الغرب واختبارات الديمقراطية التركية

بواسطة | يونيو 6, 2023

بواسطة | يونيو 6, 2023

الغرب واختبارات الديمقراطية التركية

عقدان من الزمن مرَّا، منذ أن صعد حزب العدالة والتنمية الحاكم لقيادة تركيا في انتخابات 3 نوفمبر 2002، التي تربع هذا الحزب بموجبها على المشهد السياسي التركي حتى هذه اللحظة، ولم يخسر أي معركة انتخابية طوال هذه المدة. وقد طال انتظار الغرب نهايةَ هذه المرحلة بفشل ذريع لهذا الحزب ذي الخلفية المحافظة “إسلامياً” داخل بنية العلمانية الكمالية المتطرفة، والتي تمكن الحزب من تفكيكها وإعادة صياغتها كعلمانية أكثر تسامحا وجاذبية من سابقتها؛ لتصير علمانية الدولة لا المجمع، بحسب تعريف رجب طيب أردوغان نفسه.
فقد ظل الغرب ينظر بتوجس وحذر شديدين لأي ديمقراطية حقيقية في العالم، وتحديدا في منطقة العالم الإسلامي، التي يعتبرها منطقة ذات خلفية تاريخية مليئة بالصراع والمواجهة معه منذ فتوحات الاندلس، وفتوحات البلقان العثمانية وقبلها الحروب الصليبية، وصولا إلى ثورات الاستقلال الوطني في منتصف القرن الماضي؛ وكلها حروب كان الغرب المسيحي، ومن ثم التبشيري والإمبريالي الاستعماري، طرفا رئيسا فيها. 

يرى الغرب أن العالم الإسلامي المحكوم بالشريعة الإسلامية عالم غير ديمقراطي ولا مدني، وبالتالي لا يمكن أن تصلح فيه الديمقراطية التي تتناقض تماما، بحسب المفهوم الغربي، مع الإسلام.

وانطلاقاً من كل هذه الخلفية التاريخية الممتلئة بالحروب والصراعات، يقف الغرب مشدودا لهذا الماضي، وينظر إلى العالم الإسلامي من هذه الزاوية وحدها، زاوية الصراعات والحروب الدينية؛ رغم ما وصل إليه الغرب اليوم من علمانيات لم يعد لها أي علاقة بالدين وبالتصور المفترض للعالم، الذي ينبغي أن يكون وفقا للتصور العلماني عالما مليئا بالسلام والتعايش وتكافؤ الفرص بين كل أبنائه. لكن من يتابع مسار العلاقات الغربية مع العالم الإسلامي يجد أنها لم تغادر مربع التصور الأول، وأن الغرب ما يزال حريصا جدا على أن يظل العالم الإسلامي جزرا منعزلة عن بعضها، ومحكومة بالتبعية الدائمة لحكامه المستبدين، التابعين للمنظومة الغربية وهيمنتها الدائمة على العالم الإسلامي سياسيا واقتصاديا، وفكريا أيضا.
فمنذ البداية، والغرب الرسمي غير الأكاديمي، يتعامل بحذر شديد مع كل ما يتعلق بمفردات الحداثة السياسية في العالمين العربي والإسلامي على حد سواء، تلك المفردات التي تشمل التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان؛ حيث يرى الغرب أن العالم الإسلامي المحكوم بالشريعة الإسلامية عالم غير ديمقراطي ولا مدني، وبالتالي لا يمكن أن تصلح فيه الديمقراطية التي تتناقض تماما، بحسب المفهوم الغربي، مع الإسلام.
ومثل هذه النظرة القاصرة ليست صحيحة وفيها الكثير من الإجحاف، وتنطوي على كثير من التصورات المغلوطة والأحكام المسبقة؛ فهذا الأمير تشارلز يؤكد في محاضرته الشهيرة في مركز أكسفورد للدراسات  الإسلامية عام ١٩٩٥م ، على ” أن للإسلام دوراً في بناء حضارة الغرب؛ وعلى وجوب اعتراف الغربيين بذلك وفاءً، ومواصلةً للاستفادة من كنوز الإسلام الحضارية”؛ ومثل تشارلز ثمة الكثير من المستشرقين الغربيين الذين يستمد الأمير مقولاته من كتاباتهم حول الإسلام، كغوستاف لوبون وزجريدا هونكه وماري شميل، ومن جاء بعدهم كفرنسوا بورغا واستيفن لاكرو من المعاصرين.
نعود إلى موضوعنا، وهو موضوع اللحظة والساعة، حول موقف الغرب من الديمقراطية التركية، ومن حزب العدالة والتنمية الذي ينظر له الغرب على أنه حزب إسلامي محافظ متستر بالعلمانية؛ وما يدور حاليا في تركيا، من انتخابات أبهرت العالم بحريتها وقدرتها على ضبط تيارات الأمة التركية، والمحافظة على مجتمع تركي ديمقراطي ديناميكي صاعد بقوة في المشهد الدولي الراهن.
فلقد كشفت هذه الانتخابات مدى الحساسية الغربية من نجاح هذه التجربة، التي يقودها زعيم تركي أثبت حضورا وكاريزما قيادية فارقة في هذه المرحلة، واستطاع على مدى عقدين من الزمن أن يظل محافظا على حضوره الطاغي في قلب لعبة ديمقراطية فتية شديدة التعقيد وتجدد نفسها بنفسها، ليثبت للغرب أن العالم الإسلامي يمكنه أن يكون أكثر ديمقراطية من العالم الغربي نفسه مادامت الديمقراطية لم تتحول إلى أيديولوجيا للرجل الأبيض، وإنما هي آلية نظامية حاكمة للتنوع والقوى المتنافسة على السلطة.

الغرب ينظر إلى العالمين، العربي والإسلامي، على أنهما عالمان لا تصلح لهما القيم الديمقراطية، وأنهما لم يصلا إلى مرحلة الوعي بالديمقراطية، وأن الديمقراطية تشكل خطرا كبيرا عليهما لكون ديمقراطية هذه المجتمعات تقذف بالإسلاميين إلى سدة الحكم

فمن يتابع هذه الأيام التغطية الإعلامية للانتخابات التركية الأخيرة، يدرك مدى السقوط الغربي والانكشاف الكبير الذي بدا عليه الغرب، ويدرك نظرته للعالم خارج الحدود الغربية على أنه مجرد عالم متخلف لا يصلح للقيم الغربية ولا تصلح له، وكأن قيم الحداثة السياسية قيم غربية حصرا لا تصلح لغيرهم من البشر؛ حتى بعض الغربيين لا يعتقدون أن هذه القيم السياسية هي مشتركات بشرية يمكنها أن تطبق في أي بقعة من بقاع العالم ما توافرت لها الظروف السياسية الملائمة والمناسبة.
عموما، لم تكن الانتخابات التركية وحدها الكاشفة لهذا التناقض الغربي، فالمتابع للمسار الغربي يدرك جيدا هذا التناقض في موقف الغرب من الديمقراطية، وأن الديمقراطية عنده ليست سوى ورقة من أوراق السياسة الغربية، يستخدمها متى تسنى لها تحقيق مصالحه؛ فعلى امتداد العقود الثلاثة الماضية، رأينا كيف تعاطى الغرب مع عديد من التجارب الديمقراطية في المنطقة، منذ انتخابات الجزائر في ديسمبر 1991م وفوز الإسلاميين فيها، وحتى انتخابات يناير 2006م في فلسطين وفوز حماس، وانتخابات مصر في 24 يناير 2012م؛ ورأينا كيف كان موقف الغرب متناقضا ومتواطئا مع ما تم تجاه تلك الانتخابات من انقلابات أوقفت مسار التحول الديمقراطي في تلك المجتمعات.
فالغرب ينظر إلى العالمين، العربي والإسلامي، على أنهما عالمان لا تصلح لهما القيم الديمقراطية، وأنهما لم يصلا إلى مرحلة الوعي بالديمقراطية، وأن الديمقراطية تشكل خطرا كبيرا عليهما لكون ديمقراطية هذه المجتمعات تقذف بالإسلاميين إلى سدة الحكم، وأن هذه المجتمعات لا تعرف أن من مصلحتها انتخاب من يريد لهم الغرب أن يصعدوا للحكم من النخب التي تعمل ضمن أجندة المصالح الغربية في هذه المجتمعات. وهذا بالضبط هو ما يظهر اليوم في موقف الغرب من الديمقراطية التركية، التي ظلت تدفع بحزب العدالة والتنمية على مدى عقدين إلى واجهة إدارة المشهد التركي، لأنه يعبر عن إرادة وطنية خالصة؛ وهو ما يشكل خطرا على المصالح الغربية في تركيا والمنطقة، وبالتالي يجب على هكذا ديمقراطية، وفق سياستهم، أن تتوقف لأنها وصلت لمرحلة الخطر على المصالح الغربية غير المشروعة في المنطقة.
مثل هذه المنطق ليس افتئاتا على الغرب ومواقفه، بل هذا ما يقوله الإعلام الغربي ذاته تصريحا وتلميحا؛ وهذا كان واضحا في وصفه الرئيس التركي والمرشح الأبرز في هذه الانتخابات بأنه ديكتاتور، في حين أن هذا “الديكتاتور” لم يتمكن من الفوز بالجولة الأولى من هذه الانتخابات، واحتاج عددا قليلا من الأصوات حتى يتمكن من الصعود والفوز، واضطر لخوض جولة ثانية من الانتخابات، ومع ذلك سيظل ديكتاتورا في نظر الغرب مادام يدفع ببلاده نحو الاستقلال والاستقرار والتقدم، وهو ما يزعج دوائر صناعة القرار الغربية من الديمقراطية التركية.

ما يثير الغرب أكثر ويكشف توجهاته ونواياه السياسية تجاه تركيا والعالم الإسلامي ككل، هو ما باتت تمثله تركيا من حضور كبير في المشهد الدولي الراهن، باعتبارها قوة اقتصادية وعسكرية وسياسية لا يستهان بها

وليس هذا فحسب ما يشكل قلق الغرب من الديمقراطية التركية، بل وصل الأمر بهم إلى الحديث عن السلطوية التركية التي تتلفع بالعلمانية؛ ليحار المرء في مثل هكذا أحكام تطلقها الآلة الإعلامية الغربية في توصيف المشهد التركي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي لم يتمكن من النجاح في جولة الانتخابات الأولى رغم كل ما حققه لتركيا من إنجازات كان تحقيقها في حكم المستحيل، فهو مع ما أنجزه ما يزال محكوما بمزاج الناخب التركي وليس بقوته وحضوره وإنجازاته الكبيرة.
إن ما يثير الغرب أكثر ويكشف توجهاته ونواياه السياسية تجاه تركيا والعالم الإسلامي ككل، هو ما باتت تمثله تركيا من حضور كبير في المشهد الدولي الراهن، باعتبارها قوة اقتصادية وعسكرية وسياسية لا يستهان بها، وكذلك باعتبارها أهم ديمقراطية في العالم الإسلامي، وهذا ما يجعل الغرب أكثر وضوحا في التعبير عن عدم رضاه بهكذا ديمقراطية تعكس إرادة وطنية تركية حقيقية.
 عدا عن ذلك، فما بات يمثله فوز تجربة حزب العدالة والتنمية السياسية من معانٍ رمزية باعتبارها نموذجا يفترض أن تقتدي به كل الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية، التي يُطلق عليها مصطلح “الإسلام السياسي” في الغرب، والتي بذل الغرب وحلفاءه في المنطقة جهودا كبيرة لإفشالها، عقب ما بات يسمى بثورات الربيع العربي التي دفعت بهذه الأحزاب الإسلامية إلى الواجهة وجلبت الغرب وكل حلفائه لإسقاطها؛ مع أن الأمر كان بسيطا وسهلا ويتحقق بتركهم للديمقراطية وحدها، وليس لانقلابات الثورات المضادة، لتتكفل بإسقاطها!.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

الخرافة والسياسة والولاية

الخرافة والسياسة والولاية

حينما تحضر الخرافة تموت السياسة.. هذا أبسط شيء يمكن قوله اليوم في الواقع الطائفي المأزوم الذي تعيشه المنطقة العربية على وقع انهيار الدولة الوطنية العربية، في عديد من الجمهوريات العربية، التي أُفشلت فكرة الدولة فيها لعوامل عدة. في مقدمة تلك العوامل عدم تحول فكرة الدولة...

قراءة المزيد
هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

لا شك أن هوية أي أمة تحددها الثقافة الأم التي تعتنقها أغلبية هذه الأمة، ومنذ أن أشرقت شمس الرسالة على أرض العرب، أصبح الإسلام يمثل إلى اليوم هويتها المعبرة عن ثقافتها، بعد أن صبغ فيها أوجه الحياة من تصورات وعادات وتقاليد وفنون وعلوم ومعايير رفض وقبول ونحو ذلك. ومع كل...

قراءة المزيد
جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

قبل نحو عقدين من الزمن قررت أن أكون من أصحاب السيارات لأول مرة في حياتي، ولأني لم أكن أجيد القيادة جيداً، فقد نصحني البعض أن أبدأ بالسيارات المستعملة، حتى تتحمل أية أخطاء متوقعة من المبتدئين أمثالي. لجأت إلى أحد تجار هذا الصنف في قرية مجاورة، وهو مع أقرانه خليط من ذوي...

قراءة المزيد
Loading...