائها”!! ووصل الشحن ذروته بمحاولة جماهير غاضبة الوصول عنوة إلى مقر السفارة الجزائرية في القاهرة للاعتداء عليها!

في المقابل..

 كان النظراء من الغوغاء و”فارغي العقول” في الجانب الجزائري، يشحنون آلاف المشجعين – وقيل إن بينهم كثيرين من معتادي الإجرام وخريجي السجون- إلى معركة “أم درمان” المباركة، رداً على موقعة القاهرة التي تعرضت فيها حافلة منتخبهم إلى القذف بالحجارة. رد الجزائريون الحجر حجرين وفازوا بالمباراة، وعادوا مكللين بتيجان النصـر إلى بلادهم ليحتفلوا مع زملائهم الذين ظلوا فى الداخل لتنفيذ الشق الآخر من الحرب المقدسة، بالاعتداء على المنشآت المصـرية في أراضيهم!

وعلى الرغم من أن مناوشات جمهوري “العنابي” و”النشامى” لم تقترب أبدا من هذا المنحى الخطير، الذي عشناه أيام الفتنة المصـرية الجزائرية، فإن هذه المناوشات عكست خللا خطيرا في العقلية العربية بشكل عام، تمثل في ما يلي:

أولاً: عدم الاعتراف بنجاح الغير أو تفوقه عليَّ، خصوصا إذا كان من أبناء جلدتي، واعتبار أن فوزه ليس نتيجة أنه الأفضل أو قصور في أدائي أو قلة خبرة مني، بل نتيجة مجاملات ومؤامرة.

ثانياً: النظرة الخاطئة وغير المنطقية إلى دول الخليج، بأن أي نجاح تحققه إنما هو فقط نتيجة استغلال المال بطريقة غير صحيحة، وإغفال جهود سنوات طويلة من التخطيط ووضع رؤى مستقبلية للتطوير، والاهتمام بالإنسان تعليما وصحة وسلوكا وثقافة، وهذا شهدته بنفسـي في دولتين.. قطر بحكم أنها البلد الذي عشت فيه بعد وطني أطول مدة (10 سنوات)، وسلطنة عُمان وهي لي البلد الأول في تكرار زياراتي له (11 مرة).

ثالثاً: النظر إلى ثراء الدول على أنه سُبة ونقيصة، وأن الثري – كما كانت الأفلام العربية القديمة تصوّره لنا- هو إنسان مستهتر غير مسؤول، لا يعمل، وكل ما يفعله الصـرف ببذخ.. بينما يُبشّـرنا نفر من أئمة المنابر، الجهلاء بحقيقة الدين العظيم، بأن الثراء نقمة وأن الغني سيدخل النار حتما، بينما الطريق إلى الجنة إشارته خضـراء للفقير حتى لو كان كسولا حاقدا فاشلا !!

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

دانشمند: تحولات الغزالي وروح عصره  (3)

دانشمند: تحولات الغزالي وروح عصره  (3)

بعد جزالة اللغة وسعة الخيال والمهارة في الربط بين أجزاء الرواية؛ يبقى التفنن في الوصف والقدرة على تحريك الشخوص وفق أدوارهم المرسومة محل اختبار لكل روائي، وفي رواية دانشمند نجاح ماتع في "الرسم بالكلمات" لملامح الأشخاص، وقدرة إبداعية على تحريك شخصيات الرواية الكثيرة في...

قراءة المزيد
الرّدّ على المشنّعين على شعيرة الأضحية وكشف زيفهم

الرّدّ على المشنّعين على شعيرة الأضحية وكشف زيفهم

متّكئًا على أريكته بعد أن ألقى في بطنه وجبة دجاجٍ من "كنتاكي" وكان سبقها بيومٍ بالتهام شطيرة لحمٍ من "ماكدونالدز"؛ يرفع عقيرته بالتّشنيع على المسلمين الذين يذبحون الأضاحي في العيد لأنّهم يمارسون الجريمة بحقّ الحيوانات ويرعبه منظر الخراف المسكينة التي لقيت حتفها على...

قراءة المزيد
نشر نعيه قبل موته!

نشر نعيه قبل موته!

تائه في لندن أنا، لذا تذكرت محمد عفيفي صاحب كتاب "تائه في لندن". ذات عام سألني أحمد خالد توفيق: كيف توصلت إلى زوجة محمد عفيفي؟ منذ سنوات طوال وأنا أبحث عن أي أثر لهذا الكاتب العظيم، ولم أصل لأحد!. كنت مثل أحمد خالد توفيق لسنوات أتقصى أثره، أبحث عن هذا الساخر الكبير،...

قراءة المزيد
Loading...