وللمخدرات في لبنان حكاية!

بواسطة | مارس 5, 2024

بواسطة | مارس 5, 2024

وللمخدرات في لبنان حكاية!

تتناول المقالة الواقع المظلم لتجارة المخدرات في لبنان، حيث يكشف الكاتب عن تورط شخصيات سياسية بارزة وتورط الدولة في تسهيل عمليات التهريب. كما يستعرض تاريخًا مريرًا من المحاولات الفاشلة لمكافحتها، مع إلقاء الضوء على تفاقم الوضع خلال الحرب الأهلية.

تجارة المخدرات في لبنان – ما وراء الأسوار السياسية

من كتاب “أسرار وحيتان المال في لبنان” لكمال ديب، أستقي مقالي عن أهم ما ذكره من معلومات في ما يتعلق بالمخدرات في لبنان: 

في القمة العربية في الرباط عام ١٩٧٤، تم تكليف الرئيس اللبناني سليمان فرنجية بإلقاء خطاب يمثل الدول العربية عن الحق الفلسطيني في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي إجراء غريب يفتقر إلى القواعد الدبلوماسية، وفور وصول الوفد إلى مطار نيويورك، تم تفتيش حقائب الوفد واستُخدمت الكلاب البوليسية في ذلك، إلا أنهم لم يجدوا شيئا. بعدها اعتذرت أمريكا عن الخطأ وبررت ما حدث بأنه سوء فهم، ليتم تداول هذه القصة في الإعلام العربي باسم “فضيحة نيويورك”، ولكن بقي السؤال.. هل كان الأمر سوء فهم كما قيل؟!

لا مجال لسوء فهم، ولكن كانت هناك إخبارية عن عدد من الحقائب الرسمية سوف تستخدم في تهريب المخدرات، وكانت لبنان في تلك الفترة مركز نشاط كبير لتهريب المخدرات، وارتبط بتلك التجارة العديد من الشخصيات الرسمية، منها على سبيل المثال ابن الرئيس طوني فرنجية، وزير البريد والبرق والهاتف، الذي ورد اسمه ضمن تقرير أمريكي يصنفه على أنه من أهم المتورطين.

نعود إلى الخلف قليلاً ونتحدث عن تلك التجارة.. الطبيعة التضاريسية للبنان جعلتها المكان المناسب لنمو تجارة المخدرات، بوجود الجبال الوعرة والأودية السحيقة. ومع الاستعمار الفرنسي أخذت التجارة بالتوسع والنمو، ومما ساعد على ذلك أن الفرنسيين لم يحاربوا تلك التجارة، فقد تقاطعت مصالحهم مع وجودها.

 بعد خروج الفرنسيين عام ١٩٤٦ لم يتغير شيء، بل انتقلت المزارع إلى المناطق السهلة والأقل وعورة والقريبة من طرق المواصلات، وكشف تقرير صادر عن السفارة الأمريكية عام ١٩٤٨ عن الطابع الرسمي لذلك العمل، حيث ذكر التقرير أن شخصيات من حاشية الرئيس بشارة الخوري ضالعة في هذه التجارة، وأضاف أن محاربة هذه التجارة صعبة جداً وربما تحتاج إلى ثورة شعبية تقضي على الشبكة السياسية الفاسدة.

وفي عام ١٩٥٠ تبين كم هي تلك التجارة متغلغلة لدى رجال الدولة، حين ألقى البوليس المصري القبض على خليل بشارة الخوري، ومعه أحد أهم خبراء المخدرات في لبنان، يحاولان نقل شحنة أفيون إلى مصر، ليطير رياض الصلح ويتوسط لهم وينجح في ذلك قبل وصولهم إلى القضاء المصري.. وقبل أن نغادر هذه الفقرة نذكر أنه بعد تلك الحادثة بسنوات شهد مجلس الأمن الدولي شكوى تقدمت بها مصر ضد لبنان، بسبب الكميات الكبيرة من الحشيش الداخلة إلى أراضيها، واتهمت إسرائيل بتقديم تسهيلات للتهريب.

 لم تكن دول الجوار فقط تعاني من تلك التجارة، ففي عام ١٩٥٤ خلص المكتب الفدرالي لمكافحة المخدرات الأمريكي في  تقرير له إلى أن بيروت أكبر مركز لتصدير المخدرات في العالم، متفوقة بذلك على دول تفوقها مساحة في أمريكا اللاتينية! وعاد اسم لبنان بقوة لدى المكتب الفدرالي لمكافحة المخدرات الأمريكي في عام ١٩٦٠، حيث شهد ذلك العام القبض على دبلوماسي لبناني في نيويورك حاول تهريب ١٠٠ كيلو غرام من الهيروين النقي الأبيض، تبلغ قيمته ١٢ مليون دولار، لتكون أكبر كمية مخدرات تضبط في تاريخ مكافحة المخدرات في أمريكا، وليكتشف بعدها الأمريكان حقيقة صادمة، هي أن المخدرات المهربة من لبنان حجمها مائة كيلو غرام من الهيروين الصافي كل شهر وليس كل عام.

 ورغبة في معرفة تفاصيل الحقيقة، أرسل مكتب مكافحة المخدرات الأمريكي أحد عملائه إلى لبنان ليستكشف أسرار تلك التجارة.. بعد وصوله إلى بيروت نزل من الفندق ودخل حانة، وقال لصاحب الحانة إنه مواطن أمريكي ويرغب في شراء المخدرات بغرض التجارة، ليجيبه بكل طمأنينة بأنه وصل إلى غايته؛ فراح يسرد عليه أسماء عملاء له، وكان أحدهم قائدا عسكريا أمريكيا كبيرا قارب على التقاعد، كان قد اشترى منه كميات كبيرة ليبيعها في مصر، وجنى من ذلك ربحا كبيرا فتح به باب تجارة للسيارات في أمريكا. ثم أخذه إلى أحد الحقول ليشتري ما يريد، فاشترى العميل كيلو جراما من المخدرات بسعر رخيص، حوالي ١١٥ دولارا.

وفي اليوم التالي، توقف لدى محطة وقود ليعلم صاحب المحطة عن رغبته بشراء مخدرات، فيأخذه صاحب المحطة إلى حقل خلف المحطة على بعد مئة متر؛ وقد كتب في تقريره أن المزرعة شاسعة جداً، وامتدت بضعة كيلو مترات حتى سفوح الجبال.. الغريب في الأمر أن الرجل لم يمانع في التقاط صورة له أمام الحقل وهو يبتسم وقد تسور سلاحه حول بطنه! ذهب العميل إلى السفارة الأمريكية في بيروت ليقدم لهم الأسماء والمعلومات ويطلب منهم التنسيق مع الحكومة اللبنانية للقبض عليهم؛ فابتسم الموظف و قال له إن هؤلاء صغار جدا في تلك التجارة، ولن يقبض عليهم أحد في منظومة، الجميع متورط فيها.

مع  سهولة الوصول إلى تلك البضاعة الممنوعة اتضحت الصورة، وعُرف سبب قدوم كثيرين من الشباب الأمريكيين ليحصلوا على أنواع سعر الكيلو غرام منها ١٥ دولارا، في حين أنه يباع في موطنهم بـ ٤٠٠٠ دولار.. ما لا يعرفه العميل هو المنظومة المتداخلة في هذه التجارة، مثلا مصادرة بضاعة بكميات كبيرة تعود ملكيتها لرئيس مجلس النواب، وكذلك وزراء دُونت أسماؤهم في التقارير السرية على أنهم أصحاب مزارع، شبكة كبيرة من رجال الأمن ورجال الجمارك، وشبكة مواصلات كبيرة ووسائل تهريب تبدأ من الدواب وتنتهي بالطائرات، وتقنيات متقدمة في طرق التهريب، وموانئ مخصصة للتصدير لصالح لتلك التجارة، وقضاة جاهزون لنسف أي قضية أو تحويلها لجنح ومخالفات لتخفيف الأحكام؛ حتى إن جريدة نيوزويك كتبت عام ١٩٦٤ أن شراء ذمة قاضٍ في لبنان أسهل من شراء صندوق تفاح.

 نائب بعلبك في البرلمان أغضبه تتبع أمريكا لتلك التجارة، ليصرخ تحت قبة البرلمان قائلاً: إن بائعي المخدرات لا يسببون أي أذية مقارنة بمن يبيع الأسلحة الفتاكة والقنابل الذرية.

 الإشكالية مع تشابك المصالح التي يقودها كبار رجال الدولة، أن الذي لم يتورط من السياسيين في هذه القضية غض النظر عن هذه التجارة حماية لوضعه السياسي، وأصبح هناك مقايضة، والأمور تخضع لقانون التوازنات وكفة المصالح.

حاولت الدولة في مراحل عديدة القيام بحملات ضد تلك التجارة؛ عام ١٩٤٧ سقط ١٨ جنديًّا، لتغلق الدولة باب المحاولة بسبب تساقط الجنود على حدود حقول المخدرات، التي يحميها رجال أشداء مسلحون بأحدث الأسلحة، عبد الله اليافي رئيس الوزراء كانت له محاولة جادة انتهت باستقالته، وأحد مديري الأمن – رغم إخلاصه وحرصه- أوقف المحاولة بسبب قيام ضباطه بتهريب الخطط وتنبيه الزارعين قبل القيام بالحملات، كل الخطط كانت تُنسف في سهرة لضباطه وهم يدخنون لفائف الحشيش ليلاً مع من يفترض أنهم سوف يقومون باقتحام معاقلهم صباحاً، اقتنع أن المنظومة الأمنية مخترقة ولا يمكن إصلاحها.

 الرئيس شارل حلو كان له أيضا محاولة جادة، حاول تنظيف جهازه الأمني والقضائي ووضع حلولا إدارية؛ فأقال ١٤ قاضيا و ٥٨ ضابطا وعنصر أمن، وحاول استبدال زراعة أشجار مثمرة منها شجر دوار الشمس بأشجار المخدرات، ودشن المشروع الأخضر، لكن المشروع توقف لعدم تمرير الميزانية في مجلس النواب، ليفشل المشروع مع وضع العوائق أمامه، ويعود الناس لزراعة الأفيون فهي الأسهل والأكثر ربحاً.

 مع الحرب الأهلية اللبنانية تفلتت الأمور، وظهر الثراء الفاحش، وأصبح الجزء الأهم لتمويل الحرب يأتي من تجارة المخدرات، لتستمر هذا التجارة حتى يومنا هذا برعاية مجموعات سياسية.

أختتم المقال بسؤال مشروع.. الحقول كبيرة يسهل استهدافها وحرقها، بل إن الطائرات الأمريكية والإسرائيلية تستهدف شخصا في شقة تقع في عمارة، وتنجح في ذلك؛ فما الذي يجعلها تترك تلك الحقول المترامية الأطراف لتنهش من مقدرات شعوب العالم وأبنائهم؟!.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

دانشمند: تحولات الغزالي وروح عصره  (3)

دانشمند: تحولات الغزالي وروح عصره  (3)

بعد جزالة اللغة وسعة الخيال والمهارة في الربط بين أجزاء الرواية؛ يبقى التفنن في الوصف والقدرة على تحريك الشخوص وفق أدوارهم المرسومة محل اختبار لكل روائي، وفي رواية دانشمند نجاح ماتع في "الرسم بالكلمات" لملامح الأشخاص، وقدرة إبداعية على تحريك شخصيات الرواية الكثيرة في...

قراءة المزيد
الرّدّ على المشنّعين على شعيرة الأضحية وكشف زيفهم

الرّدّ على المشنّعين على شعيرة الأضحية وكشف زيفهم

متّكئًا على أريكته بعد أن ألقى في بطنه وجبة دجاجٍ من "كنتاكي" وكان سبقها بيومٍ بالتهام شطيرة لحمٍ من "ماكدونالدز"؛ يرفع عقيرته بالتّشنيع على المسلمين الذين يذبحون الأضاحي في العيد لأنّهم يمارسون الجريمة بحقّ الحيوانات ويرعبه منظر الخراف المسكينة التي لقيت حتفها على...

قراءة المزيد
نشر نعيه قبل موته!

نشر نعيه قبل موته!

تائه في لندن أنا، لذا تذكرت محمد عفيفي صاحب كتاب "تائه في لندن". ذات عام سألني أحمد خالد توفيق: كيف توصلت إلى زوجة محمد عفيفي؟ منذ سنوات طوال وأنا أبحث عن أي أثر لهذا الكاتب العظيم، ولم أصل لأحد!. كنت مثل أحمد خالد توفيق لسنوات أتقصى أثره، أبحث عن هذا الساخر الكبير،...

قراءة المزيد
Loading...