مذكرات المذيعة باربرا وولترز.. تجربة إعلامية مع قادة ومشاهير العالم (1)

بواسطة | يونيو 1, 2024

بواسطة | يونيو 1, 2024

مذكرات المذيعة باربرا وولترز.. تجربة إعلامية مع قادة ومشاهير العالم (1)

مذكرات أمريكية أو فيلم من هوليود

اهتممت بمذكرات الإعلاميين والمذيعين، لعلي أرى كواليس العمل الإعلامي، وأدرك علاقة الإعلام بالسياسة، وأتعرف هواجس وكواليس ما وراء الشاشات؛ وكانت تجربة ممتعة عندما قرأت مذكرات المذيع محمد كريشان بعنوان “وإليكم التفاصيل”، فقد كانت تزخر بالمواقف والتجارب في العمل الإعلامي، وبعدها قرأت مذكرات الإعلامي والمذيع حمدي قنديل “عشتُ مرَّتين”، التي كتبها بقلم أدبي مميز، وأوضحت كثيرًا من دهاليز الإعلام.

لذلك لم أتردد في اقتناء مذكرات المذيعة باربرا وولترز بعنوان “تجربتي مع قادة ومشاهير العالم”، التي استمتعتُ بها واختلفتُ معها، خصوصًا في أنْسنة الشخصيات الإسرائيلية وتجاهل جرائم الصهاينة، لكن الملاحظة الأساسية التي فكرت فيها وأنا أتجوَّل في صفحات سيرة حياتها، هو أنها مذكرات أمريكية جدًّا!

وأقصد بالمذكرات الأمريكية، ذلك النوع من الكتب التي تشبه أفلام هوليود، تبدأ من نقطة وتصل إلى الذروة، وكأنها رحلة صعود، والبطل هو أصل الحكاية وأهم شخصية فيها، وقد يقع البطل في عقبات ومشكلات، لكنه لا يلبث أن ينجح ويخرج منها، فهي وإن كانت فشلت في زواجها، تحكي عن تقدمها في الوقت نفسه عبر درجات العمل الوظيفي؛ كما تحتوي المذكرات طرائف وقصصًا ذاتية لكسْر الملل، كأن هذا النوع من الكتب يساعد فيه كاتب شبح لجعل القصة مُسلّية أكثر، فهو فيلم هوليودي يشع بالنجاح والإيجابية وتجاوز العقبات! وما حمَّسني للصبر على كل هذه البهجة بين الصفحات هو حديثها عن القادة ومشاهير العالم الذين التقتْهُم وتعرَّفتْهُم، فقد قابلت ما يقارب ثلاثين زعيمًا حول العالم.

أجرت باربرا وولترز خلال فترة عملها الطويلة مقابلاتٍ مع مجموعة من زعماء العالم، منهم الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، ورئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر، والزعيم الليبي معمر القذافي، والرئيس العراقي صدام حسين، بالإضافة إلى جميع رؤساء الولايات المتحدة وزوجاتهم، منذ ريتشارد نيكسون وزوجته بات.

بداية المسيرة

بدأت باربرا مسيرتها الإعلامية في برنامج “ذا توداي شو” على شبكة (إن. بي. سي) في ستينيات القرن الماضي، كاتبةً ومنتجةً، وذلك قبل أن تدخل التاريخ باعتبارها أول مذيعة تشارك في بث نشرة إخبارية أمريكية مسائية، وقد لاحت أوقاتٌ تساءلت فيها باربرا وولترز: لماذا كانت تسمح لنفسها بالعمل رغم كونها أُمًّا لطفلة، في ظل ظروف أقرب ما تكون إلى التهديدات وفي بيئة محفوفة بالمخاطر، خصوصًا بعد شهرين من تبنّيها طفلتها “جاكي”.

لقد تعرَّضت للغاز المسيل للدموع خلال المؤتمر القومي للحزب الديمقراطي في شيكاغو، عام 1968م، عندما كانت حرب فيتنام تُمزِّق أمريكا إرْبا إرْبا، والخلاف حولها كان متفجرًا، وكانت شاشة التليفزيون لا تغفل عن أي تفصيلة.

أول مقابلة سياسية جادة لمذيعتنا كانت مع وزير الخارجية الأمريكي “دين راسك”، وكان قد خرج من وزارة الخارجية قبل فترة قصيرة، وكانت سيارة تنتظر باربرا لاصطحابها إلى المطار متوجهةً إلى نيويورك.. ساعتها لاحظت أن وزير الخارجية الأسبق ينتظر سيارة أجرة، لأنه مع خروجه من الوزارة لم يعد لديه سيارة حكومية تحت إمرته.

أصاب باربرا الذهول! هذا الرجل كان أحد أقوى رجال العالم، وكانت تحت تصرفه وطوع بنانه سيارات البلد كلها، وهكذا رأت كل بهارج القوة والنجاح قد تبدَّدت وتوارت.

لقاء مع الأم غولدا مائير!

كانت إحدى المقابلات بالغة الأهمية التي أجرتها باربرا مع “غولدا مائير”، التي كانت في تلك الأثناء رئيسة وزراء إسرائيل.. كانت النساء الأمريكيات، خصوصًا ممن كُنَّ في خضم الحركة النسائية، قد سُحِرْن بحياة المرأة الإسرائيلية، كانت عائلة “مائير” قد هاجرت من روسيا، وكانت هي في الثامنة من عمرها عندما استقر النَّوى بأسرتها في ولاية ويسكنسن في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ذهبت إلى المدرسة، وبعد ذلك إلى الكلية.

هاجرت “غولدا مائير” وزوجها في عام 1921م إلى فلسطين، حيث عاشت في كيبوتز أو مستوطنة زراعية تُربّي الدجاج، وكانت سفيرة إسرائيل الأولى لدى الاتحاد السوفييتي، بعد ذلك صارت وزيرة العمل داخل الحكومة، ثم وزيرة للخارجية قبل أن تصبح أول امرأة ترأس الحكومة، وهي أمٌّ لولدَين.

تحوَّلت مقابلة باربرا إلى إظهار الجانب الإنساني في رئيسة الوزراء الإسرائيلية، ولم يحضر أي سؤال عن تصرفات إسرائيل السياسية، ولم تمارس ضغطًا في المقابلة، أو تحقيقًا مع الضيف كما فعلت مع الصيني.

يحلو أحيانًا للمذيع الأمريكي، والغربي، ممارسة دور محامي حقوق الإنسان على القادة من إفريقيا وآسيا، وعندما يقف أمام مسؤول إسرائيلي يخرس! ذلك ما فعلته “كونداليزا رايس” في مذكراتها “أسمى مراتب الشرف”، إذ استفاضت في الكلام عن الوجه الإنساني لشخصية المجرم آرييل شارون، فقد استضافها في مزرعته، وأظهرت جوانب عاطفية من شخصيته، لتخرجه من صورة المجرم إلى شخص ودود لطيف.

وهكذا تحولت باربرا إلى مذيعة تحكي مع غولدا مائير عن موازنة المرأة بين حياتها المهنية وأطفالها، وعن تضحياتها الكبيرة، وكان رد غولدا مزيجًا من ذكريات حزن أطفالها على غيابها، وعن رأي ابنتها في أنها تعمل شيئًا للوطن.. قارن بين هذه التجربة وبين تجربتها في الحوار مع القادة في الصين، وممارسة النقاش الصريح حول جرائم حقوق الإنسان.

نيكسون يعمل منتجًا تليفزيونيًّا

في رحلة المذيعة باربرا وقفةٌ مع الرئيس “ريتشارد نيكسون”، إذ كانت تصوّر مقابلة مع ابنته “تريسيا”، وتعامل مع المذيعة بود، بل كان ساحرًا على حد وصفها، مازحته باربرا حول العشاء الذي كان يقيمه على شرف الأمير فيليب في تلك الليلة في البيت الأبيض، وسألها الرئيس نيكسون: هل ستستقبلين الأمير فيليب على برنامج توداي شو؟

أجابت باربرا: “لا.. لقد حاولنا استضافته، لكن لم نصل إلى رد، ورفض إجراء المقابلة معنا”؛ ورد نيكسون بأنه سيتحدث مع الأمير فيليب: “سوف أتحدث إليه الليلة”.. لم يخطر في بال المذيعة “باربرا” أن رئيس الولايات المتحدة قد يؤدي مهام منتج تليفزيوني يحجز المقابلات، ولكن تبيَّن لها فيما بعد أن ذلك كان ممكنًا، فقد تلقَّت باربرا مكالمة متأخرة من السفارة البريطانية لإخبارها بأن لقاء الأمير فيليب سيكون ممكنًا في الصباح.

ودون قصد، أثارت المقابلة ضجة كبيرة في إنجلترا، فقد سألته المذيعة سؤالًا بسيطًا للغاية: “هل من الممكن أن تتنازل إليزابيث عن عرشها لصالح الأمير تشارلز؟”. أما رد الأمير فيليب، فقد جاء كالتالي: “مَن يسعه التكهن؟ كل شيء جائز”، فتصدرت المقابلة العناوين البارزة في الصحافة البريطانية، ما اضطر “قصر بكنغهام” إلى إصدار بيان يقول إنه ليس للملكة أي نية للتنحي عن العرش.

بعد مرور عام على ذلك، أسدى لها الرئيس “نيكسون” صنيعًا مرة أخرى، وهذه المرة أقنع هنري كيسنجر بالحلول ضيفًا على برنامجها “توداي شو”، لم يكن معروفًا شخصيًّا أو هدية من الرئيس للمذيعة، بل كان الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون مدركًا أهمية دور التليفزيون في ترويج إدارته وسياساته، وكانت المذيعة باربرا تدرك ذلك، لذلك استفادوا جميعًا من بعضهم، وكانت هذه هي الطريقة التي جرت بها الأمور مع عديد من الضيوف الذين حاورتهم على مرّ السنين.. يأتي الناس إلى التليفزيون لأنهم يريدون الظهور ويصبون إلى منتدى يقدمون من خلاله ما يريدون قوله، والمذيعة تريد شيئًا، تريد مقابلة.

وهكذا قدمت “هنري كيسنجر” إلى الجمهور في ديسمبر/ كانون الأول 1970م، بوصفه مستشارًا للأمن القومي.. كان “كيسنجر” شخصية مثيرة للجدل، تحدّث طويلًا عن قضايا الساعة وحرب فيتنام، وأُعجبت المذيعة باربرا بإجابة كيسنجر عن سؤالها حول مدى تغيير الشهرة حياته، إذ قال كيسنجر: “الجميل في الشهرة هو أنه في حال أضجر المشهور الناس، سيخالون أن ذلك عيبهم”.

وعندما تقابلت المذيعة “باربرا” مع الرئيس نيكسون شكرته مازحة، لكونه أفضل وكيل حجوزات، فضحك وقال: مَن تريدينني أن أُحضر لك في المرة القادمة؟ فقالت له: أنتَ سيدي الرئيس، وفعلًا قابلت نيكسون.

ليس للنساء فقط

كانت لعمل المذيعة السابق في مجال العلاقات العامة فائدة كبيرة، فكما تعلَّمت أن مقدمةً لبيان صحفي تتعلق بالجنس كفيلة بأن تسترعي اهتمام القارئ، كذلك أدركت أن المواضيع الجنسية خير مروِّج لسوق برنامجهم، فقد ابتسمت عندما قرأت عن المذيعة باربرا وولترز، التي قدمت برنامج بعنوان “ليس للنساء فقط”! وكانت كلما انخفضت مشاهدات البرنامج، تُقدِّم حلقة ذات طابع جنسي، وفي مرة قدمت حلقات لمدة أسبوع كامل عن العجز الجنسي، وقد استضافت خبراء محترمين وقورين، كما تقول في مذكراتها.

لم ترتدِ باربرا يومًا ملابس مثيرة على الهواء، شأنها شأن معظم مقدمات البرامج في قسم الأخبار، إنما كانت ترتدي البدلات أو ثيابًا تغطي العنق مع أكمام طويلة، وكانت القاعدة الخفية في ذلك الوقت تقول إن الطريقة الوحيدة لتؤخذ فيها المرأة العاملة على محمل الجد هي عدم ظهورها بمظهر المرأة المثيرة.

شاه إيران واحتفالات سرّعت الثورة الإيرانية

حضرت المذيعة باربرا حفلات في إيران، وحضرت الاحتفالات التي أقامها الشاه في “برسيبوليس” في ذكرى مرور ألفين وخمسمائة سنة على تأسيس إيران، وكانت احتفالات فيها من التبذير الكثير، ما سرع  حنق الجمهور عليه وعجَّل بالثورة الإيرانية.

كان الشاه قد وجَّه دعوة لكل ملك، ولكل رئيس دولة أو رئيس حكومة على هذا الكوكب، وقد حضر نحو سبعين شخصية، بمن فيهم ملوك وملكات السويد، والنرويج، والدانمارك، وبلجيكا، وهولندا، والأمير خوان كارلوس، أمير إسبانيا، وقسطنطين ملك اليونان، والعاهل الأردني الملك حسين، والرئيس اليوغسلافي تيتو؛ لكن غاب الرئيس الفرنسي “بومبيدو”، والرئيس “نيكسون” والملكة “إليزابيث”.

عاش الصحفيون تجربة تحمل من الترف الشيء الكثير، فقد طغت على مدينة الخيام الصفراء والزرقاء الفخمة والمكيفة ووسائل الترفيه، حيث نزل كبار الشخصيات، لكن ذلك كله جاء بمسحة فرنسية أكثر من كونها فارسية، كانت الخيام من تصميم “جانسين” الباريسي، وهو مهندس ديكور ذاع صيته، وكانت الأقداح بلورية مطلية بالذهب، وحتى مصفِّفو الشعر كانوا قد استُقدموا جوًّا من باريس، وكذلك كان الطعام الذي أعده مطعم ماكسيم، ناهيك بتلال الكافيار الإيراني، التي فاق وزنها طنَّيْن، على مائدة مع بيض طيور السمان المسلوق.

كان الهدر والتبذير والتصميم على الذوق الغربي مستفزًّا للشعب الإيراني، وجعل “آية الله الخميني” يستنكر هذا التبذير، ورأى فيه احتفالًا شريرًا، وتوعَّد الخميني شاه إيران من منفاه في العراق بأن “مستقبلًا أكثر قتامة ينتظرُك”! وهذا ما حدث لاحقًا في الثورة الإسلامية الإيرانية.

وفي هذه الفترة كانت باربرا تسعى للحصول على مقابلات مهمة مع سياسيين، حتى إنها كانت تكتب لهم رسائل لتُقنعهم بالظهور معها، وقابلت باربرا رئيس موظفي البيت الأبيض في عهد نيكسون، بوب هالدمان، وهو شخص معروف عنه البرود وقلة اللقاءات التليفزيونية، وقال لها إن مَن يعارض الرئيس نيكسون في حربه في فيتنام فهو يخدم العدو، وأثارت المقابلة ضجة جعلته يشكرها قائلًا لها: “شكرًا لجعل اسمي يطفو على كل شفة ولسان!”.

المذيعة والسفير.. أردشير زاهدي ودبلوماسية الإلهاء

في مذكرات باربرا وولترز قصص عديدة عن إيران، وتحكي كذلك عن حفلات مبنى السفارة الإيرانية في أمريكا، حيث واظب السفير أردشير زاهدي على إقامة حفلات البذخ، فقد عاش زاهدي حياة العزوبية بعد انفصاله عن ابنة الشاه محمد رضا بهلوي، لكن هذا الانفصال لم يعكر العلاقة بين الشاه والسفير.. تقول باربرا:

“كان زاهدي يحب الحفلات الضخمة التي تضم مئات الضيوف، والشمبانيا المتدفقة، وتلال الكافيار الإيراني الطازج، وطاولات المأكولات الهائلة من الحمص إلى الهامبرغر؛ وكان بإمكانك أن تأكل ما يطيب لك، أو أن تختلط بالحاضرين أو فقط أن تقف وتتفرج؛ وكنت تشاهد كثيرًا من وسائل الترفيه الممتعة، من الراقصات الشرقيات اللواتي تصفق لهن، إلى الموسيقيين الذين تستمتع بالإصغاء إلى أنغامهم، وصولًا إلى الفرق التي يمكنك الرقص على أغنياتها، والسياسيين الذين يمكنك التحدث معهم، فضلًا عن رؤية نجوم السينما لترمقهم بإعجاب”.

لقد سعى زاهدي إلى التميز، وتخطت دعواته المجموعة المعتادة من الوزراء وأعضاء مجلس الشيوخ وأعضاء الكونغرس وقضاة المحكمة العليا في الولايات المتحدة؛ فقد طلب حضور مشاهير من أمثال الممثلة إليزابيث تايلور، التي كان – وفقًا لبعض التقارير- يقيم علاقة معها.. ووفقًا لكتّاب سيرة تايلور، كانت الأخيرة حريصة على هذه العلاقة، لكن زاهدي تخلّى عنها.

وعندما ازدادت مشتريات إيران من الأسلحة الأمريكية، فوصلت لأكثر من سبعة أضعاف في فترة السبعينيات، أثار ذلك قلق بعض الخبراء الاستراتيجيين الذي تساءلوا عن الهدف من شراء كل هذه الأسلحة.

يقول مارتن كرايمر: قد يعتقد المرء أن الصحفيين – على الأقل- سيطرحون بعض الأسئلة الصعبة للغاية، وقد فعل بعضهم ذلك فعلًا.. لكن السفير زاهدي نجح في تخدير كثير من وسائل الإعلام أيضًا، وقد فعل ذلك بطريقتين؛ إذ احتل الصحفيون مكانة عالية في قائمة المدعوين ومتسلِّمي الهدايا، وهم لم يُدعَوا إلى مآدب العشاء فقط، بل إلى الاحتفالات الرسمية الإيرانية أيضًا.

وكان زاهدي يدعو المذيعة باربرا للحضور عند زيارة فرح بهلوي، زوجة الشاه، إلى أميركا، ويرسل إليها الكافيار هدية بعد اللقاء، وفي إحدى المرات أرسل إليها ساعة “كارتييه” بمناسبة عيد ميلادها، لكن طبقًا لسياسة العمل في قنوات الأخبار، لم يكن يحق لها قبول الهدية.. لذلك أعادتها إليه مع كلمة شكر، ورسالة توضح فيها سبب رفض الهدية، وعلَّقت قائلة: كانت ساعة جميلة جدًّا!

وقد تبين للمذيعة أنها فعلت عين العقل، فبعد فترة وجيزة من الإطاحة بحكم الشاه واندلاع ثورة الخميني، اتهم النظام الجديد المراسلين في أمريكا بتلقي رُشَى، وكانت باربرا واحدة من الصحفيين الذين تلقَّوا التهمة، وأشار الإيرانيون إلى ساعة الكارتييه التي من الواضح أنهم عثروا على سجلّها مدونًا في بعض الملفات، وكانت لحسن الحظ تحتفظ برسالة رفضها الهدية. لكن كل ذلك جرى بعد سنوات من زمن الحفلات الفاحشة والسخية التي أقامها في السبعينيات السفير زاهدي صاحب الكف النديّ.

ومع قيام الثورة الإسلامية، أفرغ الموظفون المتعاطفون مع الثورة زجاجات الشمبانيا من السفارة، وخرج زاهدي من وزارة الخارجية، ورافق الشاه في منفاه، بل تعرض إلى تحقيق حول الهدايا التي قدمها إلى الصحفيين، وسُئل أكانت رشوة أم لا؟

يقول مارتن كرايمر عن زاهدي: “لقد فهم البلد، وعرف كيف يمكن جذب أمريكا وإبهارها وإغراؤها، لأن نظامها السياسي يمزج الشهرة والمال بالسياسة؛ وواشنطن مليئة بالدبلوماسيين والعملاء الأجانب الذين يأتون إلى مكاتبهم كل صباح بحثًا عن أساليب لتحويل مسار السياسة الخارجية للولايات المتحدة.. فبالنسبة لهم، فإن رواية زاهدي عن هذه السنوات ليست مجرد حنين إلى حقبة السبعينيات، بل إنها تجربة ملهمة لهم.

زواج على كف عفريت

عندما كانت باربرا تُنهي زواجها الثاني وتنتزع ابنتها جاكي من الأب الذي أحبَّت، وكانت ابنتها تبلغ أربع سنوات فقط، كان الأوان قد فات، فقد بدأت حزم حقائبها إلى الصين، ومعها ذنب آخر في جعبة ذنوبها.

توجه الرئيس الأمريكي “نيكسون” إلى الصين الشيوعية في زيارة غيّرت تاريخ العلاقات بين البلدين، وكانت باربرا في الوفد الصحفي للزيارة، وعندما مرَّ موكب نيكسون في ساحة “تيانانمن” الشاسعة، لم تتوقع أن هذه الساحات، وبعد سبعة عشر عامًا، أي في عام 1989، سينزل فيها الطلاب ممن ينشدون الحرية ويتعرضون إلى قمع وحشي من الحكومة، وعندما عادت من الصين ظهرت شائعة عن علاقة بينها وبين هنري كيسنجر، لكنها تنفي في المذكرات أي علاقة عاطفية بينها وبين كيسنجر.

مقابلة مع موشي ديان

تزخر مذكرات “باربرا” بالحديث عن الشخصيات الإسرائيلية التي تعرَّفت إليها، ورغم كونها يهودية لم تساورها رغبة في الذهاب إلى إسرائيل، لكنها تأثرت بالتاريخ المذهل لمدينة القدس القديمة، دون أن تتعرف – وهي الصحفية- على حقيقة جرائم الاحتلال الإسرائيلي.

لقد تقابلت مع وزير الدفاع الإسرائيلي “موشيه ديان”، وكانت تنتظر مقابلته، وذهبت إلى البحر الميت حتى يصل إليها خبرٌ من مكتبه، بل إنها ذهبت إلى شرم الشيخ للسباحة فيها عام 1973م، قبل حرب أكتوبر، وقد أهداها ديان عديدًا من التحف الأثرية، فقد كان مهتمًّا بالآثار والحفريات، خصوصا تلك التي يسرقها من أرض فلسطين، ويثير بها الحنين في وجدان المذيعة.

وعندما احتجزت إسرائيل طائرة لبنانية بحجة وجود إرهابي (مع التحقيق لم يكن على متنها أي خطر) رفض “ديان” الاعتذار للدولة اللبنانية، وقال: “نحن لسنا إرهابيين، إنما نلقي القبض على الإرهابيين، وعندما يتوقف الإرهابيون، سوف نتوقف نحن!”، وهذه الكلمات ردَّدها الإسرائيليون بعد ذلك.

السعي لمقابلة السادات

تابعت “باربرا” عن كثب حرب 1973م، وشعرت بالارتياح عندما تعافت إسرائيل من الهجوم عليها، وتحمَّلت غولدا مائير وموشيه ديان مسؤولية الخسائر وانتُقدا بشدة، وتقدما باستقالتيهما.

في العام نفسه، كانت باربرا قد تعرَّفت بأشرف غربال، سفير مصر في الولايات المتحدة الأميركية، وقد أفصحت باربرا عن سعيها لعقد مقابلة مع السادات، وأوصل السفير المصري غربال هذا الطلب إلى وزير الخارجية المصري، إسماعيل فهمي، وخلال المقابلة قالت باربرا للوزير فهمي: “لا يعرف الأمريكيون الرئيس السادات على الإطلاق، ونتيجة ذلك فإنهم يخشونه ويخشون بلادكم… إذا كان الرئيس السادات يفكر في القيام بأي مقابلة، فإنه لن يجد منبرًا أفضل من برنامج (توداي شو)… فرجاء اسأله إنْ كان بإمكاني الحضور إلى القاهرة كي أجري معه مقابلة… دعني أقدمه إلى الشعب الأمريكي”.

وبعد بضعة أسابيع حصلت على الضوء الأخضر وسافرت إلى القاهرة، وتعرفت في هذه الزيارة إلى جيهان السادات، زوجة الرئيس، التي وافق السادات على المقابلة بعد موافقتها هي… كان السادات يقسّم اسمها على ثلاث مقاطع، باربرا، بصوته الجهوري العميق. أُعجبت المذيعة بالسادات وهو الذي يدخن الغليون بطريقة ساحرة، طارت المذيعة بعد ذلك إلى إسرائيل لتُقابل إسحاق رابين، الذي طرح عليها أسئلة فضولية حول السادات، إذ لم يلتق به قط، كان يسألها: كيف يبدو؟ وماذا قال؟ وما رأيك فيه؟

كانت أسئلة جعلت المذيعة الشهيرة تشعر بأنها قد تصبح وسيطة رسمية بين الجانبين، فقد شعرت لأول مرة – حسبما تقول في مذكراتها- أن كونها مراسلة تليفزيونية، يتيح لها التحدث بحرية مع العدوّين اللدودين؛ فقد قدمت لرابين عرضًا لشخصية السادات، وأخبرته بأنه رجل عميق التفكير، ونافذ البصيرة، وأضافت أنها تعتقد أن السادات لا يرفض كُليًّا فكرة عقد اجتماع بينهما، ولكنه ينتظر الوقت المناسب، وهو ما تحقق بالفعل لاحقًا مع زيارة السادات لإسرائيل عام 1977م.

وتكوَّنت صداقة بين المذيعة وجيهان السادات، التي قالت لباربرا في جنازة السادات: “أنتِ الوحيدة التي كنتُ أغار منها، إنَّ أنور أحبَّك كثيرًا”، وهو ما اعتبرته “وولترز” مجاملة رائعة.

يا لها من رحلة إعلامية عاشتها باربرا وولترز! نتوقف فيها عند علاقة السلطة بالإعلام، ومشكلات بيئة العمل الداخلي في التلفزيون، والصراعات مع الرجال في هذه المهنة، والمفاوضات حول أجرها السنوي، وعلاقتها العاطفية والحب والأولاد، والسعي الدؤوب للنجاح المهني.

قرأت صفحات هذه الرحلة، وأعجبتني شهادتها عن مقابلاتها التاريخية مع أنور السادات ومناحم بيغن وشاه إيران والقذافي وصدام حسين وفيديل كاسترو، وحتى مقابلتها مع رئيسة الوزراء البريطانية تاتشر.. وهذا ما نتابعه في المقال القادم.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

دانشمند: تحولات الغزالي وروح عصره  (3)

دانشمند: تحولات الغزالي وروح عصره  (3)

بعد جزالة اللغة وسعة الخيال والمهارة في الربط بين أجزاء الرواية؛ يبقى التفنن في الوصف والقدرة على تحريك الشخوص وفق أدوارهم المرسومة محل اختبار لكل روائي، وفي رواية دانشمند نجاح ماتع في "الرسم بالكلمات" لملامح الأشخاص، وقدرة إبداعية على تحريك شخصيات الرواية الكثيرة في...

قراءة المزيد
الرّدّ على المشنّعين على شعيرة الأضحية وكشف زيفهم

الرّدّ على المشنّعين على شعيرة الأضحية وكشف زيفهم

متّكئًا على أريكته بعد أن ألقى في بطنه وجبة دجاجٍ من "كنتاكي" وكان سبقها بيومٍ بالتهام شطيرة لحمٍ من "ماكدونالدز"؛ يرفع عقيرته بالتّشنيع على المسلمين الذين يذبحون الأضاحي في العيد لأنّهم يمارسون الجريمة بحقّ الحيوانات ويرعبه منظر الخراف المسكينة التي لقيت حتفها على...

قراءة المزيد
نشر نعيه قبل موته!

نشر نعيه قبل موته!

تائه في لندن أنا، لذا تذكرت محمد عفيفي صاحب كتاب "تائه في لندن". ذات عام سألني أحمد خالد توفيق: كيف توصلت إلى زوجة محمد عفيفي؟ منذ سنوات طوال وأنا أبحث عن أي أثر لهذا الكاتب العظيم، ولم أصل لأحد!. كنت مثل أحمد خالد توفيق لسنوات أتقصى أثره، أبحث عن هذا الساخر الكبير،...

قراءة المزيد
Loading...