النخب العلمانية المثقفة حين تفقد بوصلتها

بواسطة | يوليو 13, 2023

بواسطة | يوليو 13, 2023

النخب العلمانية المثقفة حين تفقد بوصلتها

لا شك بأنك قرأت وسمعت وشاهدت دعوات من هنا وهناك لمثقفين أو لمن يسمون أنفسهم “النخبة” في العالم العربي، من تلك الثلة التي تنادي بالعلمانية كمنهج حياة يمكن أن تسير عليه الدول المسلمة حتى تخرج من أزماتها المتعددة والمتنوعة التي تعيشها، لا سيما أزمة التطرف والتعصب الديني، أو هكذا هو الزعم عندهم.. فهل هذا منطقٌ تراه معقولاً أو يمكن القبول به، فضلاً عن مناقشته؟!.
لكن، دعنا نتفحص قبل ذلك واقع أولئك المثقفين أو النخبة، الذين تراهم اليوم أكثر من ذي قبل، وهم في قلق وتوتر من انتشار ظاهرة التدين والالتزام بالدين أو الرجوع إليه، رغم كل مظاهر العلمنة والتغريب وتلويث المجتمعات بالقيم والأفكار الغربية الغريبة.

 لا أريد الحديث عن العلمانية، وإنما عن هؤلاء المنادين بها، الذين باتوا أكثر وضوحاً من ذي قبل، وأكثر جرأة.. تراهم يرفضون ظاهرة انتشار اللحى مثلاً بين الشباب، أو الحجاب بين النساء في المجتمع

تجد ثلة المثقفين أو النخبة تلك، رغم كل ما حولنا من تطورات وتحديثات تحيط بالمجتمعات المسلمة، في قلق وتوتر من بقاء جذوة التدين والالتزام متقدة، وبقاء الملتزمين على ما هم عليه من مظاهر في المجتمع، يعايشون الواقع والناس بشكل طبيعي دون حدوث أو وقوع ما يخوِّف منه أولئك المثقفين عمومَ الناس، من قبيل أن تلك العودة إلى التدين خطر على الحكومات والمجتمعات بشكل عام، وإمكانية أن تتحول الدول المسلمة إلى دول دينية متزمتة، دون أي دلائل علمية وواقعية صلبة تؤيد مزاعمهم تلك، مضيفين إلى كل تلك المزاعم أن الحل الأفضل والأمثل لدولنا المسلمة هو العلمانية، مع إبقاء الدين بشعائره وشرائعه محصوراً  في الجوامع والمساجد، مرددين في ذلك مقولة منسوبة للسيد المسيح -عليه السلام- مشكوك في أمرها، وفيها: “دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله”. وتريد بمعنى آخر، أو بلغة العصر الحالي، فصل الدين عن الحياة أو السياسة. وهل الدين إلا سياسة حكيمة للحياة؟.
 لا أريد الحديث عن العلمانية، وإنما عن هؤلاء المنادين بها، الذين باتوا أكثر وضوحاً من ذي قبل، وأكثر جرأة.. تراهم يرفضون ظاهرة انتشار اللحى مثلاً بين الشباب، أو الحجاب بين النساء في المجتمع، وفي اعتقادهم أن تلك المظاهر دلالة على تخلف ورجوع إلى الماضي. ربما، بعضهم لا يقولها صراحة، لكن هناك بعضاً آخر لا يستحي من الجهر بذلك، بل يطالب بمنع أو وضع حد لانتشار تلك المظاهر، على رغم كثرة الملتحين حوله من النصارى واليهود والهندوس وغيرهم!.

حين تأتي امرأة غير متحجبة مثلاً وتنتقد الحجاب بصورة وأخرى. لماذا لا تعتبر تلك الناقدة أن لبس الحجاب حرية شخصية للمتحجبة، مثلما تعتبر هي نفسها كشفَ شعرها ضمن حريتها الشخصية؟!

الحريات الشخصية عند النخب العلمانية
لو أردنا أن نناقش الموضوع بشكل مقتضب دون كثير تفاصيل، وبشكل أكثر عصرية أو كما يريد بعضهم المتحضر أن يكون، فلنضع الدين هاهنا على جانب ولا نستند عليه – مؤقتاً- في مناقشة هذا الأمر، ولنستند على المنطق والعقل والواقع، كما يريدون هم.
إنّ مسألة التدين والرجوع إلى الدين مع ما لذلك من مظاهر واضحة عند البعض، كإطالة اللحى أو لبس بعض الرجال العرب للثياب الخليجية، وارتداء الحجاب بشكل صحيح عند النساء، وعدم الخوض بالقول والفعل في بعض مباهج الحياة المختلفة المباحة، كالقضايا والأمور الرياضة أو الفنية أو بعض ما شابه من موضوعات، فإن الناظر إليها يجدها كلها تدخل ضمن إطار الحريات الشخصية، شأنها شأن ارتداء ثياب غربية أو شرقية، أو الركض وراء كل جديد في اللباس والأزياء وغيرها، فلماذا لا ينظر أولئك المنتقدين إلى كل تلك المظاهر عند الملتزمين، مثلاً، على أنها من ضمن الحريات الشخصية للرجل الملتزم أو المرأة الملتزمة؟!.
الأمر نفسه حين تأتي امرأة غير متحجبة مثلاً وتنتقد الحجاب بصورة وأخرى. لماذا لا تعتبر تلك الناقدة أن لبس الحجاب حرية شخصية للمتحجبة، مثلما تعتبر هي نفسها كشفَ شعرها ضمن حريتها الشخصية؟. لماذا تعترض تلك المرأة على الناقدين لها بسبب كشفها أو عدم تحجبها، وتعتبر أن ذلك تعرضا وتدخلا في حريتها الشخصية، ولا تعتبر انتقادها للمحجبات، تدخلا في حياتهن الشخصية كذلك؟. أليس في هذا تناقض وازدواجية في التعامل؟!.
لماذا ينتقد رجل يلبس القميص والبنطلون مثلاً، رجلا آخر من ذات جنسيته يرتدي جلبابا أو ثيابا، معتبرا ذلك الزي دليل تخلف ورجعية؟ لماذا يعتبر زيه هو حرية شخصية ولا يكون الأمر كذلك مع مواطنه الآخر؟..
الأمثلة من هذا النوع كثيرة، وما ذكرناه ليس سوى مثال واحد من عشرات الأمثلة الدالة على مدى ضيق صدور أولئك “النخب” بكل ما يخالف أفكارهم وقيمهم ومعتقداتهم، أياً كانت تلك القيم والمعتقدات. فكيف يفهم أولئك الحريات الشخصية؟ أم أنها مقتصرة على غير المتدينين فقط؟. لا أدري.. ربما!.
لو كان أولئك الذين يدَّعون العلمانية علمانيون صدقا وعدلا، فلماذا يضيقون ذرعا بمن يخالفهم في الفكر والمعتقد والتوجه؟ إن هذا الضيق ليس من العلمانية في شيء، إن أردنا أن نفهمها كما هي متجسدة جزئيا على أرض الواقع في كثير من دول العالم، عدا فرنسا ماكرون، التي تفهم العلمانية بطريقة مختلفة تماما حين يأتي الحديث عن الإسلام والمسلمين، دون سائر ذلك من الأديان والمتدينين، والمعتقدات وأصحابها.

أظهرت أزمات الأمة هشاشة دور المثقفين بشكل عام، بل لقد ضاع دورهم القيادي المؤثر، أو لم يعد كما يجب في وقت الأزمات، وصار مثقفو كل دولة يتحصنون في قلاعهم الرسمية أو خلف الساسة

هل النخب العلمانية في أزمة؟
 النخب العربية العلمانية المثقفة تَبيَّن أنها فعليا تعيش أزمة حقيقية، بل ربما فقدت بوصلتها؛ فلا هي مع الداخل ولا هي مع الخارج، بل إنها تارة هنا وتارات أخرى هناك، لتكون محصلة ذلك في النهاية أنه لا شخصية واضحة لهم يمكن أن يعرفهم بها الناس. وصار مثلهم كمثل الغراب الذي أراد تقليد مشية العصفور، فلا استطاع التقليد ليصير عصفورا ولا عاد غرابا كما كان!.
إن طرحهم بين الحين والآخر لمسائل مرتبطة بمعتقدات مجتمعاتهم، وإعادة إحيائها من جديد، دلالة على الأزمة التي يعيشونها. وبدلا من حماية مجتمعاتهم من غريب المآرب والمشارب، والأقوال والأفعال، خاصة تلك القادمة من المحيط الخارجي، غير المتوافقة مع معتقدات وقيم وثقافة مجتمعاتهم، تراهم أشبه بطابور خامس ينخر في جسد المجتمع؛ حيث تقوى شوكتهم مع أي تيار حاكم يسير على هواهم، وتخفت مع خفوته أو تبديله، وهكذا هم.
لقد أظهرت أزمات الأمة هشاشة دور المثقفين بشكل عام، بل لقد ضاع دورهم القيادي المؤثر، أو لم يعد كما يجب في وقت الأزمات، وصار مثقفو كل دولة يتحصنون في قلاعهم الرسمية أو خلف الساسة، ينشدون السلامة أولا، ومن ثَمَّ يتطلعون الى رضا ولي الأمر، حتى وإن كان يجانب الحق والصواب!.

حين تخلت نخب المجتمعات تلك عن دورها القيادي التوجيهي المؤثر، رغبةً أم رهبةً، ضاعت بوصلة مراكب المجتمعات العربية أيضا، فصارت تسير على هدى السياسيين تارة، أو المشتغلين بالإعلام تارة أخرى

الساسة والمثقفون
الأزمات العديدة، التي مرت بالأمة وما زالت، أوضحت مدى نهوض الدور المؤثر للساسة في توجيه المجتمعات، بدلا من أن يكون هذا الدور أساسا للنخبة في أي مجتمع، تلك النخبة المتمثلة في مجموعة مثقفين ومفكرين وعلماء وأدباء وكتّاب، يكونون هم عادةً من يصنع ويشكّل توجهات ورؤى الشعوب، بمن فيهم الساسة أنفسهم.
 لكن، حين تخلت نخب المجتمعات تلك عن دورها القيادي التوجيهي المؤثر، رغبةً أم رهبةً، ضاعت بوصلة مراكب المجتمعات العربية أيضا، فصارت تسير على هدى السياسيين تارة، أو المشتغلين بالإعلام تارة أخرى، أو غيرهم من فقاعات وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً
من هنا ترى المراكب العربية تنتقل هنا وهناك، في تحركاتٍ تشوبها تخبطات كثيرة، ليس في السياسة فحسب، بل في غالبية المجالات؛ وتلكم التخبطات لا شك بأنها لا تسر صديقا، وإن كانت تبهج العدو.. وهكذا عالمنا العربي، يتخبط بين سياسييه ونخبه المثقفة، وينتقل من أزمة إلى أخرى، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

الخرافة والسياسة والولاية

الخرافة والسياسة والولاية

حينما تحضر الخرافة تموت السياسة.. هذا أبسط شيء يمكن قوله اليوم في الواقع الطائفي المأزوم الذي تعيشه المنطقة العربية على وقع انهيار الدولة الوطنية العربية، في عديد من الجمهوريات العربية، التي أُفشلت فكرة الدولة فيها لعوامل عدة. في مقدمة تلك العوامل عدم تحول فكرة الدولة...

قراءة المزيد
هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

لا شك أن هوية أي أمة تحددها الثقافة الأم التي تعتنقها أغلبية هذه الأمة، ومنذ أن أشرقت شمس الرسالة على أرض العرب، أصبح الإسلام يمثل إلى اليوم هويتها المعبرة عن ثقافتها، بعد أن صبغ فيها أوجه الحياة من تصورات وعادات وتقاليد وفنون وعلوم ومعايير رفض وقبول ونحو ذلك. ومع كل...

قراءة المزيد
جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

قبل نحو عقدين من الزمن قررت أن أكون من أصحاب السيارات لأول مرة في حياتي، ولأني لم أكن أجيد القيادة جيداً، فقد نصحني البعض أن أبدأ بالسيارات المستعملة، حتى تتحمل أية أخطاء متوقعة من المبتدئين أمثالي. لجأت إلى أحد تجار هذا الصنف في قرية مجاورة، وهو مع أقرانه خليط من ذوي...

قراءة المزيد
Loading...