الدم الحرّ في الزمن المرّ

بقلم: محمود عبد الهادي

| 10 يناير, 2024

بقلم: محمود عبد الهادي

| 10 يناير, 2024

الدم الحرّ في الزمن المرّ

تناولت المقالة التحديات التي يواجهها السياق العربي والإسلامي في ضوء أحداث طوفان الأقصى، حيث كان لحماس والمقاومة دور في تحطيم أسطورة العدو الصهيوني. يسلط المقال الضوء على الاستقلالية والإرادة، ويوضح الضغوط والصراعات التي تعيق تغيير السياق الحالي.

سياق الأمة العربية والإسلامية – تحدّيات وآفاق

كنا نتمنى لو أن ما قامت به حركة حماس والمقاومة الفلسطينية في طوفان الأقصى من تحطيم لأسطورة العدو الصهيوني الذي لا يقهر؛ كان في سياق عربي وإسلامي غير هذا السياق، سياق يسوده الاستقلال الحقيقي، والإرادة الحرة، والإيمان الراسخ، والهوية الأصيلة، والقوّة المنافسة، والتكامل المحكم؛ ولا تهيمن عليه العصبيات القطرية، والمصالح الذاتية، والتمزق الإقليمي، والصراعات الداخلية، والعجز الجبان، والمنافسات البينية، والهشاشة البنيوية والفكرية، والولاء الاختياري أو الاضطراري للمستعمر بكل ألوانه وهياكله وتشكيلاته ومسمياته، الأمر الذي سهّل للعدو الصهيوني الانفراد بالشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ومكّنه من الإمعان المنهجي في تدميره والتنكيل بشعبه دون أن أي ردود فعل رادعة من الأمة العربية، والأمة الإسلامية التي قارب سكانها على ملياري نسمة، وتسمّرت مواقف زعمائها وقادتها عند حدود المناشدات وبيانات الشجب والاستنكار، وليتها وقفت عند ذلك!

السياق العربي والإسلامي الراهن لا يسمح إطلاقاً بتحويل طوفان الأقصى إلى معركة القضاء على دولة الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين، المعركة التي تنتظرها الشعوب العربية والإسلامية منذ أكثر من ١٠٠ سنة.

فهم السياق

يُعتبر السياق التاريخي للواقع القائم بأبعاده المحلية والإقليمية والدولية؛ مدخلاً أساسياً لفهم الأحداث والمجريات والعوامل المؤثرة فيها والنتائج المترتبة عليها، ولفهم القوى المهيمنة وتوازناتها وتأثيراتها وتحالفاتها والتزاماتها ومناطق نفوذها، ولفهم طبيعة المؤسسات الإقليمية والدولية ودورها والمهام المنوطة بها، كجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة، وأخيراً وليس آخراً؛ لفهم التحولات التي يشهدها العالم في المجالات المختلفة، وأثرها على العلاقات الدولية والسلوكيات البشرية حاضراً ومستقبلاً.

كان من الممكن أن تكون عملية طوفان الأقصى، نقطة البداية لتعديل ميزان القوّة العربي- الصهيوني، السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتعديل شروط التفاوض مع الكيان الصهيوني، وإجباره على التجاوب مع المطالب العربية الخاصة بحل القضية الفلسطينية، وإحلال السلام وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وفقاً لما يرددونه منذ عشرات السنين، ولكن السياق الراهن الذي تمرّ به الدول العربية والإسلامية، لا يسمح لها إطلاقاً بأن تقوم بهذا الدور، كما لا يسمح لها إطلاقاً بتحويل طوفان الأقصى إلى معركة القضاء على دولة الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين، المعركة التي تنتظرها الشعوب العربية والإسلامية منذ أكثر من ١٠٠ سنة.

هذا السياق العربي والإسلامي الراهن حقيقة واقعية قائمة، لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها، وهو نتيجة لعوامل عديدة تراكمت على مدى القرنين الماضيين في مختلف المجالات، ولا يمكن تغييره إلا بظهور عوامل جديدة قادرة على تفكيك هذا السياق، وتأسيس واقع عربي وإسلامي يتخلّص من قيود وتبعات واستحقاقات السياق الراهن؛ ولكن عملية التغيير هذه والعوامل الجديدة اللازمة لإحداث التغيير، ليست بالأمر السهل، بل تفوق متطلباتها إمكانيات الدول العربية والإسلامية الحالية، وهذا يعني أن السياق العربي الإسلامي الراهن مرشح للاستمرار لعقود طويلة قادمة، وأن الدول العربية والإسلامية غير قادرة على الانتقال من هذا السياق إلى السياق المقابل في المدى المنظور، وأنها قد تحتاج إلى ما لا يقل عن قرنين من الزمان في انتظار سقوط القوى المهيمنة على السياق الراهن، ما لم تحدث مفاجآت قدرية غير منظورة تعجّل في سقوط هذه القوى.

مرّت الأمة العربية والإسلامية بسياقات سابقة أسوأ بكثير من السياق الراهن، واستطاعت الخروج منها لتقوم من جديد، ولن يكون السياق الراهن آخر السياقات، فحتماً ستخرج الأمة منه كما خرجت من قبل، حتى وإن لم يتسنَ لنا أن نشهد هذا الخروج.

الخروج

إن حالة الخذلان والإحباط التي يشعر بها الشعب الفلسطيني، ومعه كافة الشعوب العربية والإسلامية؛ هي نتيجة طبيعية للسياق الراهن، الذي أدى إلى عجز الدول العربية والإسلامية عن أن تفرض وقف إطلاق النار، وتُوقف ما يتعرّض له المدنيون والمستشفيات ودور العبادة والمدارس والأسواق والملاذات الجماعية من الدمار والمجازر، وأن تفتح ممرات إنسانية لإدخال المساعدات، وأن تسمح بخروج الجرحى والمصابين للعلاج في الدول المجاورة، بشكل معقول يتجاوز تلك الحالات التي تمت لأغراض إعلامية دعائية، إذ نجد آلاف الجرحى والمصابين ينتظرون عبور الحدود للعلاج دون جدوى، رغم أن العديد منهم وافتهم المنية وهم رهن الانتظار منذ أكثر من شهرين، ونجد المئات ممن لا يستطيعون عبور الحدود والسفر إلى أعمالهم ودراساتهم في الدول التي يقيمون فيها؛ لأنهم لا يستطيعون دفع إتاوات تقدّر بآلاف الدولارات لتسهيل عملية الخروج.

بل الأسوأ من هذا كله، مما لا يستطيع أن يتصوره عقل أو يقبل به فؤاد؛ أن تؤيد بعض الدول العربية والإسلامية ما يقوم به الكيان الصهيوني في قطاع غزة، بل وتستعجله في القضاء على حماس والمقاومة حتى لو أدى ذلك إلى مسح القطاع بالكامل.

هذا السياق الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية حالياً؛ ليس هو الأسوأ على مدى القرون الـ١٤ الماضية، فقد مرّت بسياقات أسوأ منه بكثير، واستطاعت الخروج منها وقامت من جديد. وبالتالي فإن هذا السياق لن يكون آخر السياقات، وحتماً ستخرج الأمة منه كما خرجت من قبل، حتى وإن لم يتسنَ لنا أن نشهد هذا الخروج.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

لعنة الصحافة من “فوزية” لـ “هنيدي”!

لعنة الصحافة من “فوزية” لـ “هنيدي”!

لن يعرف قيمة أمه، إلا من يسوقه حظه العاثر للتعامل مع زوجة أبيه، ولن يعرف قيمة الدكتورة فوزية عبد الستار، إلا من يجد نفسه مضطراً للاشتباك مع إبراهيم الهنيدي. الأولى كانت رئيسة لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس الشعب المصري حتى برلمان 1995، والثاني هو رئيس اللجنة...

قراءة المزيد
سقوط حلب.. في سياسة الحمدانيين

سقوط حلب.. في سياسة الحمدانيين

شهدت مدينة حلب السورية الشهيرة حدثًا بارزًا في تاريخها السياسي والاجتماعي، تمثل في سقوطها بيد العسكرة الإمبراطورية البيزنطية في القرن الرابع الهجري، وجاء في إطار الصراع السياسي والعسكري المستمر بين الإمبراطورية البيزنطية والدولة الحمدانية العربية، التي كانت تسيطر على...

قراءة المزيد
الناقد ومراوغة النص..

الناقد ومراوغة النص..

استكشاف حالة التقييم المراوغة.. تلك التي ترفض الانصياع للقانون الأدبي لتكون حرة طليقة لايحكمها شيء.. وتحكم هي بمزاجها ما حولها..   تأطيرها في قانون متفق عليه لتخرج من كونها حكما مزاجيا، وتدخل عالم التدرج الوظيفي الإبداعي الذي نستطيع أن نتعامل معه ونقبل منه الحكم على...

قراءة المزيد
Loading...