احتجاج بأثر رجعي

بواسطة | سبتمبر 27, 2023

بواسطة | سبتمبر 27, 2023

احتجاج بأثر رجعي

أعتزم اليوم رفع صوتي بالاحتجاج على النظام التعليمي الذي خضعت له، والذي جعل مني ببغاء عقلها في أُذنيها، لأنه كان يقوم على التلقين، وأن من يحفظ المعلومات عن “ظهر غيب” يعتبر متفوقا!.
من هو أمير الشعراء؟ أحمد شوقي، وليس من حقك ان تسأل عن ملك الشعراء، وحافظ إبراهيم شاعر النيل، ولا تسأل عن شاعر الفرات أو بردى، وطه حسين عميد الأدب العربي، ولن تسمع بـ”مشير” الأدب العربي.. ومناخ البحر الأبيض حار جاف صيفا دافئ ممطر شتاء.. ولكن ماذا عن مناخ البحرين الأسود والأحمر؟ هذه أشياء “خارج المقرر” يا غبي.. نظرية الطفو لأرخميدس هي ظاهرة تحرك الأجسام في السوائل والغازات إلى الأعلى إذا كان محيطها أعلى كثافة منها.. ولكن يا أستاذ، كيف نصدق كلام شخص معتوه وقليل الحياء، قال ما قال وهو يجري عاريا من حوض الاستحمام؟ اسكت يا قليل الأدب، الحكومة التي قالت إن أرخميدس قال ذلك، وما عليك سوى السمع والطاعة.
وأعود بالذاكرة إلى المرحلة التي بدأتُ فيها تعلُّم الأمور الدينية، ولا أذكر أن مدرس التربية الدينية قدم أمامنا بيانا عمليا في كيفية الوضوء، فقد كنا مطالبين فقط بحفظ فرائض وسنن الوضوء عن ظهر قلب، ونحن لا نعرف مثلا ما المقصود بـ”الفور والدلك”، و”مسح صماخ الأذنين”.. وسألت أشخاصا تجاوزت أعمارهم الأربعين ما إذا كانوا يعرفون معنى كلمة “الكعبة”، فأجاب أكثر من 90% منهم بـ”لا”، وسبب طرحي لذلك السؤال هو أن وصف بيت الله بالكعبة لطفل سوداني أمر محير، لأن “كعب- كعبة” تعني “سيىء- سيئة” في العامية السودانية، وأذكر أنني ظللت أيضا في المرحلة الابتدائية أحسب أن مدرس التربية الدينية كافر لأنه كان يسمي بيت الله بـ”الحرام”، ولم يكلف نفسه قط أن يشرح لنا المقصود بـ”حرمة” بيت الله.
كانوا يلقنوننا أمور ديننا فقط كي ننجح في الامتحانات، وكنا منذ نحو سن السابعة نتوضأ ونصلي، ولكن معلم المدرسة كان يقول لنا كلاما غريبا عن الوضوء، يذكر فيه الاستنشاق والاستنثار، ورد مسح الرأس. ولم أفهم بعض نواقض الوضوء إلا بعد دراستها بسنوات، إذ إن تساؤلات كثيرة راودت تفكيري آنذاك، لم يكن عندي إجابة عنها.. ما المقصود بـ”ما يخرج من السبيلين”؟ ما هما السبيلان؟ ما معنى “الشك في الحدث” والنوم الثقيل؟.. هم لم يشرحوا لنا متى وكيف يكون النوم خفيفا أو ثقيلا، وحدث ذلك لأن المعلمين كانوا يقدمون لنا ما يرد في الكتب المقررة من وزارة التربية والتعليم بـ”الحرف”. ثم إنهم، وأعمارنا نحو 11 سنة، درّسونا شيئا اسمه الغسل من الجنابة، وكنا نعرف أنه يأتي فيه، بحسب المقرر المدرسي: غسل الأعالي قبل الأسافل والميامن قبل المياسر.. ولكن لماذا؟! مفردات لم نسمع بها، وبالتالي لم نفهم معانيها!. ثم درّسونا زكاة الإبل، وكنا نعرف متى تكون الزكاة ببنت لبون ومتى تكون بجدعة، بينما لم نكن نعرف في شمال السودان ما هي الإبل، ومنا من عاش ومات ولم ير ناقة أو بعيرا إلا في صور الكتب المدرسية.
ثم فجعني أن مناهج التربية الدينية في السودان ما زالت تعاني من عوار شديد، وانظر يا رعاك الله في ما جاء في كتاب للتربية الإسلامية حول مبطلات الصوم لصغار في سن العاشرة، ما زال متداولا: “تناول الطعام عمدا… والاتصال الجنسي مع الزوجة أو غيرها”، ولا عليك بأن طفلا في تلك السن لا يعرف ما المقصود بالاتصال الجنسي، ولكن ما قولك في أن هذا النص لا يشير من قريب أو بعيد إلى أن الاتصال الجنسي بغير الزوجة أكبر من عدم الصوم بغير عذر شرعي؟
مرد كل هذا إلى سوء أو بؤس تدريب مدرّسي التربية الدينية، فكما أنه ما كل متفقه في أمور الدين يصلح خطيبا في منبر عام، فإنه ما كل من درس العلوم الشرعية والدينية يصلح معلما لغيره.. وبيدي الآن قصاصة من مقال للأستاذ فهمي هويدي عن حال التربية الدينية في مدارس مصر، أورد فيه دخول أحد الموجهين التربويين إلى حجرة دراسة لرصد أداء معلمة التربية الدينية، وفوجئ بها تقول لتلاميذها إن الأنصار هم “نصارى” يثرب، وفي حصة أخرى كانت تلك المدرسة تقرأ على الصغار سورة “الكافرون” بصوت عال، ثم توقفت فجأة وقالت إن هناك خطأ مطبعيّا، تجلى في تكرار الآية “ولا أنتم عابدون ما أعبد”، وبكل “ثقة” طلبت من التلاميذ شطب الآية قبل الأخيرة في السورة، (بالتأكيد لم تقرأ تلك المعلمة “سورة الرحمن” وإلا لربما كتبت مقالا في الصحف تذكر فيه أنها اكتشفت أن آية “فبأي آلاء ربكما تكذبان”، تكررت فيها عدة مرات نتيجة خطأ مطبعي)!
أحتج على أمر مرت عليه عقود وعقود، على أمل أن يحظى صغارنا بمناهج تنمِّي العقول وتشحذها، لا أن يتم شحن عقولهم بمعلبات عسيرة الهضم، وعلى أمل أن يتمدّد اهتمام وزارات التربية لما وراء شكليات من قبيل طابور الصباح و”تغليف” الكتب والدفاتر والزي المدرسي، وأن يتم اختيار معلم المادة ليس لأنه يحمل شهادة فيها، بل لأنه قادر على هضم وتوصيل ما عنده من علم بكفاءة عالية وبطرق مشوقة؛ ولنعلم أن المناهج المحنطة لن تنتج عقولا قادرة على التفاعل والإدراك.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

أنا والأشجار

أنا والأشجار

لكل واحد فينا حياة مع الأشجار.. طفلاً يصحبه والداه أو أحدهما إلى الحدائق، ثم شابّاً يذهب إلى الحديقة مع حبيبته، ثم أباً يذهب إليها مع زوجته وأولاده. هذه الحياة مع الأشجار تشكل نمطا عاديا في الحياة، لا ينتبه أحد إلى ضرورتها إلا حين يتعذر الذهاب إليها؛ وتترك الحدائق...

قراءة المزيد
مسيرة علي فرزات.. وسيرة مصطفى حسين!

مسيرة علي فرزات.. وسيرة مصطفى حسين!

الإبداع لا جنسية له.. المبدع يتخطى الحدود وينشر الجمال في الأرض! يوم السبت المقبل، 22 يونيو/ حزيران، تكون قد مرت 73 سنة على مولد الفنان السوري علي فرزات، أحد كبار المبدعين العرب، وها هو يواصل العطاء.. من دمشق الفيحاء بهرني" فرزات" برسومه! خطوط متميزة وفِكَر عميقة...

قراءة المزيد
“نمرٌ” من ورق

“نمرٌ” من ورق

كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، قلبت الموازين مهدية سكان قطاع غزة، والشرفاء من شعوب الأمتين العربية والإسلامية، هديها الثمين بالتزامن مع عيد الأضحى المبارك، حينما أعلنت تنفيذ عملية نوعية مُركّبة، استهدفت مَركبة مدرعة من طراز...

قراءة المزيد
Loading...