لا تُصلح شريك حياتك.. غيِّره في “التوكيل”!

بواسطة | مارس 15, 2024

مقالات مشابهة

مقالات منوعة

بواسطة | مارس 15, 2024

لا تُصلح شريك حياتك.. غيِّره في “التوكيل”!

جمعتنا مناسبة عائلية فأعدنا تعريف أنفسنا من جديد ..!

في زمن مواقع التواصل الاجتماعي صرنا أبعد بكثير، ونظن بأننا قرباء باللايك، وأننا أدينا ضرائب الصداقة وصِلة الرحم نظراً لأننا كنا إيجابيين وشاركنا بالكومنت!.

سنوات مرت قبل آخر مناسبة جمعتنا، لعب الزمن فيها لعبته على كل واحد منا، هذا بتجعيدة على جبينه، وذاك ببعض الشعرات البيضاء في منتصف رأسه، وآخر أقعدته السمنة فصار يلهث مع كل حركة يقوم بها.

دعانا هذا إلى أن يسأل كل منا صاحبه عما فعلت به الدنيا، ونتحدث عما وصل إليه حالنا.. وعندما وجه أحد أقاربي كلامه لي، مشدداً على متابعته لما أكتب، وتطرق إلى عملي في مجال العلاقات الأسرية؛ ارتسمت ابتسامة هادئة على شفة رجل مسن وهو يسأل: وهل وصل الحال بكم إلى تقديم محاضرات وكتابة كتب عن العلاقات الزوجية؟ يبدو أنكم تعانون كثيراً!

ابتسمت بدوري وأنا أشرح له ما تغير، وأجتهد في تأكيد قيمة ما أفعله، موضحاً أن الجيل الحالي يواجه تحديات كبيرة تستدعي منا طرح حلول خلاقة، ذلك أن كثيراً مما كان يصلح في الماضي لم يعد ذا جدوى في زمننا الحالي، وأننا بحاجة إلى تخطي فكرة التعلق بالزمن الجميل، وتقديم خطاب اللوم والتقريع لأبناء هذا الزمان، الذي لا يرضيه شيء، ولا يعرف قيمة النعمة التي بين يديه.

اعتدل الرجل في جلسته قائلاً بجدية: ليكن، ولكن جزءاً أصيلاً من مشكلة جيلكم يمكن تلخيصها في موضة “التوكيل”!.

أخذ نفساً قصيراً ملأ به رئته المتعبة قبل أن يقول بعدما اطمأن إلى انتباهنا لكلماته: في زمننا كنا نؤمن بقيمة الإصلاح، إصلاح الكرسي ذي القدم المتهالكة، التلفاز الذي لا يعمل إلا بالطرق، الحذاء الذي يتمرد على المجهود، السيارة التي تتعطل بشكل دوري ثابت، كنا نقول بألسنتنا فقط “اللي اتكسر ميتصلحش”، لكن الحقيقة أننا كنا نحاول إصلاح كل شيء، وعلى رأس ما كنا نعمل على إصلاحه هو علاقتنا التي يطالها السأم والبرود وتحوم حولها الضغوط والمشكلات.

وتابع قائلاً: مشكلة جيلكم الحقيقية أنه جيل تربى على راحة البال، يرى بأن الجديد أقل كلفة من إصلاح القديم، وبمجرد أن يتعطل شيء لديه يلقيه في سلة المهملات ويأتي بالجديد.. كما قلت، “التوكيل” يحل له المشكلة ويعيد كل شيء إلى حالته الأولى، وإن قبلنا – للأسف الشديد- هذا في “تيل الفرامل”، فكيف نقبله في علاقة إنسانية، يلقيها الواحد منكم خلف ظهره، باحثاً عن جديد يخلو من عيوب القديم؟

صمت الرجل لبرهة غامت فيها عيناه، يبدو أنه يعيد استحضار مشاهد ما من ذاكرته قبل أن يضيف باللهجة الجادة ذاتها: نعم كنا نُصلح ما انكسر، وفي مدة تقارب نصف القرن عشتها مع زوجتي، لا أذكر مرةً تم استحضار لفظ الطلاق فيها بيننا، لم يفكر واحد فينا أن يلقي صاحبه في سلة المهملات، كنا نُعالج دائماً مشاكلنا وفي أذهاننا فرضية واحدة.. أن لا بديل آخر سوى الإصلاح، فنصبر، ونتغافل، ونحاول أن نوطن أنفسنا على التعايش مع بعض مما نكره، لا يوجد شيء ينكسر يصعب إصلاحه.. جزء من سعادتنا الحقيقية كان في إيماننا الشديد “إن اللي انكسر لازم يتصلح”!

كعادتنا، حالما انتهى الرجل من كلماته أخذ كل واحد من الحضور يحاول تأكيد وجهة نظر مغايرة، انشغلوا في معركة الأجيال، وكيف أننا مظاليم رغم أنوفنا! غير أن صمتي طال كثيراً، ثمة تساؤلات ظلت تتردد في ذهني: هل اتساع الخيارات أمامنا كان حقا وبالاً علينا؟. هل أعجزنا حبل صبرنا القصير والمتهالك عن إعطاء الفرصة لصديق تغابى لبعض الوقت فأخرجناه من حياتنا لأن الجديد ينتظر؟! هل صرنا أكثر نزقاً وتوتراً وضيقاً، فلم نعد نبذل جهداً في الحفاظ على ما نملك، متحججين بأن الحياة أقصر من أن نقضيها في الإصلاح والمعالجة؟.

هل صارت عبارة “ريح نفسك وهات واحد جديد” لم تعد تشمل فقط الهاتف والسيارة والحاسوب الشخصي، وتغولت لتشمل حياتنا بكل جوانبها، الوظيفية منها والإنسانية؟. جزء من طمأنينة البال مرتبط بالرضا، وجزء من هذا الرضا نابع من التسليم بكثير مما وصلنا إليه، فهل نهش فينا غول “الطموح” حتى شوَّهَنا؟ هل “أفعل التفضيل” التي تطاردنا في كل مكان عوَّدتنا على التضحية السريعة بكثير مما نملك في طريق الوصول إلى شيء ما نطمع إليه؟.

لم يقطع حبل أسئلتي سوى ضحكة الرجل العجوز، التي رد بها على مناقشات الأقارب والأصدقاء، قبل أن يتوكأ على عصاه منصرفاً وهو ينظر إلي قائلاً: علموا الناس أن الحياة لا تعطي شيئاً بالمجان، وعليه لا يجب أبداً أن نبيع بسهولة، علموهم قبل أن يفكروا خارج الصندوق ـ كما تقولون ـ أن يفكروا داخله أولاً.. ربما وقتها تجدون شيئاً مما تبحثون عنه!

1 تعليق

  1. إكرام الخروبي

    اييييه والف آه مما قيل
    هذه هي الحقيقة لنتوقف قليلا وننظر إلى الحال الذي وصلنا إليه قبل أن يخطف منا العمر..

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

جحيم غزة.. من هم صانعوه؟

جحيم غزة.. من هم صانعوه؟

"رأيت طفلاً يبلغ من العمر 6 سنوات، كان ملقى على الأرض في غرفة الطوارئ، ولم يكن أي من عائلة الطفل حوله، فقد أُخبِرنا بأنهم قُتلوا جميعا! كان الطفل يعاني من حروق مؤلمة للغاية، وجروح مفتوحة في منطقة الصدر.. نظرت حولي بحثا عن أطباء أو عمال تمريض يساعدونني، فلم أجد، كانت...

قراءة المزيد
دموع في عيون وقحة

دموع في عيون وقحة

"دموع في عيون وقحة".. هو اسم المسلسل الدرامي المصري الذي جسد قصة أحمد الهوان، ابن مدينتي السويس وأحد أبطال الحرب الباردة بين مصر وإسرائيل، الذي خدع جهاز المخابرات الصهيوني على مدار سنوات قبل انتصار أكتوبر 1973، وجسد شخصيته في المسلسل الفنان عادل إمام باسم "جمعة...

قراءة المزيد
“إلى عرفات الله”.. كيف فر أحمد شوقي من الحج مع الخديوي واعتذر بأبهى قصيدة؟

“إلى عرفات الله”.. كيف فر أحمد شوقي من الحج مع الخديوي واعتذر بأبهى قصيدة؟

في عام 1909م، قرر الخديوي عباس حلمي الثاني (ت:1944م) السفر إلى الحج، ومن الطبيعي أن تكون هذه الرحلة تاريخية، إذ ستكون على ظهور الإبل والخيل، ثم على ظهور السفن التي تمخر عباب البحار. اصطحب الخديوي معه في رحلته هذه أمه أمينة هانم إلهامي (ت:1931م) حفيدة السلطان العثماني...

قراءة المزيد
Loading...