قصة الكوفيّة الفلسطينيّة وحكاية الشعب الذي يحتضن مقاوميه

بواسطة | أبريل 3, 2024

مقالات مشابهة

مقالات منوعة

بواسطة | أبريل 3, 2024

قصة الكوفيّة الفلسطينيّة وحكاية الشعب الذي يحتضن مقاوميه

للشعوب الثائرة على الطغيان والاحتلال والاستبداد روح لا تموت، وتنبعث بين فينة وأخرى على شكل أفعال تمتدّ أفقيًّا في المجتمعات، لتعيد لنا أملًا ربما خبا قليلًا، أو تبعث يقيننا بعد أن رقد في فراش اليأس والإحباط زمنًا.

وهناك في فلسطين شعب ما يزال قابضًا على جمر المواجهة مع المحتل، لا يترك ثائريه في الميدان وحدهم، بل يحتضنهم احتضان الأم الرؤوم، ويسندهم ببعض الظواهر التي تعني للناظر إليها الكثير من معاني تجذُّر روح الثورة في عموم النفوس، وتحولها من أفعال يقوم بها الفرد الثائر والمقاوم إلى ثقافة شعب يعرف جيّدًا معنى أن يكون حيًّا.

في الثورة الفلسطينية الكبرى كان الثوّار الفلسطينيون يأتون من القرى لتنفيذ عملياتهم ضد شخصيات ودوريات الاحتلال البريطاني في المدن الفلسطينية.. وكعادة أهل القرى كان الثوار يلبسون الكوفيّة ويتلثّمون بها، بينما كان لباس أهل المدن الفلسطينيّة آنذاك هو الطربوش التركي الأحمر، فبدأت سلطات الاحتلال البريطاني تستهدف من يلبسون الكوفيّة في المدن وتعتقلهم، وذلك لسهولة تمييزهم عن المحيط الاجتماعي العام، وتسبّب هذا في إحباط العديد من عمليات الثوّار، واعتقال كثير من أهل القرى.

هنا أصدرت قيادة الثورة تعميمًا تطالب فيه أهل المدن بنزع الطربوش الأحمر وارتداء الكوفيّة، التي هي لباس الفلاحين من أهل القرى، وكانت الاستجابة مذهلة، وكانتشار النار في الهشيم أصبحت الرؤوس مغطاة بالكوفيّة والعقال عوضًا عن الطربوش، الذي لم يعد له وجود في المدن الفلسطينية.

يذكر أكرم زعيتر ــ وهو أحد أبرز قيادات الثورة آنذاك ومن أوائل المعتقلين فيهاــ في كتابه “يوميات أكرم زعيتر، وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1935 ـ 1939”: “المعروف أن الثوار في فلسطين يلبسون على رؤوسهم العقال والكوفية، وذلك أساسًا هو ما يُلبس على الرأس في القرى، وحيث إن الثورة المباركة قد استطاعت أن تقضي على الجواسيس في معظم المناطق الفلسطينية، فلم تجد السلطة ما تميز به المجاهدين في المدن عن غيرهم إلا اعتبار كل لابس للعقال والكوفية ثائرًا، فتلاحقه بالتحقيق أو الاضطهاد.

وهنا فكرت إحدى القيادات في الأمر فأذاعت بيانًا تحضّ على نزع الطربوش عن الرأس ولبس الكوفية والعقال، وبذلك يزول الفارق بين المجاهدين وغيرهم، ويكون ذلك إعلانًا لتضامن سكان البلاد في الجهاد، ورمزًا لكون الناس جميعًا ثائرين. وبمجرد صدور البيان المذكور بادر سكان البلاد إلى انتزاع الطربوش وإحلال الكوفية والعقال – رمز الثورة- محله، ما أدهش السلطات ودل على نفوذ الثورة وقوة سلطانها.. ومن كان يتصور أن تنزع أمة بكاملها لباس رأسها الذي هو من تقاليدها الثابتة الموروثة؟!”

ويقول أكرم زعيتر في موضع آخر من كتابه: “كتب كبار الموظفين وقضاة المحاكم والقائمقامون إلى السلطة إنهم لا يستطيعون أن يخرجوا من بيوتهم إلى أعمالهم ما لم يلبسوا العقال والكوفيّة، فأذنت لهم بذلك فلبسوها وهكذا اختفى الطربوش، وقد شوهد موظف بريطاني كبير يلبس الكوفيّة والعقال اتقاء الاغتيال”.

أجل؛ هكذا غدت هيمنة الكوفيّة ومعها العقال، وهي لباس الثوار ورمز الثورة، حتى أصبح من لم يرتدِها يخشى على نفسه، وكانت مقياسًا على مدى نفوذ الثورة وقوّتها، وامتدادها مجتمعيًّا، وتجذّرها في نفوس هذا الشعب بمختلف مكوناته وشرائحه، ومختلف أماكن وجوده.

لقد غدت الكوفيّة مخبأ المطارَد، وسلاح إرباك ومقاومة، وعلامةً على نفوذ الثورة في المجتمع الفلسطينيّ، ودلالةً على مدى تجذُّر ثقافة المقاومة في نفوس الشباب الفلسطيني.

إن استمرار الاحتضان الشعبي للثورة في فلسطين من أيام الثورة الفلسطينية الكبرى، وارتداء الكوفيّة حفاظًا على الثوار حتى يومنا هذا، يؤكد أن من أهم ركائز استمرار أية ثورة ضد الاحتلال أو الاستبداد ومن صميم عوامل انتصارها؛ أن تتحوّل إلى ثقافة شعبية عامة، ويتحقق إيمان شرائح الشعب المختلفة بها، والاستعداد للقيام بأفعال تلقائية ومبادرات عامّة للحفاظ على الثوار وحفظ الثورة.

فالثّورات التي تتفجر من قلوب الشّعوب على هيئة مبادراتٍ جماعيّة للحفاظ على القابضين على زناد الثّورة هي ثورات لا تموت، ومددها من شعوب على قيد الحياة.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

جحيم غزة.. من هم صانعوه؟

جحيم غزة.. من هم صانعوه؟

"رأيت طفلاً يبلغ من العمر 6 سنوات، كان ملقى على الأرض في غرفة الطوارئ، ولم يكن أي من عائلة الطفل حوله، فقد أُخبِرنا بأنهم قُتلوا جميعا! كان الطفل يعاني من حروق مؤلمة للغاية، وجروح مفتوحة في منطقة الصدر.. نظرت حولي بحثا عن أطباء أو عمال تمريض يساعدونني، فلم أجد، كانت...

قراءة المزيد
دموع في عيون وقحة

دموع في عيون وقحة

"دموع في عيون وقحة".. هو اسم المسلسل الدرامي المصري الذي جسد قصة أحمد الهوان، ابن مدينتي السويس وأحد أبطال الحرب الباردة بين مصر وإسرائيل، الذي خدع جهاز المخابرات الصهيوني على مدار سنوات قبل انتصار أكتوبر 1973، وجسد شخصيته في المسلسل الفنان عادل إمام باسم "جمعة...

قراءة المزيد
“إلى عرفات الله”.. كيف فر أحمد شوقي من الحج مع الخديوي واعتذر بأبهى قصيدة؟

“إلى عرفات الله”.. كيف فر أحمد شوقي من الحج مع الخديوي واعتذر بأبهى قصيدة؟

في عام 1909م، قرر الخديوي عباس حلمي الثاني (ت:1944م) السفر إلى الحج، ومن الطبيعي أن تكون هذه الرحلة تاريخية، إذ ستكون على ظهور الإبل والخيل، ثم على ظهور السفن التي تمخر عباب البحار. اصطحب الخديوي معه في رحلته هذه أمه أمينة هانم إلهامي (ت:1931م) حفيدة السلطان العثماني...

قراءة المزيد
Loading...