أمل دنقل: أمير شعراء الرفض الذي قال لا تصالح  (2)

بواسطة | يناير 20, 2024

بواسطة | يناير 20, 2024

أمل دنقل: أمير شعراء الرفض الذي قال لا تصالح  (2)

شاعر عاش بعد وفاته، أو هذا الشِّهاب الذي هوى

الشاعر أمل دنقل: واحد من أبرز الشخصيات الأدبية في العصر الحديث. يروي المقال قصة حياته، انعكاسات قراءاته، وتأثيره على الثقافة. كما يبرز الإرث الأدبي والثقافي لدنقل، مشيرًا إلى تحدياته الصحية وموقفه من الإهمال الرسمي.

صوت الثورة وحضور الأمل

أستكمل في هذا الجزء حكايات الشاعر أمل دنقل من خلال سِيَر الأدباء الذين عاصروه.

ففي سيرة عايدة الشريف “شاهدة ربع قرن“، التي جعلتها على طريقة حكاية ذكرياتها الأدبية مع المؤلفين والأدباء مثل نجيب محفوظ ومحمود شاكر، خصصت فصلًا عن الشاعر أمل دنقل.. تستعيد عايدة الشريف ذكرى الشاعر الذي تراه من صنف تمتزج الرقة فيه بالشدة، فالظاهر منه هو كثافة الأشواك، والخافي فيه هو خرير الرقة، وتُفسِّر عايدة أن هذه الأشواك قد تكون نَمَت على ظاهر شخصيته من كثرة ارتطامه بخذلان مَن حوله، وعمل تَكرار هذا الخذلان على تثبيت هذه الأشواك بأكثر من وَتَدٍ حتى صارت خصيصة في شخصيته.

تعرّفت عايدة إلى أمل منذ أن استقر في القاهرة، يتردد عليها بين الفينة والأخرى في مقر عملها بين مؤسستي السينما والمسرح، وسواء كان ذلك بأي من شوارع عرابي أو سليمان أو عبد الخالق ثروت -وهو مسرح غدوات أمل وروحاته- فهو يمر مرة ليقرأ لعايدة قصائده، أو يقترض منها كتابًا، أو يطلب منها تذاكر مجانية للمسرح أو السينما.

كان أمل يمر على عايدة مع انتهاء العمل، ويوصلها سيرًا إلى أن تستقل المواصلة التي تعيدها إلى بيتها، في هذه المسافة -قصرت أم طالت- يصادفون فيها كثيرًا من أدباء مصر وشعرائها وصحفييها، فما يكاد أمل يراهم حتى ينشب الحوار بينهم ساخنًا لاهبًا، إما بسبب إنتاجهم، وإما لمواقفهم الأدبية والسياسية الأخيرة التي لا تروقه، أو غيرها من الأسباب.

وعندما تنتهي تلك المعارك الفكرية، تسأله عايدة وهما يُكملان المشوار: لماذا كل هذا الهجوم الشرس؟ فيقول أمل: “إن إصبعي ليس تحت ضرس أحد منهم”… قالت له عايدة ذات مرة: أنا مثلك يا أمل، ولكني أسبق هجومي بابتسامة وأتخيَّر الظروف لمراجعتهم، وليس هكذا في عرض الطريق”، ثم تفسر عايدة أن أمل يطلب مثالية أهل الصعيد في كل إنسان، ولا يغفر ما يحول بينهما من جِسام الأمور أو الظروف.

لقد عرفت عايدة أمل وهو يميل إلى الاشتراكية من حيث وقوفه ضد ظلم الإنسان والبلاد، ثم أوضحت أن دنقل لم يجلس مرتديًا الروب الأنيق في شرفة منزله المطل على النيل، وبين أصابعه الرقيقة كاتالوج المذاهب السياسية والاجتماعية، يقلّبه وهو يدخن سيجارًا حتى يختار منها الاشتراكية.. إنما اختارها لأنها وليدة ظروفه الشخصية!

استمال يوسف السباعي أمل دنقل إلى جانبه، عبر إعطائه وظيفة في المجلس الأعلى للفنون والآداب، لكن أمل لم يستقر في هذه الوظيفة طويلًا، خوفًا من استقطابه فيمسكه عليه أحدهم، أو يصبح إصبعه تحت ضرس أحد، على حد قوله؛ وهكذا ترك الوظيفة، مُفضّلا عليها الجوع مع الحرية.

تذكُر عايدة بعض أيام جوع الشاعر وصعلكته في شوارع العاصمة، قالت له إنها لن تعود إلى المنزل، بل ستذهب إلى بيت الأستاذ محمود محمد شاكر بمصر الجديدة، وعرض أمل أن يصحبها إليه لأنه في شوق إلى معرفته، وحاولت عايدة أن تُثنيه لأن الأستاذ شاكر لم يعرف بذهابها إليه، وعندما لاحظ أمل بذكاء تردُّدها قال في وضوح: بصراحة أنا جائع وأعرف أن لدى أستاذنا شاكر دائمًا طعامًا شهيًّا.. ظنَّته عايدة يمزح، فقالت: “ليكن ذلك يوم الجمعة”، وكان الأتوبيس قد وصل في هذه اللحظة، فاندفعت إلى داخله عايدة مودّعة إيَّاه على عَجَل.

وعندما وصلت عايدة إلى بيت الأستاذ شاكر حكت له ما دار بينها وبين أمل، فإذا به يثور في وجهها ويُبدي أشد الأسف، ويلومها بعنف على عدم اصطحابه، ثم جلس محمود شاكر مهمومًا مُتفكّرًا في ذكر أمل لجوعه، ثم قال زافرًا حزنه: كيف يجوع أمل وأنا أعرف أن والده الشيخ دنقل – وهو بلدياتي- كان يملك أرضًا، وفي رغَد من العيش؟

وفي زيارة أمل لعايدة بعد هذا الموقف قالت له مشاكسة: “لماذا أنت دائمًا مُفلس وجائع، والأستاذ شاكر قال لي إن والدك قد ترك أراضي شاسعة؟ فرد بأسى: إن الأستاذ شاكر لا يعرف أن والدي تركنا قُصّرًا وعُيِّن عمي وصيًّا علينا، فكان الحادث المعهود، أن يأكل الوصيّ مال الأطفال القُصَّر؛ حزنت عايدة وقالت له: لا بد أن الله انتقم منه بعد ذلك، فقال أمل: بل على العكس، فما زال أسطول عرباته لنقل الركاب من الصعيد إلى الجيزة يهدر جيئة وذَهابًا، ويقذف بالملايين إلى خزانته!

وهنا نقف مع مقارنة مهمة من الناقد نسيم مجلي بين الشاعر عبد الحميد الديب وبين أمل دنقل، ففي حياة هذين الشاعرين تجارب مشتركة، من حيث صعوبة الحياة الخاصة، والتشرد والصعلكة، وانعدام وجود مصادر مادية ثابتة في حياتيهما، ولكن بين الشاعرين في الفن بعد ذلك فرقًا كبيرًا وجوهريًّا؛ فعبد الحميد الديب أغرق شعره في الشكوى من ظروفه الخاصة، وكانت هذه الشكوى هي المادة الوحيدة -على التقريب- في قصائده، بينما لا نجد صدى المشكلات الشخصية عند أمل دنقل إلا في القليل النادر، فأمل دنقل كان يبحث خارج ذاته عن الموضوع الشعري.. كان يبحث في حياة الناس والعصر والمجتمع، وكان يدرك تمامًا أن مشكلاته الخاصة نابعة من الأوضاع العامة، وهذا هو الفارق بين الشاعر الغارق في ذاته، والشاعر الذي يرتفع بوعيه إلى ربط شخصيته ومشكلاته بالواقع الذي يعيشه.

تذكر عايدة الشريف يوم نشرت جريدة الأهرام صورة مقابلة أحد الشعراء للرئيس أنور السادات، فقالت عايدة لأمل: أرأيت كيف انحنى السادات وهو يسلّم على فلان؟ فرد أمل ساخرًا: “طبعًا لأن هذا الشاعر وُلد وقد خُتم على قفاه ختم السلطة”، ومن الطريف أن أمل رشحه المخرج شادي عبد السلام ليقوم بدور شخصية أخناتون، لكن الفيلم لم يرَ النور.

ماذا يقرأ الشاعر؟

انتقد رجاء النقاش في كتابه “ثلاثون عامًا من الشعر والشعراء” الكاتب نسيم مجلي في دراسته عن أمل دنقل، إذ اعتبر إحدى النقاط السلبية للدراسة غياب البحث عن ثقافة الشاعر، فقد كان أمل معروفًا بأنه قارئ نهم، وكانت ثقافته الواسعة ذات أثر واضح في شعره، لكن ما ثقافته؟ وماذا قرأ؟ وكيف كان يحصل على مصادره الفكرية؟

لقد عثرتُ على إجابة عن أسئلة رجاء النقاش من حديث عايدة الشريف عن الشاعر، فهي قد ذهبت معه إلى مخزن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ونزلت معه إلى المخزن، فأخذ أمل ينقِّب ويختار لها الكتب التي تنفعها، وساعتها سلَّمها الجزء الثاني من معجم ألفاظ القرآن الكريم، قالت عايدة: “أين الجزء الأول؟”، فقال: “لقد انتهيت من الاطلاع عليه وسأعطيكِ إيّاه”. وتذكُر أنه سلَّمها كتاب “الفن والمجتمع عبر التاريخ” للدكتور فؤاد زكريا، وقال لها إنه كتاب مهم، وأيضًا كتاب “شعر الأحوص الأنصاري”، الذي جمعه وحققه الدكتور عادل سليمان، ثم سلَّمها أجزاء “تاريخ الحضارة المصرية”، ثم قال لها اطلبي من سكرتير الهيئة تدبير أجزاء “المنتخب من علوم السُّنَّة”، فقالت له: لكن هذه الأجزاء من إصدارات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، فأجاب: ولكنها هنا في المخزن، هكذا حصلت عليها عايدة بعد أن دلّها أمل على وجودها، وتكاثرت الكتب، فقالت عايدة: كيف أحمل كل هذا؟ فحَمَلها أمل معها إلى تاكسي متوجهة إلى منزلها.. إنَّ حُب إفادة الناس ومساعدتهم هي من خصائص أمل مثلما حكت عايدة عنه.

ويذكر عائد خصباك في مذكراته عن سنواته في القاهرة، أن دنقل قرأ رواية سهيل إدريس “أصابعنا التي تحترق” في أربع ساعات، كما حكى له على المقهى، وتذكر عايدة الشريف أن الشاعر نزار قباني سألها المشورة، لترشيح بعض الشعراء الشُّبَّان حتى يُصدر لهم دواوين، عندما صارت له دار نشر، وبدأ كلامه “على ألا يكون أمل بينهم”، وفي مرة جلست عايدة الشريف والكاتب السيد ياسين، ومعهما أمل دنقل، فسأل أمل عن قدري حنفي؟ فقال له السيد ياسين إن قدري غارق في بحثه عن يهود الأشكناز، فقال له أمل: سأمرُّ عليه الليلة، فأنا شغوف ببحثه هذا.

أمل دنقل في عيون ممدوح عدوان

في كتابه “هواجس الشعر” يحكي الكاتب ممدوح عدوان عن الشاعر أمل دنقل؛ يلاحظ عدوان أن أمل هو واحد من الأشخاص الذين يحضرون في غيابهم مثلما كانوا حاضرين في حياتهم، وأمل دنقل واحدٌ من هؤلاء القلائل، فهو في غيابه أكثر حضورًا ممّا كان عليه وهو بين الأحياء، لأنَّ غيابه يدلُّ على الحجم الذي كان يملؤه.

اجتمع ممدوح عدوان مع دنقل مصادفةً حين أُرسل عدوان إلى مصر مراسِلًا إلى مُدُن القناة أيَّام حرب الاستنزاف المصريّة نهايات عام 1967، وكان يذهب ويعود بين القاهرة ومُدُن القناة.. وفي مقهى «ريش» كان لقاؤهما الأوّل، أمل وعدوان، وأين يمكن توقُّعه غير ذلك؟

وكان أمل دنقل قد كتب قصيدتَيْه: «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة»، و«كلمات سبارتاكوس الأخيرة».. ولم توافق عليهما الرقابة المصريَّة آنذاك، فكان يحمل مسودات القصيدتين معه ليقرأها على الجميع، وفي كلّ مكان، فأخذ عدوان القصيدتين منه لنشرهما في الصحافة السوريَّة، ولأنَّهما تصاحبا دون ترتيبٍ، أو بروتوكولات، كانت عَلاقتهما عَلاقة شابَّين متمرِّدين لا وسيلة لهما للتعبير عن رغبتهما في نسف العالم إلّا بالشعر، وشاعريّة أمل واضحة لا يرقى إليها الشكّ.

كان عدوان ودنقل شابّين في مطلع شبابهما، وكانت النساء، والشراب، والشعر، والأقاويل، مادّتهما اليوميّة في المقهى، تآلفا ألفة وحشين في غابةٍ، جمعتهما غريزة البقاء، واستشعار الخراب القادم! وبعد سنواتٍ من زيارة عدوان تلك إلى القاهرة، كتب قصيدةً شديدة الحدّة ضدّ المخابرات والقمع بعنوان: «لا بدَّ من التفاصيل»، ولم يجد عدوان مَن يستحقُّ أن يهديها إليه إلّا أمل دنقل، فنشرها في مجلة «الآداب» البيروتيَّة مهداةً «إلى أمل دنقل بلا مناسبة»، ويومها لم يعلّق أمل دنقل على القصيدة إلَّا بقوله: «ابن ال……ـ. يريد أن يسجنني؟ أبلغوه أنَّني سأهديه قصيدةً مطلعها: أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامة»، ولكنّه – والحمد لله- لم يفعل، كما يحكي عدوان.

ليس من الغريب أن يُهدي عدوان قصيدة عن المخابرات إلى دنقل، وهو الذي كتب:

أبانا الذي في المباحث! نحن رعاياك.. باقٍ لك الجبروتْ

وباقٍ لنا الملكوتْ

وباقٍ لمن تحرس الرهبوتْ

تفرَّدْتَ وحدك بالسر… إنَّ اليمينَ لَفي الخُسر.

أما اليسار ففي العُسر.. إلا الذين يُماشون.

* * ** * *

وبعد انقطاع الشاعرَيْن لسنوات طويلة تقابلا في مطلع الثمانينيات، وكان المرض قد بدأ يفتك بجسم أمل النحيل، وكان يحمل معه زجاجة الماء أينما ذهب.. التقيا في بهو الفندق الذي ينزل فيه الشعراء، وبعد السلام جلسا وتحادثا كأنهما لم يفترقا إلّا مساء أمس، عاد حديث النكات، والمناقشات، وقراءة الشعر، والتعليق على النساء، واغتياب مَن يعرفان…

ومع رحيل أمل دنقل، شعر ممدوح عدوان أن دنقل وَكَل إلى رفاقه، أو إليه هو بالتحديد، مهمّة متابعة طريقه ومسيرته، ولهذا حين سمع عدوان بقصَّة سليمان خاطر، ذلك الجندي بالأمن المركزي المصري الذي قتل سائحين إسرائيليين على الحدود، شعر بأنَّ موت خاطر كان ناقصًا، لأنّ أمل كان سيرثيه بطريقته لو كان موجودًا، وهذا ما جعل عدوان يكتب قصيدة “زفَّة شعبيّة لسليمان خاطر.. نيابة عن مغنّي مصر الأصيل أمل دنقل”.

مرض أمل دنقل

عملت منظمة التحرير الفلسطينية على نقل أمل إلى العلاج في باريس، لكن أطباءه لم يروا داعيًّا لذلك، لأن مرضه كان قد وصل إلى ذروته. يحكي يوسف إدريس في كتابه “أهمية أن نتثقَّف يا ناس” عن مرض أمل دنقل، وعن تجاهل الدولة له؛ قال يوسف وهو يخاطب رئيس الوزراء المصري: “في مصر شاعر واحد من أعظم الشعراء الذين أنجبتهم مصر في كل تاريخها، شاعر شاب أنبغ ما أفرزته حقبة الستينيات من شعراء”.

وقصة تعامل الدولة مع مرض دنقل تمثل نظرة الدولة للشعر والثقافة، يقول يوسف إدريس: “كانت الدولة كريمة، وأمرت بعلاج أمل دنقل على حسابها، وهو أمر ينصّ على علاج (المواطن أمل دنقل) على نفقة الدولة في الدرجة الثانية بمعهد الأورام.

وأنت تعلم يا سيدي أن مرضًا كمرضه وعلاجًا مكثفًا كعلاجه يحتاج إلى مرافق، فكيف يكون المرافق – زوجته الكاتبة الصحفية عبلة الرويني- معه في حجرة يشاركهما فيها مريض آخر، ربما له مرافق آخر هو الآخر.

وكانت النتيجة أن أمل دنقل رفض القرار، وعنده كل الحق، وأقام في حجرة تكاليفها ثلاثون جنيهًا في اليوم الواحد، وقد تجمَّع عليه الآن مبلغ لا يقل عن ثلاثة آلاف جنيه، وقد حاولت أنا وأصدقاؤه دفعها، فأبى بعنف، فهو إنسان صعيدي عظيم حتى وهو في مثل حالته له أنَفَة وصلابة”…

يحكي بعدها يوسف إدريس كيف التقى مرة بالأستاذ محمد عبد الحميد رضوان، وزير الثقافة، وشرح له ظروف أمل، وطلب منه أن يرسل إلى الشاعر بباقة زهور رمزًا لاهتمام وزارة الثقافة بمرض شاعرنا، ولكن لا زهرة ولا وردة وصلت، ولا شيء إلى الآن اتُّخذ، ولهذا فقد كتب إدريس لرئيس الوزراء، فهو لا يطلب قرار شفقة.. هكذا، لخّص يوسف إدريس وضع أمل في قوله: “لا زهرة ولا وردة وصلت”، فضلًا عن الإشارة إلى قرار خجول بعلاج أمل على حساب الدولة في غرفة يشترك فيها مريض آخر؛ وختم يوسف إدريس نداءه بالقول: “بالله يا أمل، لا تمُت فكلُّنا فداؤك”.

يقول أمل دنقل:

“بينَ لَونَين: أستقبِلُ الأَصدِقاء..

الذينَ يرون سريريَ قبرا

وحياتيَ.. دهرا

وأرى في العيونِ العَميقةِ

لونَ الحقيقةِ

لونَ تُرابِ الوطنْ!”

……………..

لقد بقيت أشعار أمل في وجدان جيل من القراء، وانتقلت إلى جيل شاب، مثل الكاتب محمد أبو الغيط في كتابه الشجي “أنا قادمٌ أيُّها الضوء”، يجلس أبو الغيط في المستشفى يرتدي ملابس بيضاء، لكن وقْعها على نفسه أصبح ذات وقع بدلة الإعدام، يستشهد أبو الغيط بأبيات أمل دنقل في ديوان “أوراق الغرفة 8″، حيث توفي بالسرطان أيضًا مثل أبو الغيط: “كل هذا يشيع بقلبي الوهن…. كل هذا البَيَاض يذكّرني بالكَفَن”!

وعندما يدخل أبو الغيط في تجارب طبية لعلاجه من السرطان يستشهد بقول دنقل: “صفعتْه يدٌ.. أدخلته يدُ اللهِ في التجربة”، لقد ظل أمل دنقل منارة في الشعر العربي المعاصر، ودليلي وسائل التواصل الاجتماعي وكيف تستحضر أبياته، يحضر أمل دنقل في وجدان الشباب العربي لأنه يعبّر عنهم في موقفهم من الصلح مع العدو، أو التقاط حكايات المهمشين أو التعبير عن أحزانهم، أبياته لا تخص عصرًا بعينه.

حكى لي أحد أصدقائي في ثورة 25 يناير كيف كانوا يفتحون قصائد أمل دنقل في ميدان التحرير يقرؤونها، عاش دنقل عصر الأحلام القومية العظيمة، ثم رأى هزيمة يونيو عام 1967، ورأى خيبة الأمل في ذهاب مصر للصلح مع إسرائيل، لقد ذهبت حكايات دنقل في المقهى وصعلكته في شوارع المدينة، وبقيت قصائده المعتَّقة بالأصالة وبالروح العربية.

أختم بهذه القصة، التي حكاها عائد خصباك في سيرته “مائة ليلة وليلة: أيام العراقي في قاهرة نجيب محفوظ”:

“عندما قلت: أريد الذهاب إلى سور الأزبكية، قال أمل دنقل: أنا جاي معاك، وبالمرة يمكن نشوف الدكتور جابر عصفور هناك. قال سامي خشبة: حتلاقوه، لا مكان له يوم الجمعة إلا هناك، لا يمل من تقليب الكتب وتأملها على المناضد الموضوعة أمام الأكشاك التي على رفوفها، لا يترك كشكًا دون أن يعرف إيه اللي تغيّر فيه، إيه اللي دخل من عناوين جديدة هذا الأسبوع، حافظ الكتب كلها أحسن من البائعين أنفسهم.

كان الدكتور جابر بالفعل هناك، هو الذي رآنا أولًا، صاح: أمل دنقل، يا مرحبًا. شد على يدي وأخذ كف أمل وشد على أصابعه قائلًا: أمل دنقل يا حبيبي، كان هناك من المارة شباب قد توقفوا بجانبنا عندما سمعوا باسم أمل دنقل، هم في الغالب طلبة جامعات أو هكذا قال الدكتور جابر: اسمح لي أن أقرأ المقطع الأول من قصيدتك «كلمات سبارتاكوس الأخيرة»: المجدُ للشيطانِ، معبود الرياحْ/ مَن قال لا.. في وجهِ من قالوا نعمْ/ من علَّمَ الإنسان تمزيق العدمْ/ مَن قال لا فلم يمُت/ وظلَّ رُوحًا أبديَّة الألمْ.

قال أمل: وأنا أقرأ لك المقطع الثاني: معلَّقٌ أنا على مشانق الصباحْ/ وجبهتي بالموت محنيّةْ/ لأنّني لم أحنِها. حيّةْ! ‫ هتف أحدهم وكان بالجوار: يا إخوتي الذين يعبرونَ في الميدانِ مُطرقينْ/ منحدرين في نهاية المساء/ في شارع الإسكندر الأكبر/ لا تخجلوا ولترفعوا عيونكم إليّ/ لأنّكم معلقون جانبي.. على مشانق القيصر/ فلترفعوا عيونكم إليّ/ لأنّكم معلقون جانبي.. على مشانق القيصر/ فلترفعوا عيونكم إليّ/ لربَّما إذا التقت عيونكم بالموت في عينيّ/ يبتسم الفناء داخلي.. لأنّكم رفعتم رأسكمْ مرّةْ!”.

انبرى شاب آخر، شق الصفّ وتقدم نحونا بصوته الواضح: لا تحلموا بعالمٍ سعيد/ فخلف كلّ قيصرٍ يموتُ: قيصرٌ جديدْ! / وخلفَ كلّ ثائر يموتُ، أحزان بلا جدوى.. ودمعةٌ سُدى”.

هذه القصة أوضح دليل على حضور دنقل في وجدان الناس.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

شمال غزّة يموت جوعا!

شمال غزّة يموت جوعا!

المشهد الأول: نخوة العرب في الجاهلية بعد أن وقّعت قريش وثيقة المقاطعة الظالمة لبني هاشم، وعلقتها في الكعبة لتعطيها شيئا من القداسة، جاء هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، لتمزيق هذه الصحيفة رغم أنهم كانوا جميعا على الشرك، ولكن كان...

قراءة المزيد
مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

والد لا يعارض ثورة أمَّمت شركاته خسر والد محمد سلماوي كثيرًا من مشاريعه التجارية بسبب التأميم، وكذلك خسر أراضي زراعية بسبب الإصلاح الزراعي، لكنه لم يعترض في فترة حكم عبد الناصر، وهُنا أعجبني تحليل سلماوي موقف والده، فقد اندهش سلماوي كثيرًا بعد رحيل عبد الناصر، وحين...

قراءة المزيد
لا نامت أعين الجبناء

لا نامت أعين الجبناء

في سكرات موته بدا واهنًا بشكل لا يُصدَّق، كان قادرًا على أن يلمح الوجوه الجزعة التي جاءت لتطمئن عليه، لم يستطع جسده المحموم أن يبلغ به وضع القعود، فتحسس جسده بكلتا يديه وابتسم ! إن جسده المرهق الواهي ليس فيه موضع سليم، لا يوجد شبرٌ واحد على حاله التي خُلق عليها،...

قراءة المزيد
Loading...