كأس العالم 2022.. إرث للإنسانية

بواسطة | مايو 4, 2023

بواسطة | مايو 4, 2023

كأس العالم 2022.. إرث للإنسانية

كرة القدم ليست مجرد رياضة تُمارس، أو مجرد مستطيل يُلعب فيه، أو 90 دقيقة زمناً يقضيه اللاعبون، أو تقضيه الجماهير تتابع أحداثها، فقد أثبتت الأحداث أنها أكبر من ذلك، وتتجاوز هذا الإطار بكثير..
كأس العالم لكرة القدم 2022 في قطر شكلت مرحلة فارقة بين ما كان “ماضيا” في مسيرة هذه البطولات، وبين ما هو “آت” في قادم السنوات.
لم يكن تحديا أمام قطر إنجاز المنشآت والمرافق الرياضية، والبنى التحتية، والمواصلات ومقرات السكن و…، خلال الفترة الزمنية الفاصلة بين 2 ديسمبر 2010، وهو التاريخ الذي أُعلن فيه فوز قطر باستضافة هذا الحدث، وبين 20 نوفمبر 2022، وهو تاريخ افتتاح بطولة كأس العالم؛ وإن كان هذا الأمر واجه حملات غربية شعواء، واختلاق أكاذيب، ونشر أخبار مضللة بقصد الإساءة إلى قطر؛ وكان الهدف الأكبر، بلا ريب، أبعد من ذلك.. الهدف الحقيقي هو سحب البطولة من قطر، وإظهار قطر والعالم العربي والإسلامي برمته، أنهم غير قادرين على استضافة مثل هذه الأحداث الدولية، وبالتالي إبقاء حالة الـ “نحن” المتقدمون الحضاريون..، مقابل الـ “هم” المتخلفون العاجزون الرجعيون..؛ لكن قطر قلبت الطاولة، وقدمت بطولة استثنائية، ليس بشهادة المسؤولين القطريين أو العرب أو العالم الإسلامي، بل بشهادات كثيرة خرجت من المنصفين في الغرب “المتقدم”، من مؤسسات وصناع قرار ومسؤولين وشخصيات بارزة..، تتحدث عن نسخة كأس عالم غير مسبوقة، استضافتها قطر.
كان لابد لهذا الحدث أن يترك بصمة مميزة، أن يترك إرثا، ليس فقط في تاريخ بطولات كأس العالم، بل في مسيرة الإنسانية، التي اكتشف الملايين من أفرادها حقيقة العرب والمسلمين، والحضارة العربية الإسلامية، التي طالما سعت أطراف في الغرب إلى “طمس” جوانبها المضيئة في العالم العربي والإسلامي وشعوبه.

رأينا العشرات والمئات الذين يحرصون على زيارة المساجد، ويتفحصون ما بداخلها، وينصتون إلى صوت الأذان، ويستمعون إلى كلمات من داعية أو مرشد يتحدث عن الإسلام..

اليوم..

الغالبية العظمى من الجماهير والزوار، الذين وصل عددهم لأكثر من مليون و200 ألف شخص، حضروا بصورة مباشرة إلى قطر لمشاهدة بطولة كأس العالم 2022، باتوا سفراء لا لقطر فحسب، بل للعالم العربي والإسلامي، بعد أن رأوا واقعا مغايرا عما كانوا يسمعونه أو يشاهدونه في إعلام بلادهم، من تشويه متعمد للعالم العربي والإسلامي بصور شتى.
رأوا الأمن والأمان بصورة لم يألفوها في بلدانهم، فلم يفقدوا شيئا تركوه، بل إن منهم من قد فقد أشياء شخصية، أو نسي حقيبة فيها كل شيء، لكنها عادت له دون أن يُلمس منها شيء!.
رأوا إدارة للحشود بصورة سلسة، دون حدوث أية مواجهات أو صدامات أو شغب.. سواء في الوصول إلى الملاعب، أو الخروج منها، فلم يسجل خلال نسخة كأس العالم 2022 في قطر، سقوط إصابات أو قتلى جراء مواجهات بين الجماهير نتيجة فوز أو هزيمة.
رأوا أن الجماهير يمكن أن تستمتع بحضور المباريات في الملاعب، دون شرب الخمور..
رأوا الترحاب والكرم والضيافة، دون أن يُطلب منهم شيء، فكانت صورة جديدة على هؤلاء الذين يعيشون في مجتمعات تكسوها الماديات بدرجة كبيرة.
رأوا الخدمات والتطور والبنى التحتية والمواصلات، والمرافق التعليمية والصحية عالية الجودة، والمنشآت الرياضية ذات المواصفات العالية والتقنيات المتقدمة.. وهو أمر لم يخطر ببالهم أن يجدوه في هذه الدولة العربية، التي أتاها الكثيرون منهم بانطباعات وأحكام مسبقة عنها، بفعل تأثير الإعلام ومؤسسات صناعة الرأي العام في الغرب وأميركا وغيرها من البلدان، التي لا ترى لدى العرب ما يستحق أن يُرتحل إليه.
رأينا الكثيرين من القطريين الذين استضافوا جماهير وزوارا في مجالسهم، وعايش هؤلاء عاداتنا وتقاليدنا وأخلاقنا كما هي دون تصنُّع أو تكلُّف..
رأوا أخلاقا عالية في أهل قطر –مواطنين ومقيمين– ستدفعهم للسؤال عن مدلولاتها ومبعثها وأسبابها..
رأينا ذلك الزائر الغربي الذي ارتدى “الثوب” و”الغترة” و”العقال”..
رأينا تلك السيدة الغربية الزائرة التي ترتدي “العباية” و”الحجاب” و”الشيلة”..
رأينا العشرات والمئات الذين يحرصون على زيارة المساجد، ويتفحصون ما بداخلها، وينصتون إلى صوت الأذان، ويستمعون إلى كلمات من داعية أو مرشد يتحدث عن الإسلام..
لم بكن مطلوبا من قطر أو من الذين يعملون في حقل الدعوة، إدخال هؤلاء إلى الإسلام؛ لكن المطلوب كان تعريف هؤلاء بديننا الإسلامي، وتقديم الإسلام بصورة صحيحة إلى هؤلاء، وتصحيح الصورة السلبية المرسومة عن ديننا في أذهان هؤلاء غير المسلمين القادمين إلينا من الغرب..

لم تتخلّ قطر عن قِيَمها الثقافية وهويتها وعاداتها وتقاليدها العربية وأخلاقها..، بل قدمت للعالم أجمع، وأتاحت للزوار، التعرف على قيمها وأخلاقياتها ودينها.

كنا..
بحاجة في العالم العربي والإسلامي -كشعوب على الأقل– لمن يقدم أمتنا بصورة جديدة وصحيحة إلى شعوب العالم -وليس إلى حكومات تلك الشعوب– وأزعم أن قطر قامت بجزء كبير من هذا الدور، خلال استضافة بطولة كأس العالم 2022.
هذه الجماهير، التي أتت إلى قطر، أبدت رضاها بشكل كبير عن التجربة التي عايشتها على مدار نحو شهر من البطولة، سواء كان ذلك عن الملاعب، أو عن سهولة الوصول إليها، أو التنظيم أو الأمن، أو بالترحاب أو الضيافة، أو المواصلات أو النظافة، أو الأخلاق الرفيعة والتعامل الراقي الذي وجدوه، أو الفعاليات المتنوعة التي أقيمت خارج الملاعب… كل هذه المواقف، أجزم أنها تركت أثرا إيجابيا لدى من حضر إلى قطر لمتابعة أهم حدث رياضي عالمي والأكثر إثارة، وكذلك لدى الأعداد المليارية التي تابعت هذه البطولة عبر القنوات والشاشات والمنصات الإعلامية المختلفة.
لم تتخلّ قطر عن قِيَمها الثقافية وهويتها وعاداتها وتقاليدها العربية وأخلاقها..، بل قدمت للعالم أجمع، وأتاحت للزوار، التعرف على قيمها وأخلاقياتها ودينها…
هذا الأثر سيكون إرثا مهما سنبني عليه، ليس في قطر فحسب، بل في العالم أجمع من خلال تقديم قضايانا العادلة إليه، وإحداث تغيير صور ذهنية، ظلت لعقود مترسخة لدى شعوب كثيرة في بقاع العالم تجاه عالمنا العربي.
من المؤكد أن نسخة 2022 من كأس العالم لكرة القدم ستُحدِث تحولات حضارية، بعدما أعادت التفاؤل والأمل للأجيال العربية، وبعد أن أثبتت قطر، وأثبت القطريون، قدرا عاليا من التحدي، ونجحوا بامتياز في جوانب مختلفة من الاستضافة.
الانتصار النفسي شرط أساسي للنهوض، وقطر حققت هذا الشرط، وانتصرت على كل المعوقات والتحديات التي وضعت أمامها، بل وعلى محاولات الإحباط والتثبيط، التي حاولت أطراف متعددة بثها في القطريين وفي قادتهم الذين أداروا معركة كأس العالم بكل ذكاء وإتقان.
الثقافة، ومن خلال بطولة كأس العالم، استعادت دورها بشكل كبير، وكانت حاضرة بقوة، وشكلت قوة ناعمة جديدة، تضاف للقوى للناعمة الأخرى التي تتمتع بها قطر؛ فالفعاليات الثقافية، التي أقيمت على هامش البطولة، مثلت تعزيزا للهوية الوطنية، وقدمت عاداتنا وتقاليدنا وديننا بكل اعتزاز.. وظهرت الدبلوماسية الثقافية بأوضح صورة في مونديال قطر.

الحديث عن كأس العالم 2022 سيظل حاضرا لسنوات، كونه شكل علامة فارقة في تاريخ مسيرات كأس العالم منذ انطلاقتها في 1930.

قطر..

قدمت دروسا عديدة خلال استضافتها لكأس العالم، ربما أحدها احترام الخصوصيات الثقافية، وخصوصيات المجتمعات، وعلى الآخر القادم إلى هذه المجتمعات أن يحترم ذلك.
قضايانا العادلة حضرت بقوة، خاصة القضية الفلسطينية التي عادت للصدارة العالمية، ولحراك الشعوب على مستوى العالم، بفضل المساحات التي تحركت بها خلال كأس العالم 2022، وبفضل الندوات التي أقيمت، والشخصيات الرمزية التي تواجدت.
كأس العالم 2022 ترك أثرا إيجابيا، وغيّر مسار التفكير الغربي عن المنطقة وعن العرب، الذين حملت قطر لواءهم بكل اقتدار، ومثلتهم خير تمثيل.
لذلك، فإن الحديث عن كأس العالم 2022 سيظل حاضرا لسنوات، كونه شكل علامة فارقة في تاريخ مسيرات كأس العالم منذ انطلاقتها في 1930.
فلا ريب أن التوقف مطلوب، بين فترة وأخرى، عند بعضٍ من محطات هذه النسخة الاستثنائية، كما حصل بتنظيم ندوة “مونديال قطر 2022.. الفكرة والإرث والاستدامة”، التي نظمها المركز القطري للصحافة بالتعاون مع المؤسسة القطرية للإعلام، بمشاركة متحدثين من قطاعات كان لها دور مركزي في إنجاح نسخة قطر 2022 من بطولة كأس العالم لكرة القدم.
بالفعل، هناك إرث تركته هذه الاستضافة، وهناك استدامة فعلية للمشاريع التي أُقيمت، بما فيها الملاعب التي تم توظيفها بما هو أبعد من كونها مساحات تقام عليها مباريات فحسب.
قطر انتصرت للقيم الإنسانية جمعاء، وما أبلغ الآية الكريمة التي جاءت في حفل الافتتاح (..إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..)، ضمن سياق حوار إنساني يدحض كل الادعاءات، التي تحاول نسف هذه الفطرة التي خُلقت عليها البشرية.
الرياضة ليست مجردة من القيم الأخلاقية والإنسانية، حتى وإن حاول البعض تسويقها بهذه الصورة، لكنها في حقيقتها لا يمكن أن تنفصل عن محيطها، وعن إنسانية الإنسان الذي يمارسها.
الحديث عن إرث كأس العالم 2022 في قطر سيظل حاضرا لسنوات؛ فما أنجزته قطر، خلال هذا الحدث الرياضي العالمي، يمثل مرحلة فارقة بين زمنين..

جابر الحرمي

رئيس تحرير جريدة الشرق القطرية

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

شمال غزّة يموت جوعا!

شمال غزّة يموت جوعا!

المشهد الأول: نخوة العرب في الجاهلية بعد أن وقّعت قريش وثيقة المقاطعة الظالمة لبني هاشم، وعلقتها في الكعبة لتعطيها شيئا من القداسة، جاء هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، لتمزيق هذه الصحيفة رغم أنهم كانوا جميعا على الشرك، ولكن كان...

قراءة المزيد
مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

والد لا يعارض ثورة أمَّمت شركاته خسر والد محمد سلماوي كثيرًا من مشاريعه التجارية بسبب التأميم، وكذلك خسر أراضي زراعية بسبب الإصلاح الزراعي، لكنه لم يعترض في فترة حكم عبد الناصر، وهُنا أعجبني تحليل سلماوي موقف والده، فقد اندهش سلماوي كثيرًا بعد رحيل عبد الناصر، وحين...

قراءة المزيد
لا نامت أعين الجبناء

لا نامت أعين الجبناء

في سكرات موته بدا واهنًا بشكل لا يُصدَّق، كان قادرًا على أن يلمح الوجوه الجزعة التي جاءت لتطمئن عليه، لم يستطع جسده المحموم أن يبلغ به وضع القعود، فتحسس جسده بكلتا يديه وابتسم ! إن جسده المرهق الواهي ليس فيه موضع سليم، لا يوجد شبرٌ واحد على حاله التي خُلق عليها،...

قراءة المزيد
Loading...