مرض كره الأجانب المُنتَج حديثا

بواسطة | سبتمبر 4, 2023

بواسطة | سبتمبر 4, 2023

مرض كره الأجانب المُنتَج حديثا

أصبحت كراهية الأجانب، التي تتمحور حول كراهية اللاجئين السوريين في تركيا، واقعا مأساويا على نحو متزايد.
فقد تفاقمت هذه الظاهرة بشكل مثير للاهتمام على وسائل التواصل الاجتماعي المليئة بالمعلومات المضللة، القائمة على الصور الخاطئة؛ فعلى سبيل المثال، انتشر مقطع فيديو لرجل تركي يصرخ في وجه راكب في وسائل النقل العام بعبارات مثل: “ماذا تفعل هنا، اذهب إلى بلدك”؛ ويرد الراكب بـ: “أنا بالفعل في بلدي”. وعندها اشتد الجدال، إذ ظن الرجل التركي أن الراكب أجنبي أو أنه حاصل على الجنسية التركية مؤخرا، وأمره بالعودة إلى مسقط رأسه، وبعدما وضّح الراكب أنه تركي الجنسية وأنه من سيواس (محافظة تركية) ضحك الجميع مما حصل.
لكنْ مع ذلك، ليست كل صورة تعكسها وسائل التواصل الاجتماعي مضحكة هكذا؛ فقد كانت هناك هجمات على أشخاص من بلدان مختلفة، وخاصة سورية، وكذلك الأتراك الذين تعرضوا للضرب والإهانة للظن بأنهم سوريون، بالإضافة إلى أولئك الذين يتعرضون للهجوم لمجرد أنهم أجانب، على الرغم من أنهم غير متورطين في أية جريمة.
قد لا يكون الصواب تسمية المشكلة في تركيا “كراهية الأجانب”، لأنه لا يوجد رد فعل من هذا القبيل على الأجانب الغربيين والأجانب الأوروبيين، كما أنه ليس هناك عداء للأجانب الذين يتم توظيفهم في المنازل من قبل الأثرياء مقابل أجور منخفضة.
إنَّ أحد الجوانب المأساوية للأمر هو أن بعض أولئك الذين يُبدون كراهيةً تجاه طالبي اللجوء، سواء كانوا سوريين أو قادمين من الشرق الأوسط، يقومون بتوظيف الأجانب لرعاية أقاربهم المرضى أو لتنظيف منازلهم. وواضح أن العاملين في المنازل لا يواجهون حالة عداء كما هو حال الأجانب الذين يعملون في الصناعة والزراعة.. وإذن فما الذي نشهده في تركيا؟.
بدأت المشكلات مع وصول أولئك الذين فروا من ويلات الحرب الأهلية السورية ولجؤوا إلى تركيا، ثم تأزم الوضع مع العداء الذي أنتجه السياسيون المعارضون في تركيا.
بالإضافة إلى ذلك، تقوم بعض المنظمات الإرهابية من خلال حسابات مزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي بمشاركة صور لأحداث غير واقعية أو أحداث وقعت في بلدان أخرى، أو مشاركة أحداث سابقة وقديمة على أنها جديدة، بشكل يؤدي إلى تغذية الكراهية الاجتماعية. حيث نشر بعض السياسيين إحصائيات، أعلنوا فيها أن عدد الأجانب في تركيا هو 8 ملايين، وهناك من جعل العدد 13 مليون أو حتى 20 مليون، وكل هذا يضخم الكراهية الاجتماعية. لكن الحقيقة تُظهر أن تلك الأرقام غير واقعية، فبحسب وزارة الداخلية يبلغ عدد السوريين الخاضعين للحماية المؤقتة في تركيا 3 ملايين و303 آلاف شخص، بينما عدد الأشخاص الخاضعين للحماية الدولية هو 291 ألف و571 شخصا، وعدد حاملي تصاريح الإقامة هو 1 مليون و235 ألفا و895 شخصا.. بمعنى آخر، يبلغ إجمالي عدد الأجانب المسجلين في تركيا 4 ملايين و803 آلاف و500 شخص.
ووفقا لاستطلاع للرأي، فإن نسبة الذين يعارضون السوريين تتجاوز 70؜%، ومع ذلك فإن 65%؜ من هؤلاء الأشخاص لم تكن لهم علاقة مع سوري في حياتهم ولم يتعاملوا معه.. بمعنى آخر، هناك عداوة تنتج من خلال التصور الذي تم إنشاؤه، وينبع هذا العداء من معارضة الحكومة في تركيا؛ ففي جميع استطلاعات الرأي التي أُجريت بالفعل تُعتبَر كراهية الأجانب أكثر انتشارا بين جماعات المعارضة. ويرى هؤلاء أن اللاجئين هم السبب في المشكلات الاقتصادية، وارتفاع إيجارات المنازل، والبطالة جزئيا.
وأحد العوامل التي تصعّد المشكلة يأتي من أولئك الذين يدخلون تركيا بشكل غير قانوني من أفغانستان والعراق وإيران؛ لأن الذين يدخلون كلاجئين مؤقتين بسبب الحرب الأهلية مسجلون، ومعدل التورط في الجريمة بين هذه الشريحة منخفض للغاية. ومع ذلك، فإن الحوادث الناجمة عن الوافدين غير الشرعيين تنسب أيضا إلى طالبي اللجوء السوريين، وهذا الأمر يصعّب حل المشكلة.
في إطار السعي للخروج من الواقع المتأزم، يتم بذل جهود مكثفة من أجل العودة الطوعية للاجئين؛ فعلى سبيل المثال، عاد 571 ألفا و486 سوريّاً إلى بلادهم. وبالإضافة إلى ذلك، تُبذَل جهود مكثفة لإعادة أولئك الذين دخلوا تركيا بصورة غير مشروعة إلى بلدانهم بوصفهم “مهاجرين غير شرعيين”؛ ففي غضون شهرين فقط، تم تنفيذ 134 عملية في إسطنبول وتمت إعادة 19130 مهاجراً غير شرعي إلى بلدانهم. ومن الركائز الهامة لهذه المسألة مكافحة المتاجرين بالبشر، حيث اعتقلت قوات الشرطة التابعة لوزارة الداخلية 188 من منظمي الإتجار بالبشر خلال فترة الشهرين هذه.
ولا ينبغي النظر في البعد الأمني والقانوني للمشكلة فحسب، بل أيضا في البعد الاجتماعي لها؛ وقد شرح متين كوراباتير، رئيس مركز الأمم المتحدة لدراسات اللجوء والهجرة، أسباب الخطابات العنصرية التي ظهرت، فقال: “تؤدي الزيادة في تنقل الناس بين الدول إلى زيادة كراهية الأجانب في العديد من بلدان العالم، وتستغل الأحزاب السياسية هذا السخط في الرأي العام لأغراض التصويت، ولتركيا نصيبها من هذا الاتجاه العالمي. وتساعد وسائل التواصل الاجتماعي على انتشار حالة الغضب هذه بسرعة، وتتحول الإهانات إلى اعتداءات جسدية.. لا توجد إجابة سهلة عن السؤال: “ما الذي يجب القيام به؟”، فهذه مسألة تتعلق بمستقبل البلد. لكن، طالما بقي ملايين اللاجئين في البلاد، فإن جميع الخطوات المتخذة للتعامل مع هذا الواقع  ينبغي أن تكون شاملة وموحدة؛ وبخلاف ذلك، سيتم إحداث بؤر توتر جديدة في المجتمع. والتعامل السليم مع هذه الحال يتطلب جهودا متعددة الأوجه وطويلة الأجل، فعلى الحكومة أن تأخذ زمام المبادرة وتعلن بجرأة أنها ملتزمة بحماية حقوق الإنسان الأساسية للاجئين، ومن جهة أخرى يتعين توعية جميع شرائح المجتمع بـ “من هو اللاجئ”، وينبغي لوسائل الإعلام أن تؤكد حقيقة أن اللاجئين يلتمسون اللجوء في بلدنا لأن حياتهم في خطر، وينبغي العمل على وضع منظور لحقوق الإنسان ينبذ خطاب الكراهية. ولا بد من التأكيد على أن حماية حقوق الإنسان الأساسية لكل فرد على أراضي هذا البلد من واجب الدولة، ويجب أن نُذكّر بأن خطاب الكراهية جريمة، ويجب العمل على تشديد العقوبات القانونية لهذه الجريمة”.
إن النقاش والصراع، الذي بدأ بمشاعر معادية لسورية وتحول إلى كراهية للأجانب اليوم، دخل جدول أعمال الجميع كمشكلة اجتماعية؛ لدرجة أن رئاسة الشؤون الدينية في جمهورية تركيا خصصت خطبة الجمعة الأسبوع الماضي لموضوع “العنصرية والتمييز”. وفي خطبة صلاة الجمعة قيل ما يلي: “وفقا لتعاليم ديننا فإن كل إنسان، بغض النظر عن لغته وعرقه ولونه وجنسه وطائفته ومهنته، له قيمة ويستحق الاحترام، الإنسان مخلوق يستحق أن يعيش بطريقة تليق بكرامته، نحن نمثِّل الحضارة الإسلامية، والمواقف والسلوكيات التي تسيء إلى كرامة الناس لا تناسبنا أبدا.. نحن أبناء أمة عزيزة جعلت الرحمة والعدالة والمحبة والاحترام وأخلاق العيش المشترك مهيمنة في العالم؛ والفصل والتهميش والإقصاء والاحتقار والعار أشياء لا مكان لها في أي مجال من مجالات حياتنا، ولا تتوافق أبداً مع هويتنا الإسلامية”.
يبدو أن هذه المشكلة ستبقى محل نقاش لفترة طويلة جدا بين شرائح المجتمع بأكملها، وسيتحول النقاش المتبادل إلى صراع، وسيصبح مرضا اجتماعيا؛ وإن التغلب على هذا المرض يكون بحل المشكلة بشكل قانوني، وبالسيطرة على الوضع من قبل السلطات الرسمية. لكن من الضروري منع تحول النقاش المتبادل إلى كراهية مدمرة، خاصة في المجال الاجتماعي، وتحقيق ذلك يأتي من خلال مناقشة المشكلة بجميع أبعادها وتشخيصها، وإنشاء هيكل صحي يتم فيه القضاء على الأحكام السلبية المسبقة عن اللاجئين، وتفعيل العلاقات المتبادلة معهم.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

شمال غزّة يموت جوعا!

شمال غزّة يموت جوعا!

المشهد الأول: نخوة العرب في الجاهلية بعد أن وقّعت قريش وثيقة المقاطعة الظالمة لبني هاشم، وعلقتها في الكعبة لتعطيها شيئا من القداسة، جاء هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، لتمزيق هذه الصحيفة رغم أنهم كانوا جميعا على الشرك، ولكن كان...

قراءة المزيد
مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

والد لا يعارض ثورة أمَّمت شركاته خسر والد محمد سلماوي كثيرًا من مشاريعه التجارية بسبب التأميم، وكذلك خسر أراضي زراعية بسبب الإصلاح الزراعي، لكنه لم يعترض في فترة حكم عبد الناصر، وهُنا أعجبني تحليل سلماوي موقف والده، فقد اندهش سلماوي كثيرًا بعد رحيل عبد الناصر، وحين...

قراءة المزيد
لا نامت أعين الجبناء

لا نامت أعين الجبناء

في سكرات موته بدا واهنًا بشكل لا يُصدَّق، كان قادرًا على أن يلمح الوجوه الجزعة التي جاءت لتطمئن عليه، لم يستطع جسده المحموم أن يبلغ به وضع القعود، فتحسس جسده بكلتا يديه وابتسم ! إن جسده المرهق الواهي ليس فيه موضع سليم، لا يوجد شبرٌ واحد على حاله التي خُلق عليها،...

قراءة المزيد
Loading...