الحاكم العربي.. لماذا ينسـى أنه بشـر؟!

بواسطة | مايو 28, 2024

بواسطة | مايو 28, 2024

الحاكم العربي.. لماذا ينسـى أنه بشـر؟!

قبل نحو 20 عاماً، حضـرت لقاء عقده وزير الإسكان المصـري الأسبق، المهندس محمد إبراهيم سليمان، مع الصحافيين لشـرح خطة عمل وزارته وإنجازاته.

وقتها استهل سليمان المؤتمر بحديث ودي عن خصاله الشخصية، وذكر أنه إنسان عصامي يعتمد فقط على نفسه، إذ أتيحت له في مستهل حياته فرصة الزواج من نساء ثريات، لكنه رفض بمنتهى الشمم؛ وبرر رفضه – بعد أن قدم اعتذاره للحاضرات من السيدات والآنسات عن الألفاظ التي سيقولها لاحقاً- بإيمانه بمثل شعبي يُشبّه الرجل الذي يعتمد على أموال المرأة بأنه لا يُعدّ من صنف الرجال، ثم ذكر المثل: “مرة ابن مرة إللي يبص لفلوس مرة”!!

إلى هنا.. والأمر يدخل في باب المداعبات، على الرغم من عدم ارتباط القصة بموضوع اللقاء، لكن أحد العاملين مع الوزير تدخل وشقّ ضحكات الحضور المكتومة، وقال لسليمان: “سيادتك مش بس وزير كبير، ولا مهندس عظيم، لأ.. ده سيادتك كمان شاعر وفيلسوف”!!.. وبعبقرية الشعراء وحكمة وتواضع الفلاسفة، رد الوزير بامتنان، وبشكل يؤكد تصديقه لكلمات النفاق الفجة: “متشكر قوي”.

ما حدث في هذا اللقاء خير تعبير عن تعامل المواطنين العرب مع مسؤوليهم.. إننا أساتذة في فن النفاق!

علماً بأن هذا “الوزير الكبير، والمهندس العظيم، والشاعر الفيلسوف” انقلبت الدنيا عليه أيامها، بعد حكم المحكمة الإدارية العليا ببطلان العقد الذي وقعته وزارته مع رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ويقضي بتخصيص 8 آلاف فدان بـ”الأمر المباشر” لمصطفى، لإقامة مشـروع سكني ضخم، وقدّر خبراء أن العقد أضاع على الدولة 300 مليار جنيه.

تروي حكايات التاريخ أن أحد القياصرة الرومان كان يعامله الناس كنصف إله، فما كان من مجلس الشيوخ سوى اختيار شخص يرافقه كظله، ولا يفارقه على الإطلاق، وتكون له مهمة واحدة، هي أن يقترب من وراء القيصر كلما نافقه أحد، ثم يهمس في أذنه ويقول: “تذكّر أنك بشـر”.

نجح الإجراء فعلاً، وكان القيصـر كلما واجه الناس، وراحوا يهتفون بحياته، اقترب الرجل منه في هدوء، وتسلل من وراء ظهره دون أن يلحظه أحد، وهمس في أذنه: “تذكر أنك بشر”!!.. وكان القيصـر يفيق على الفور، ويعود إليه وعيه، ويتذكر فعلاً أنه من طينة الناس! ثم يتصـرف على هذا الأساس.

كان هذا ما حدث في روما! أما في عالمنا العربي، فالنفاق فن تتقنه الدائرة المحيطة بالحكام، وتكاد أن توصلهم إلى مرتبة الآلهة.. عدنا إلى سيرة أجدادنا قبل الإسلام، نصنع الأصنام ثم نعبدها.

أحيانا يؤدي النفاق الممجوج والمبالغ فيه إلى مسخرة، قد تسيء إلى مقام الحكم، الذي له “احترامه وتوقيره”، حسب التعبير الأثير للأستاذ محمد حسنين هيكل، دون أن يعني هذا الاحترام وذاك التوقير وضع الحاكم فى مصافّ الملائكة.

مساخر عديدة عايشها جيلي بهذا الشأن.

مَن منا ينسـى ما فعلته صحيفة “الأهرام” العريقة بعدد 14 سبتمبر 2010، حيث نشـرت صورة عالمية معروفة للجميع مع التدخل فيها بـ”الجرافيك”، ظناً منها أن هذا التدخل يُرضي الرئيس مبارك (رحمه الله)؟ قبل تلك الواقعة بأيام كانت وكالة “رويترز” قد نشـرت صورة لقادة الدول الخمس، المشاركين في مفاوضات حول الشـرق الأوسط بالبيت الأبيض، وكان الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما يبدو في مقدمة الصورة، بينما إلى جواره – أو خلفه بقليل- باقي القادة، بدءاً من الرئيس مبارك، ومروراً بالرئيس الفلسطينى، وانتهاء بملك الأردن ورئيس وزراء إسرائيل. بدا مبارك فى الصورة تفصله خطوتين عن أوباما، وكما أجمع المحللون حينذاك فإن وجود الرئيس الراحل بهذه الوضعية في الصورة لا ينال منه بأي حال، موضحين أن رئيس مصـر تظل مكانته محفوظة، في أي موضع، وفي أي مكان.

وعندما قررت “الأهرام” إعادة نشـر الصورة، مع بدء الجولة الثانية من تلك المفاوضات في شرم الشيخ، نزل وحي النفاق الرخيص على أدمغة القائمين على أمرها، وتدخّلوا في الصورة عن طريق “الجرافيك”، وجعلوا مبارك فيها في موضع آخر يتقدم فيه على أوباما نفسه، رغم أنه لم يكن هناك أي مبرر يدعو الصحيفة الكبرى إلى اللعب في صورة عالمية، نشـرتها مختلف وسائل الإعلام في كل الدنيا، على هذا النحو المكشوف، والذي وضع أقدم الصحف العربية محلّ انتقاد وسخرية وسائل إعلام عالمية.

 لقد اعتبرت صحيفة “جارديان” البريطانية، أن الصحف المصـرية التي تديرها الحكومة “لديها سجل حافل في تحسين صورة النخبة السياسية في مصـر”، مضيفة أن “الأهرام” باتت في موقف “مُحرج”، وأشارت إلى أنها ليست المرة الأولى التي يتلاعب فيها الإعلام في المنطقة بالصورة لـ”تعزيز صورة الدولة”، بينما وصفت صحيفة “تورنتو ستار” الكندية الموقفَ بأنه “مُثير للضحك”.

أما الأكثر إثارة للضحك فهو تبرير رئيس تحرير”الأهرام” حينها، أسامة سرايا، هذا اللعب المفضوح في الصورة؛ فبعد أن تباكى على “ضياع  القيم المهنية” عند منتقدي صحيفته، أوضح أن الصورة “الملعوب فيها”، هي “صورة تعبيرية، تعبّر بشكل حي وموجز وصحيح عن الموقف السياسي الدقيق لمكانة الرئيس مبارك، وموقعه في القضية الفلسطينية، ودوره المتفرد في قيادتها قبل واشنطن، رغم أهمية واشنطن ودورها”!.. نسـي الرجل أن يذكر أن صحيفته عندما نشـرت الصورة لم توضح للقراء – من باب الأمانة المهنية- أنها صورة تعبيرية وتم التدخل فيها.

ما فعلته “الأهرام” سبقها فيه بشكل مختلف ممتاز القط، رئيس تحرير صحيفة عريقة أخرى هي “أخبار اليوم”.. أراد “القط” في حمّى السباق مع أقرانه في النفاق تزلُّفاً إلى الرئيس الراحل أن يكسب الجولة بالضـربة القاضية، فكتب مقالاً يعدد فيه المزايا التي يتمتع بها عامة الناس، والتي لا تتاح للحاكم بسبب الأعباء والمسؤوليات الرئاسية الجسام، موضحاً أن الرئيس – مثلا- لا يستطيع أن يقف في المطبخ مثل المواطن العادي، ويستمتع بصوت “طشة حلة الملوخية” على البوتوجاز!

ما ذكرته من مواقف رخيصة يتكرر تقريباً في كل بلاد أمتنا الواحدة ذات رسالة النفاق الخالدة، وهو عكس ما كان يحدث في روما القديمة، فبدلاً من الرجل الذي يقف خلف القيصـر ليذكّره أنه بشـر، فإن الحاكم عندنا محاط  بآلاف يهمسون في أذنه كل لحظة بعبارة واحدة: “لا تنسَ أنك الحكيم.. تذكر أنك الفيلسوف.. ثق أن النساء لم تلد مثلك”!.

2 التعليقات

  1. أمير عبد المحسن الجندى

    صدقت والله
    بلادنا نكبت بالمنافقين والطغاة

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

الخرافة والسياسة والولاية

الخرافة والسياسة والولاية

حينما تحضر الخرافة تموت السياسة.. هذا أبسط شيء يمكن قوله اليوم في الواقع الطائفي المأزوم الذي تعيشه المنطقة العربية على وقع انهيار الدولة الوطنية العربية، في عديد من الجمهوريات العربية، التي أُفشلت فكرة الدولة فيها لعوامل عدة. في مقدمة تلك العوامل عدم تحول فكرة الدولة...

قراءة المزيد
هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

لا شك أن هوية أي أمة تحددها الثقافة الأم التي تعتنقها أغلبية هذه الأمة، ومنذ أن أشرقت شمس الرسالة على أرض العرب، أصبح الإسلام يمثل إلى اليوم هويتها المعبرة عن ثقافتها، بعد أن صبغ فيها أوجه الحياة من تصورات وعادات وتقاليد وفنون وعلوم ومعايير رفض وقبول ونحو ذلك. ومع كل...

قراءة المزيد
جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

قبل نحو عقدين من الزمن قررت أن أكون من أصحاب السيارات لأول مرة في حياتي، ولأني لم أكن أجيد القيادة جيداً، فقد نصحني البعض أن أبدأ بالسيارات المستعملة، حتى تتحمل أية أخطاء متوقعة من المبتدئين أمثالي. لجأت إلى أحد تجار هذا الصنف في قرية مجاورة، وهو مع أقرانه خليط من ذوي...

قراءة المزيد
Loading...