غزة.. أمن مصر القومي

بواسطة | نوفمبر 16, 2023

بواسطة | نوفمبر 16, 2023

غزة.. أمن مصر القومي

يسلط المقال الضوء على الدور المصري في غزة وأهمية هذا الدور للأمان القومي المصري، مع التأكيد على العلاقة التاريخية والجغرافية بين مصر وغزة.

دور مصر في غزة: التحديات الجغرافية والتأثير التاريخي

عطفا على الدور المصري في غزة، الذي يستوعبه من يعقل قيمة مصر لغزة وقيمة غزة لمصر، نؤكد أن الجغرافيا والتاريخ مع مصر في هذا الدور؛ ذلك أن الشمال كله والشمال الشرقي بالذات هو الجسر البري الذي يربطنا مع قارة آسيا، بل يربط قارة أفريقيا مع قارة آسيا، وهو المدخل للانتصار أو الهزيمة.

من هناك عبرت الجيوش غازية لمصر، وعبَر أحمس أكثر من 17 مرة منتصرا ومهزوما؛ من هذه البوابة الشرقية جاءت الديانة المسيحية لمصر، وكذلك جاء الإسلام، هذه البوابة شاهدة على انتصارات الفراعنة في عهد تحتمس الثالث، وشاهدة على بطولات صلاح الدين الأيوبي ودخوله مصر منها، وفي العصر الحديث كانت تمر عبرها جيوش وقواد محمد علي باشا أو الجيش المصري الذي قام بتأسيسه.. لذا فإن غزة، وفلسطين عموما، تدخل في صميم الأمن المصري، وبعيدا عن الوشائج الإنسانية والدينية والعربية التي تربطنا مع أهل فلسطين، فإن الأمن القومي المصري مهدد وسيظل مهددا دائما طالما أن غزة مستباحة من الإحتلال الإسرائيلي، لأنه لا يستبيح غزة فقط، بل يفتت مصر عن لحمتها العربية.

يكتب روتشيلد إلى وزير الخارجية البريطاني بالمرستون في 18 أغسطس عام 1841: “إن مصر وحدها تستطيع أن تقوم بدور مؤثر في توحيد العرب بعد أن تسقط الإمبراطورية العثمانية، ولهذا فإنه يتحتم حجز هذا البلد في موقعه وعدم السماح بخروجه إلى المشرق، وإذا استطاع اليهود إنشاء مستعمرات كافية وقوية في فلسطين، فإن هذه المستعمرات تستطيع أن تقوم بمهمة حجز مصر في أفريقيا، وهذا يعطي للقوى الأوروبية يدا طليقة في المشرق العربي”.

دافيد بن جوريون مؤسس إسرائيل كتب في مذكراته أيضا: “إن مصر وحدها هي التي يحسب لها حساب في المنطقة، فهي التي تقدر إذا واتتها الظروف الملائمة على توحيد العرب، لكن مصر أشبه ما تكون بزجاجة، وعنق الزجاجة سيناء، وإذا قامت إسرائيل في فلسطين، فإن إسرائيل سوف تقوم بدور “الغطاء” الذي يمكن كبسه في عنق الزجاجة، فيحكم إغلاقه وختمه، ويحبس الخطر داخل قمقم لا يخرج منه”.

وفي رسالة وجهها محمد حسنين هيكل إلى الرئيس محمد حسني مبارك عام 1982، نقل له كلام روتشيلد وبن جوريون، وأضاف أن الصلح المنفرد الذي قام به الرئيس محمد أنور السادات مع إسرائيل أدى نفس الدور، عزل مصر في أفريقيا ومن ثم عزلها عن العالم العربي.
وأرى أن ما يحدث الآن هو محاولة عزل لمصر عن محيطها العربي بأيادٍ مصرية وعربية، تخطط لها الصهيونية هذا الدور، وتلعبه ببراعة شيطانية منقطعة النظير، خدمة لمصالح إسرائيل وأمن إسرائيل بخطة أمريكية، خطة فشلت حين تكونت بعد الحرب العالمية الثانية من خلال محور الشرق الأوسط، وفيه مصر والدول العربية والخليجية بمشاركة تركيا وباكستان وإيران، ثم تشكَّل عام 1955 ما سُمي بحلف بغداد وانتهى بالفشل عام 1958، ثم قررت الإدارة الأمريكية تفتيت العالم العربي والشرق الأوسط بالإنفجار الكبير، وجاء التعبير على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، التي أسمته “big bump”.

ولقد جاءت جامعة الدول العربية -عبر فكرة واقتراح من الملك فاروق آمن به مصطفى النحاس باشا- بأدوارها الحيوية، قبل أن تتحول إلى الرجل المريض الآن، ثم جاء نظام حكم في مصر يقال فيه الكثير، لكن جاءت الأزمات الاقتصادية الطاحنة ومعها فيروس كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية ثم حرب غزة، ليجد هذا النظام نفسه يواجه أزمة على مستوى الأمن القومي، وأزمة على مستوى موقفه القومي والعروبي والوطني والإسلامي من آلاف الأطفال والنساء والمدنيين الذين يقتلون كل يوم، ولا مخرج لهم إلا من معبر رفح الذي يشرف عليه، ولا وسيلة إنقاذ لهم إلا أن يقوم بدوره المنوط به لإيقاف هذه الحرب، وهو تائه مرتبك عاجز عن فعل أي شيء، لأنه لا يملك كل أدوات المعبر من الناحية الأخرى في يده، ولأنه لا يستطيع اتخاذ موقف حقيقي ضد إسرائيل مثل مواقف سابقيه، لذا فإن ما قبل حرب غزة يختلف كثيرا عما بعدها.. فلننتظر!

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

الخرافة والسياسة والولاية

الخرافة والسياسة والولاية

حينما تحضر الخرافة تموت السياسة.. هذا أبسط شيء يمكن قوله اليوم في الواقع الطائفي المأزوم الذي تعيشه المنطقة العربية على وقع انهيار الدولة الوطنية العربية، في عديد من الجمهوريات العربية، التي أُفشلت فكرة الدولة فيها لعوامل عدة. في مقدمة تلك العوامل عدم تحول فكرة الدولة...

قراءة المزيد
هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

لا شك أن هوية أي أمة تحددها الثقافة الأم التي تعتنقها أغلبية هذه الأمة، ومنذ أن أشرقت شمس الرسالة على أرض العرب، أصبح الإسلام يمثل إلى اليوم هويتها المعبرة عن ثقافتها، بعد أن صبغ فيها أوجه الحياة من تصورات وعادات وتقاليد وفنون وعلوم ومعايير رفض وقبول ونحو ذلك. ومع كل...

قراءة المزيد
جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

قبل نحو عقدين من الزمن قررت أن أكون من أصحاب السيارات لأول مرة في حياتي، ولأني لم أكن أجيد القيادة جيداً، فقد نصحني البعض أن أبدأ بالسيارات المستعملة، حتى تتحمل أية أخطاء متوقعة من المبتدئين أمثالي. لجأت إلى أحد تجار هذا الصنف في قرية مجاورة، وهو مع أقرانه خليط من ذوي...

قراءة المزيد
Loading...