أتيت إلى السلطة بالبندقية.. فهل أرحل بغيرها؟!

بواسطة | يناير 25, 2024

مقالات مشابهة

مقالات منوعة

بواسطة | يناير 25, 2024

أتيت إلى السلطة بالبندقية.. فهل أرحل بغيرها؟!

في دراسة مقارنة بين حكم الرئيس المصري السيسي والجنرال الصومالي الراحل محمد سياد بري، يكشف هذا المقال عن تشابهات مُقلقة في استراتيجيات القمع وسياسات الحكم، مستعرضًا التأثير الإنساني والسياسي لكلا النظامين

تشابه القمع – دراسة مقارنة بين حكم السيسي في مصر وجنرال الصومال محمد سياد بري

شيء ما دفع ذاكرتي لاستدعاء كلماته: “عندما جئت إلى مقديشو، كان فيها طريق معبد واحد فقط بناه الإيطاليون، وإذا ما أجبرتموني على التخلي عن الحكم، فسأترك المدينة كما وجدتها أول مرة؛ لقد أتيت إلى السلطة بقوة البندقية، ووحدها البندقية بإمكانها إزاحتي”.

هي عبارة قالها الجنرال الصومالي الراحل محمد سياد بري، الذي حكم الصومال بين عامي 1969 و1991، وهذه العبارة تذكرتها أثناء متابعتي لمشهد لقاء الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” مع نظيره الصومالي “حسن شيخ محمود”، خلال مؤتمر صحفي لهما عُقد في القاهرة؛ فالرئيس الذي وصل إلى حكم مصر عبر انقلاب عسكري، وقف يوم الأحد 21 يناير/ كانون الثاني من العام الجاري 2024، أمام عدسات الكاميرات، ليعلن للعالم كله أنه لن يسمح بأي تهديد يمس أمن الصومال.

جاء ذلك ردا على توقيع أثيوبيا مذكرة تفاهم في الأول من شهر يناير، قالت فيها إنها ستبحث أمر الاعتراف باستقلال (أرض الصومال) مقابل السماح لها بالوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء “بربرة”.. ومنطقة “أرض الصومال” سبق وأن أعلنت استقلالها عن الصومال في العام 1991، لكنها لم تحظَ باعتراف دولي.

وهنا، يبدو موقف مصر طبيعيا في دعمها للصومال ضد جارتها الأفريقية “أثيوبيا”، التي تهدد أمنها القومي، في ظل العلاقات المتوترة للأخيرة مع مصر، فقد تعمدت أثيوبيا كذلك انتهاك أمن مصر القومي، بتشييدها سدا ضخما على مجرى نهر النيل، يحرم المصريين من حصتهم التاريخية في المياه؛ لكن ما يثير لدى المصريين الاستغراب، هو موقف النظام المصري المشين على مدار الأشهُر الثلاثة الماضية، من عمقه الإستراتيجي وجارته الحدودية  الملاصقة له “غزة”، وتواطؤه مع الإسرائيليين، في حربهم عليها.

ويأتي مع ذلك أيضا موقفه الملتبس بشأن ملف مياه النيل، بدءا من توقيعه على اتفاقية “المبادئ” في 23 مارس/ آذار 2015، وهي اتفاقية ثلاثية قام بالتوقيع عليها البلدان الثلاثة (مصر وأثيوبيا والسودان)، وتسمح مصر من خلالها لأثيوبيا ببناء سد النهضة، وفق شروط مبهمة لم يتم التصريح بها في الإعلام، لكنها – وعلى الفور- أعطت المشروعية لبناء السد، ويسَّرت لأثيوبيا التمويل اللازم لتشييده، بعد أن أسفرت جهود مصر الدبلوماسية عقب ثورة يناير، وأثناء حكم الرئيس المنتخب الراحل “محمد مرسي”، عن صدور قرار رسمي من الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين وإيطاليا والبنك الدولي بوقف التمويل، وتجميد قروض دولية لأثيوبيا بقيمة 3.7 مليار دولار، وذلك في أبريل/ نيسان 2014، إلا أن التمويل – وبموافقة السيسي على بناء السد- عاد مرة أخرى إلى أثيوبيا، وتسارعت خطواتها في بناء السد.

ولاحقا، أدخل النظام المصري نفسه، في مفاوضات عبثية استمرت لسنوات، كان الهدف الوحيد منها – كما يقول مراقبون- هو إعطاء أثيوبيا الفرصة لتشييد السد، وملء بحيرته بالمياه، فيصبح واقعا أليما، يصعُب التعامل معه، أو اللجوء لتدميره، خاصة وأن الضرر الأكبر من هدمه، يقع على مصر والسودان، نظرا لبناء السد على بعد 15 كم من الحدود السودانية الأثيوبية.

إذن، فليس من قَبِيل المبالغة القول إن السيسي هو صاحب الفضل الأكبر في إنجاز بناء سد النهضة، الذي أضحى بمثابة محبس عملاق، يمنع المصريين من الحصول على حقهم في مياه النيل. وهذا ما يجعلنا نتساءل: لماذا يأتي هذا الموقف المفاجيء منه بدعم الصومال، نكاية بحليفته السابقة “أثيوبيا”؟!

ويبقى التساؤل عالقا إلى أن تصدمنا كلماته خلال لقائه بالرئيس الصومالي، في المؤتمر الصحفي لهما، وتقدم لنا التفسير؛ حيث وجه السيسي خطابا مباشرا للمصريين، قائلا: “يهمني أقول رسالة للمصريين…”، ثم استدرك موجها كلامه للرئيس الصومالي: “سامحني إني أنا استفدت من ذلك”، وأضاف: “الصومال دخلت في مشكلة عام 91 عصفت بالدولة لمدة 30 سنة، ودائما ما نقول: يا ناس، حافظوا على استقرار بلادكم، فأي تحدٍّ يمكن مواجهته طالما الدولة مستقرة، لكن حينما تدخل الدول في حالة عدم الاستقرار لا تعود منها بشيء”.

ويبدو أن السيسي هنا، يحذر المصريين من سيناريو الحرب الأهلية في الصومال، التي أعقبت سقوط الحكومة العسكرية الديكتاتورية، بقيادة الجنرال “محمد سياد بري” عام 1991؛ وعلى الرغم من غرابة الحدث، وبُعده التام عن أصول اللياقة والدبلوماسية، حيث يلجأ المُضيف للاستفادة واستلهام العبرة والعظة من مآسي دولة ضيفه، أمام وسائل الإعلام؛ فإنها ليست المرة الأولى، التي يهدد فيها السيسي المصريين، بنظرية: أنا أو الدمار.

فقد فعلها من قبل، خلال مؤتمره الذي عقده بالعاصمة الإدارية الجديدة، في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حين صرح أنه يمكن له أن يهدم مصر، ويخلق بها اضطرابات واسعة، بواسطة “100 ألف إنسان (ظروفهم صعبة) مقابل حصول هؤلاء الأشخاص على مواد مخدرة وأموال.. ألف جنيه وباكتة بانجو”. والعجيب أن تلك القصة التي تُدين السيسي، واعترف هو بها بلسانه، صرح بأنها كانت طرفا من حوارٍ له مع أعضاء الهيئة القضائية، قبل أسابيع من إشرافها على الانتخابات الرئاسية المصرية، كأنها إشارة منه للقضاة وللمصريين، أن بقاء السيسي بالانتخابات القادمة لا بديل عنه سوى تدمير البلاد.

وتهديدات السيسي للمصريين جريمة تستوجب المحاكمة والعقاب، إلا أنه في ظل دولة بوليسية قمعية لا مكان فيها للقانون، فلقد أعادها مرارا وتكرارا، عبر سنوات حكمه الممتدة منذ انقلابه العسكري في يوليو/ تموز 2013 وإلى الآن. لكن الجديد هنا، هو تشبيه السيسي نفسَه بالرئيس الصومالي الراحل “محمد سياد بري”، وهو تشبيه له وجاهته في الحقيقة، حيث يوجد بين نظامي حكم الرجلين الكثير والكثير من المتشابهات.

فاللواء “بري” الذي كان قائدا للجيش الصومالي، وصل إلى لحكم في بلاده، عبر انقلاب عسكري في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 1969، عقب اغتيال الرئيس الشرعي المنتخب للبلاد “عبد الرشيد علي شرمركه”، وقد شكل “بري” ما أسماه المجلس الأعلى للثورة، الذي تكون من 25 عضوا، كلهم من ضباط الجيش والشرطة، ومثَّل هذا المجلس الحزبَ الحاكم للبلاد، بعد أن ألغى “بري” كافة الأحزاب، كما حل كذلك البرلمان والمحكمة العليا، وعلق العمل بالدستور، ثم اعتقل أعضاء الحكومة المدنية، وحظر الحياة الحزبية تماما، وقبض على رموز الحياة السياسية وأودعهم في السجون، ثم أنهى بعدها كل شكل من أشكال حرية الإعلام.

وأسس بري دولته القمعية البوليسية، بعد أن اعتنق الفكر الشيوعي واستلهم منه فكرة تقديس ذاته، فقام بتعليق صوره مع ماركس ولينين في الشوارع والأماكن العامة، وأجبر طلاب المدارس والموظفين على التغني باسمه كل صباح.

ونظراً لموقع الصومال الإستراتيجي الهام عند مصب البحر الأحمر، فقد حاز على اهتمام كبير من القوى العالمية المتصارعة في هذا الوقت، أمريكا والاتحاد السوفيتي، وقد تحالف الجنرال العسكري في البداية مع المعسكر السوفيتي، وحاول تطبيق ما سماه بـ«الاشتراكية العلمية» وتمت إعادة تسمية البلاد باسم “جمهورية الصومال الديمقراطية الشعبية”.

وكأي حاكم عسكري مستبد، يستمد قوته من إشغال البلاد وإدخالها في الصراعات، أمر “بري” قوات جيشه في عام 1977 بالهجوم على إقليم “الأوجادين”، المتنازع عليه مع أثيوبيا، وقد حقق جيشه في الهجوم انتصارات أولية، إلا أن التدخل السوفيتي في الحرب لصالح أثيوبيا، أسفر عن هزيمة شنيعة لقوات الصومال، قطع “بري” على إثرها جميع علاقاته بالاتحاد السوفيتي، وطرد جميع المستشارين السوفييت، ومن وقتها تحوّل ولاؤه إلى الغرب والأمريكان.

ومن عجائب مدى التقارب بين نظامي حكم “بري” و”السيسي”، أن الصومال قد دخلت هي الأخرى في صراع طويل مع دين الإسلام، تماما كما فعل السيسي في مصر. ففي عام 1975 أعلن “بري” تعطيل الحدود الإسلامية، واستحدث قوانينَ للمرأة والأسرة مخالفة للشريعة الإسلامية، وقام بحظر النقاب، وحينما انطلقت ضده ثورة شعبية، تولى قمعها بوحشية، وقتل وسجن من شعبه الآلاف، كما أعدم عشرة من كبار علماء الدين في الصومال.

وبدأت رحلة انهيار البلاد وتفككها خلال عقده الثاني في الحكم، حيث تعرض بري لمحاولة انقلاب فاشلة، فتك على إثرها بآلاف من عناصر قبيلة “ماجيرتين”، التي اتهمها بالمسؤولية عن هذا الانقلاب؛ وكان “بري” كلما زادت المعارضة لنظامه الوحشي، يزيد اعتماده أكثر فأكثر على أبناء قبيلته، ويُقوّي قبضتهم الأمنية على مختلف العشائر والقبائل الأخرى في البلاد. ويعتبر المؤرخون أن “بري” هو مُشعل نار الحرب الأهلية في الصومال، فقد شكّل ميليشيات مسلحة، نفذت عمليات إرهابية منظمة ضد العشائر والقبائل التي أظهرت معارضتها له، وبخاصة قبائل الإقليم الشمالي (أرض الصومال).

اعترفت الأمم المتحدة بعملية الإبادة الجماعية، التي ارتكبتها قوات برّي بين عامي 1987 و1988، ضد قبيلة “إسحاق” شمال الصومال، والتي سقط فيها من الضحايا ما بين 50 إلى 100 ألف قتيل في ما وُصف بأنه «هولوكوست» مروع، وقد تضمّنت تلك الإبادة الجماعيّة تدميرا شبه كامل لثاني وثالث أكبر مدن الصومال، وهما “هرجيسا” و”بوارو”، وتمّ استعمال جرائم “الاغتصاب” فيها، كسلاح ضد نساء القبيلة، وقد تسببت تلك الحرب الدموية في هروب عشرات الآلاف من الصوماليين، في ما وُصف لاحقا بأنه (أحد أكبر وأسرع التهجيرات القسرية المسجلة للأشخاص في أفريقيا). وقد اعتبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنوات حكم “سياد بري” الـ21 أنها واحدة من أسوأ سجلات انتهاك حقوق الإنسان في أفريقيا.

وقد ظلت نيران الحرب الأهلية والصراعات القبلية، التي أشعلها بري، تأكل في جسد الصومال حتى فقد السيطرة تماما على مقاليد الأمور عام 1991، ليضطر بعدها للهرب إلى كينيا ومنها إلى نيجيريا حيث وافته المنية عام 1995؛ ليرحل -غير مأسوف عليه- أحد أشد حكام أفريقيا وحشية ودموية عبر التاريخ، بعدما أدخل بلاده في نفق مظلم من الحروب والصراعات، لم تستطع الخروج منه على مدى عقدين آخرين من الزمان.

حكم السيسي يتشابه كثيرا مع نظام الجنرال الصومالي الراحل “محمد سياد بري” في القمع والوحشية، وفي حربه على الدين وتأميمه للحياه السياسية، وفي عصفه بالحقوق والحريات، واللجوء لسلاح التفرقة بين المواطنين.. ومن هنا ينشأ السؤال: هل كان السيسي يقصد بتحذيره للمصريين من سيناريو الصومال أنه على خُطا الجنرال الصومالي المنقلب، ويخطط لإشعال حربٍ أهلية لمواجهة المعارضة المتزايدة لحكمه، بعد الفشل والتردي اللذين شهدتهما مصر على يديه في المجال الاقتصادي، وفي كافة مناحي الحياة؟!

نتمنى أن تجد بلادنا من الشرفاء في مواقع القيادة من يحولون دون تنفيذ ذلك.

1 تعليق

  1. ******

    مصر لا يوجد فيها نظام قبلي كالصومال و لكن السيسي صنع فيها و من قبله عبدالناصر و السادات ما يمكن تسميته بشعبين يتكلمان نفس اللهجة و يعيشان نفس الحياة تقريباً و لكن احدهما يدين بولائه للإسلام و هذا قد لا يتعدي الثلاثين او الأربعين بالمئة و آخر يدين فقط للمؤسسة العسكرية و يستعذب الاهانة و الدعس على وجهه من جزمة العسكر و لا بد من حدوث حرب طاحنة لا تبقي و لا تذر حتى يهلك من هلك عن بينة و يحي من حيي عن بينة … و الله اعلم

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

جحيم غزة.. من هم صانعوه؟

جحيم غزة.. من هم صانعوه؟

"رأيت طفلاً يبلغ من العمر 6 سنوات، كان ملقى على الأرض في غرفة الطوارئ، ولم يكن أي من عائلة الطفل حوله، فقد أُخبِرنا بأنهم قُتلوا جميعا! كان الطفل يعاني من حروق مؤلمة للغاية، وجروح مفتوحة في منطقة الصدر.. نظرت حولي بحثا عن أطباء أو عمال تمريض يساعدونني، فلم أجد، كانت...

قراءة المزيد
دموع في عيون وقحة

دموع في عيون وقحة

"دموع في عيون وقحة".. هو اسم المسلسل الدرامي المصري الذي جسد قصة أحمد الهوان، ابن مدينتي السويس وأحد أبطال الحرب الباردة بين مصر وإسرائيل، الذي خدع جهاز المخابرات الصهيوني على مدار سنوات قبل انتصار أكتوبر 1973، وجسد شخصيته في المسلسل الفنان عادل إمام باسم "جمعة...

قراءة المزيد
“إلى عرفات الله”.. كيف فر أحمد شوقي من الحج مع الخديوي واعتذر بأبهى قصيدة؟

“إلى عرفات الله”.. كيف فر أحمد شوقي من الحج مع الخديوي واعتذر بأبهى قصيدة؟

في عام 1909م، قرر الخديوي عباس حلمي الثاني (ت:1944م) السفر إلى الحج، ومن الطبيعي أن تكون هذه الرحلة تاريخية، إذ ستكون على ظهور الإبل والخيل، ثم على ظهور السفن التي تمخر عباب البحار. اصطحب الخديوي معه في رحلته هذه أمه أمينة هانم إلهامي (ت:1931م) حفيدة السلطان العثماني...

قراءة المزيد
Loading...