أسئلة الزلزال والإعصار

بواسطة | سبتمبر 18, 2023

بواسطة | سبتمبر 18, 2023

أسئلة الزلزال والإعصار

لا تزال فرق الإنقاذ في إقليم “الحوز” بالمغرب تنتشل جثامين الضحايا، ولا تزال عناصر النجدة في ليبيا تنتشل غرقى إعصار دنيال، الذي ضرب مدينة “درنة” الساحلية.. لا يمكن وصف ما حدث في ليبيا وفي المغرب لأنه أمر يفوق الوصف، سواء في توقيت الكارثة الليلي، أو في عدد الضحايا الذي صار بالآلاف، أو في حجم الخراب الذي خلفه وراءه.
في ليبيا يرى أهل درنة ما حدث وكأنه من مشاهد يوم القيامة، وفي المغرب يفوق حجم الكارثة ما تُحدِثه عشرات القنابل النووية، حسب وصف أهل القرى التي دفنها الزلزال. فكيف تمكن مقاربة ما حدث؟ وهل هناك حديث ممكن أمام هول الفاجعة؟ ما هي أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من يوم القيامة؟.
القضاء والقدر
لا يختلف اثنان في أن دولا كثيرة قد عرفت مثل هذه الكوارث الطبيعية، وآخرها تركيا التي ضربها زلزال مدمر في  فبراير 2023 وخلّف عشرات آلاف الضحايا، لكن ما حدث في المغرب وليبيا يختلف عن ذلك اختلافا.
جاء التفسير الأول بأن ما حدث قضاء وقدر، وأنه أجل قد حلّ ولا رادّ له، وهو تفسير عقائدي ديني لا يختلف فيه أهل الإسلام؛ لكنه من جهة أخرى يحمل دلالات تتجاوز الإيمان بالقضاء والقدر، إذ يُعفي هذا التفسير الحكومة والسلطة السياسية من كل مسؤولية في تدهور البنية التحتية وفي التوقي من الكوارث الطبيعية، بشكل يغطي فيه على فساد الطبقة السياسية وإهدار المال العام؛ وهو تفسير يفتح من جهة أخرى الباب أمام التأويلات المغرضة، التي ترى في الكارثة عقابا ربانيا لمن حلّت عليهم مصيبة الزلزال والإعصار، وهو الأمر الذي صدر عن عدد من الشخصيات الدينية في العالم العربي.
في المغرب، روى أهل المناطق المنكوبة أن الحكومة قد أجبرت كثيرين منهم على بناء بيوتهم من الطين، حتى تكون جاذبة للسياح الأجانب، وحتى تبدو كالمنازل التاريخية القديمة، وهو الأمر الذي تسبب في انهيار المنازل على أهلها؛ يضاف إلى ذلك ما تعرفه هذه القرى من عزلة جغرافية في الجبال البعيدة، الأمر الذي صعّب وصول فرق الإنقاذ والإغاثة.
أما في ليبيا، فإن حجم الجريمة التي ارتكبتها السلطة السياسية كان أثقل، لأن كثيرين حذروا قبل وقوع الكارثة من إمكانية انهيار السدود، وطالبوا بإخلاء المدينة قبل وصول الإعصار، لكن قوات الانقلابي حفتر منعت ذلك، وفرضت حظر التجوال متسببة في كارثة حلت بآلاف الضحايا والمفقودين.
سؤال الفساد الكبير
لن يكون زلزال المغرب ولا إعصار ليبيا الكارثة الأخيرة في تاريخ المنطقة، وقد سبقتهما كوارث كبيرة من فيضانات وزلازل وحرائق، فهل يمكن لما حدث أن يؤسس لثقافة جديدة في التعامل مع الكوارث الطبيعية؟.
لن يكون من الصعب الإجابة عن هذا السؤال في ظل بقاء النظام الرسمي العربي على ما هو عليه، من انتشار الفساد وغياب ثقافة المحاسبة والمساءلة؛ وإن متابعة ما يجري في المغرب وليبيا من محاولات التملص من المسؤولية، وعدم تقديم المسؤولين عن التقصير إلى المحاكمة، يؤكد أن دولة القانون ما تزال بعيدة المنال عربيا.
لن ننكر ما يتعرض له العالم من كوارث، وما تحمله هذه الكوارث من مخاطر ومن قدرات هائلة على التدمير والقتل، لكنها في الدول المتقدمة تواجَه بخطط متقنة للتقليل من ضررها وللحفاظ على الأرواح قدر الإمكان. ففي دولة مثل اليابان، التي تنشط بها الزلازل، وضعت الحكومات المتعاقبة برامج متقدمة للوقاية من الزلازل، عبر فرض أنظمة عقارية صارمة، تمنع انهيار المباني وتحدّ من تأثير الهزات الأرضية مهما بلغ عنفها.
أما في الدول المتخلفة، أو تلك التي تهيمن عليها ثقافة الفساد ونهب المال العام، فإن الكوارث الطبيعية سرعان ما تمرّ وتُنسى دون أن يحاسَب أحد، ودون أن توضع خطط ثابتة تراقبها سلطات إشراف صارمة لمواجهة الكوارث الطبيعية واستباق حدوث الفاجعة.
إن التقرير الذي صدر عن الصحف الأجنبية حول المسؤولية البشرية في الكارثة التي حلّت بمدينة درنة الليبية، يؤكد أنه كان في مقدور السلطات الليبية تفادي العدد الكبير لضحايا الإعصار؛ لكن يبدو أن الصراع السياسي على السلطة هناك ساهم بشكل كبير في منع اتخاذ قرار موحّد، كان قادرا على الحدّ من القتلى المدنيين، الذين ذهبوا ضحية الإهمال الحكومي، والتنازع السياسي على السلطة والنفوذ بين حكومتي الشرق والغرب.
الأخطر مما حدث هو الصمت عليه، وهو ما يرشح دولا ومدنا عربية كثيرة -لا سمح الله- لمثل هذه الفواجع، حيث البناء العشوائي، وحيث مشاريع البنية التحتية الفاسدة، وحيث الإهمال والفساد وانعدام المسؤولية. ماذا يمكن أن يحدث -لا سمح الله- في حال انهيار سد النهضة الأثيوبي، وغيره العشرات من السدود على كامل الخارطة العربية؟ ماذا فعلت الحكومات العربية للحدّ من الحرائق التي لا تتوقف كل صيف؟ كيف تواجه الدولة العربية عصابات العقارات العشوائية المتصدعة؟ وهل من خطط للقضاء على شبكات الفساد في مشاريع البنية التحتية التي تهدد مدنا بكاملها؟ إلى متى السكوت عن الفساد في الصفقات العمومية، وفي مشاريع صيانة الجسور والطرقات والسدود؟.
لم يكتفِ النظام الرسمي العربي بالاستبداد السياسي والفساد المالي وغياب دولة القانون والمؤسسات، بل ها هو يحوّل المدن والقرى إلى أراض مفتوحة على كل الكوارث الطبيعية المحتملة.. الفساد السياسي في بلاد العرب هو رأس كل فساد، لكنّ الشعوب لا تدرك ذلك في ظل انتشار البطالة والفقر وغلاء الأسعار، بل تلمسه عن قرب حين تنهار المنازل على رؤوسها أو حين يجرفها السيل.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

الخرافة والسياسة والولاية

الخرافة والسياسة والولاية

حينما تحضر الخرافة تموت السياسة.. هذا أبسط شيء يمكن قوله اليوم في الواقع الطائفي المأزوم الذي تعيشه المنطقة العربية على وقع انهيار الدولة الوطنية العربية، في عديد من الجمهوريات العربية، التي أُفشلت فكرة الدولة فيها لعوامل عدة. في مقدمة تلك العوامل عدم تحول فكرة الدولة...

قراءة المزيد
هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

لا شك أن هوية أي أمة تحددها الثقافة الأم التي تعتنقها أغلبية هذه الأمة، ومنذ أن أشرقت شمس الرسالة على أرض العرب، أصبح الإسلام يمثل إلى اليوم هويتها المعبرة عن ثقافتها، بعد أن صبغ فيها أوجه الحياة من تصورات وعادات وتقاليد وفنون وعلوم ومعايير رفض وقبول ونحو ذلك. ومع كل...

قراءة المزيد
جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

قبل نحو عقدين من الزمن قررت أن أكون من أصحاب السيارات لأول مرة في حياتي، ولأني لم أكن أجيد القيادة جيداً، فقد نصحني البعض أن أبدأ بالسيارات المستعملة، حتى تتحمل أية أخطاء متوقعة من المبتدئين أمثالي. لجأت إلى أحد تجار هذا الصنف في قرية مجاورة، وهو مع أقرانه خليط من ذوي...

قراءة المزيد
Loading...