بوح عابر

بواسطة | مارس 30, 2024

بواسطة | مارس 30, 2024

بوح عابر

تعوَّدت في زاوية مقالاتي أن أتناول شخصية تاريخية أو أدبية، وأحاول النظر في جوانب الشخصية أو السيرة، هذه المرة أتحدث عن نفسي، بعد مقالة قرأتُها للأستاذ محمد رجب البيومي عن اختفاء المقالة الذاتية من أدبنا الحديث.

وهذا النوع من المقالات وصفه البيومي بقوله: “إنها تعبر عن عواطف الإنسان في أسلوب جميل مؤثر، فالكاتب يستمد عناصر مقاله من إحساسه الذاتي، سواء كان هذا الإحساس خاصًّا بهواتفه وآماله وآلامه داخليًّا، أو منتقلًا إلى مشاهد الحياة وانطباعها في نفسه خارجيًّا، فنفسه هي البئر التي تمتاح منها خواطره، وأنفاسه هي التي تتردد في كل سطر، والأسلوب المشرق وعاء شفاف لهذه الخواطر الإنسانية! هذا ما أعنيه بالمقال الأدبي المفقود، لأننا لا نجد في السيل المتراكم بالصحف والمجلات بعض ما كنا نقرأ من هذا اللون الممتاز، وقد تحدثت في ندوة عن ضياع هذا الفن وأسفت لفقده”.. انتهى حديث البيومي.

ذات مرة، وأنا طالب في الجامعة، خرجت من البيت مسرنم، أي أسير شبه نائم، أمشي في الشارع ذاهلًا عن الواقع، وَقَفني صديقي فجأة وسألني: فيمَ تفكر؟ خجلت أن أرد بقولي “أفكر في الاستشراق” فيحسبني أسخر منه، رغم أنه ما كنتُ أفكر فيه فعلًا، كنت أغطس في غرفتي، فلا يُخرجني من عزلتي إلا صوت أمي لوجبة العشاء، من غرفتي الصغيرة تلك في طنطا كنت أجوب بلادًا لم أزرها وأتعرَّف عوالم بعيدة عني عبر الكتب.

وفي الجامعة كنت أحضر المحاضرات وأتفوَّق فيها، دون خروجي بأصحاب كُثر، فالمتاح من الأصدقاء كانوا أكبر مني وخارج أسوار الجامعة، وكانوا أصحاب عائلات ومكتبات وخبرة في الحياة، جمعَنا حبّ الكتب، وتعلَّقتُ بهم تعلُّقي بإخوة كبار، رأيت فيهم صورة للأبوة الحانية التي أفتقدها بسبب اليُتْم، وأربت فيهم الأخوة الصادقة والنُّبْل، بعضهم فقدتُه في طريق الحياة، إذ وقع عليه ظلم كبير وغاب وراء أسوار لا أراه، كم أفتقد أي رفيق ذهب إلى عالم بعيد! أهرب من ذكرياتي معهم نحو شعوري بالألم من قسوة ما مرُّوا به، خصوصًا معرفتي أنهم مظلومون لم يُجرموا.

وعلى ذكر أيام الجامعة.. حين كنت أسير وأحدَ الأصدقاء فيسألني: ماذا تفعل لو أصبحتَ غنيًّا؟ فأقول: سأزور معارض الكتب في كل الدول! يهز رأسه ويرد بحكمة: أنت فاهم الغِنى غلط!

الكتابة ومعايشة النمِرة

‏”معايشة النمِرة”.. عنوان جميل لجبرا إبراهيم جبرا.. والنمِرة هي الكتابة، وجبرا استعار الكلمة من كازانتزاكيس حين تكلم عن الكتابة بوصفها نمِرة تتحداه، وتنشب مخالبها في دماغه، فيقول: “يا لَهُ من فرح عظيم يا إلهي أن أحيا وأری هذه النمِرة الرائعة وأُلاعبها وأجد أنني ما عدت خائفًا منها!”

الكتابة تجعلني في عالم آخر بعيد عن الواقع، أهرب إليها وأتذكر كلمة المازني حين قال: “كذلك أنا -أنا زوج الحياة الذي لا يستريح من تكاليفها- أقوم من النوم لأكتب، وآكل وأنا أفكر في ما أكتب، ألتهم لقمة وأخطُّ سطرًا أو بعض سطور، وأنام فأحلم أني اهتديت إلى موضوع، وأفتح عينيَّ فإذا بي قد نسيته”.. انتهى حديثه رحمه الله.

شوارع قلبي

رأيت شوارع كثيرة في حياتي، شوارع مهمة مثل شارع “الباب العالي” في إسطنبول، وشوارع اندلعت فيها ثورات، واجتمع فيها متآمرون، وسقطت فيها دول، وسار فيها خلفاء، لكني أحنُّ إلى شارعي المتواضع في طنطا.. ذاك الشارع الخالي من العظمة الإمبراطورية والأبهة، شارع عادي لا يُطل على البحر المتوسط ولا على البحر الأحمر، شارع يسير فيه الفلاحون وأبناء الطبقة الوُسطى والعمّال، تُرابي وقمحي اللون، وعمود النور مُعلقٌ كأنه مشنقة، وبلا أي نيَّات للحراك الاجتماعي أو الصعود الطبقي، شارع تُقام فيه الأسواق، ويكفيه شرفًا أن أمي تعرف اسمه وأبي سار فيه، وطفولتي مرَّت عليه، وأنني كنت فيه من أبنائه، ولم أكن غريبًا.

أغمض عينيَّ لأتخيل محل عصير القصب في ميدان الساعة، وأرى بعين الخيال الهيئة المصرية العامة للكتاب، حيث كنوز الكتب التي أقف أمامها، ننتظرها حتى تفتح أبوابها لنعود بالغنائم إلى البيت، كما أسرح بخيالي عند محطة القطار. ما أجمل تلك المحطة! ما أروع الألفة التي شعرت بها هناك! مع أني لا آنس ثقل دم بائع الكتب فيها، وفظاظة أسلوبه، وإخفاءه المجلات العربية عن القراء، حتى يوزعها على معارفه الذين يدخر لهم المجلات الثقافية الخليجية ذات السعر المنخفض.. لكن محطة قطار طنطا تبقى بهية في ذاكرتي، وبوابة الخروج من ضيق أفق هذه المدينة إلى رحابة المدن الكبرى كالقاهرة والإسكندرية والمنصورة.

محطة القطار كانت بوابة مغادرة هذا العالم الصغير، وعندما تهاجمني الذكريات أسقيها بكل الصور المختزنة، محل حلواني “الشرق” لأبي عبد العزيز الهجين، ورائحة الجبنة الرومي في شارع “سعد الدين”، وشارع “البورصة” الذي ليست به أي بورصة، وروحانيات السيد البدوي التي لم أشعر بها ولا مرة، لكني شعرت بطعم الصداقة الحقيقي على مقهى الأحمدية وأنا أشرب مشروبات أقل هيبة من القهوة، مثل الحلبة والشاي بالحليب، لأن الأيام كانت بلا مرارة القهوة، والأفق كان أخضر مثل ضحكة الرفاق الذين غابوا في عالم البرزخ، لكن ذكراهم في قلبي كل يوم، أجدِّد عهد الود والدعاء لهم بأن يحفظهم الله، فخير الحب ما اقترن بالدعاء كما يقول الطناحي!

ومنذ رحيل أبي، وأنا في صفوف المدرسة الابتدائية، بدأت أشعر فجأة بالكبر.. فها هم يطلبون مني أن أكون رجل البيت، ومن ساعتها أسير في طريق بلا ظهر، دعاء أبي الطيب يُظلّلني في طريق الحياة، وأفرح بأولاد الحلال، لكني أفتقد الانتماء إلى جبل يشدُّ عضُدي في مواجهة صروف الدهر.

أنا والكتب

تمنيت أن أحصل على وظيفة مذيع ثقافي، أن أجلس على كرسي المذيع فرانسوا بوسنال في برنامج المكتبة الكبيرة، أستضيف كل أسبوع أربعة مؤلفين وأناقشهم في كتبهم الجديدة، وأصبح لساعة من كل أسبوع كشَّاف نصوص مدهشة، مهمتي هي التحضير لهذه الحلقة أسبوعيًّا بقراءة تلك الأعمال والغوص فيها، لا يمكن لقارئ أن يقرأ رواية من الروايات التي سأتحدث عنها دون أن يغفل الحماسة التي لازمتني حينما تكلمت عن تلك الكتب.. ولعلي عوَّضت ذلك بالحديث مع القراء على وسائل التواصل الاجتماعي.

يبدو لي أن طريقي إلى مكتبة المدرسة بدأ مع دكة الاحتياطي إذ لا يختارونك في لعب الكرة، فتجد نفسك في المكتبة تتسلّى.

دائمًا ما حاولت تفسير هذه النزعة إلى الكتب، ولم أجد تفسيرًا مقنعًا، لقد ولدت في بيت لا يوجد فيه كتاب واحد، لكن حصلت على أبٍ مُحب وبيتٍ مليءٍ بالود، ولقد شعرت بأنني أرغب في قراءة الجرائد مبكرًا والنقاش في مواضيع أكبر مني، لقد تورطتُ في القراءة، لكنها كانت أجمل ورطة، أشبعَت فضولي وفتحت لي آفاقًا رحبة.

كانت طفولتي بعيدة عن الكتب، أتذكر الأستاذ سالم، معلِّم الدراسات الاجتماعية وأنا في مرحلة الثانوية، كان لديه صديق بائع خضراوات يحب قراءة الصحف، مرةً قال له: “واد يا سالم! أنا أعمل في الخضراوات من زمان، وأعرف الخِيار البلدي أو الخِيار المستورد، لكن الخِيار الاستراتيجي بصراحة فهذه أول مرة أعرف نوعه! سبحان من علَّمني أنواع الخِيارات!”.

وفي الطفولة حسِبتُ الجنَّة خلف المسجد لوجود حديقة تظهر من شبابيك المسجد، لكني تحيَّرت في تخيُّل أنهار العسل واللبن، ومن الأمثال التي سمعتُها من أمي: “من يجعل رزقه على عبْدٍ كَفَر”.

من الصعوبة أن أحدد كتابًا بصفته “المفضل لي”، لكني أحب مجالاتٍ معينةً في القراءة، وهي كتب التاريخ، والسير الذاتية، وتراجم الشخصيات، وتاريخ الأشياء التي تنطلق من دراسة عن تاريخ شيء هامشيٍّ لتدرُس من خلاله عالمًا أكبر، مثل كتاب تاريخ الملح، أو تاريخ مياه الشرب، أو تاريخ البحر الأبيض المتوسط.. هذا النوع من الكتب يُعجبني.

القراءة والمكتبات في حياتي

أحب القراءة عن تاريخ المدن والأمكنة، فهي حاضنتنا ونتفاعل معها يوميًّا.. والكتاب الأهم هو الكتاب الذي بين يديَّ الآن، فحاليًّا أقرأ في مذكرات المذيعة باربرا وولترز، التي حكت عن مسيرتها الإعلامية ولقاءاتها مع الزعماء مثل القذافي، وصدام حسين، والسادات، وغيرهم.

أكتب ملاحظاتي في جلدة الكتاب أو في هامش الصفحات، فلستُ من معتنقي مذهب المحافظة على نظافة الكتاب من الحِبر.. أكتب ملاحظات أمام العبارات التي أعجبتني، أو أنقل فكرة أناقش فيها الكاتب، أكتب مقالات عن الكتب التي راقت لي بسبب عملي في مراجعات الكتب.

قصَّتي مع مكتباتي درامية، بدأتُ تكوين مكتبة صغيرة وأنا طالب جامعي، جمعتها من باعة الكتب القديمة في شارع “طه الحكيم”، ثم تركتُها وسافرت، وعُدت فكوَّنت أخرى، ثم اضطررت إلى السفر وبعت هذه المكتبة، والآن كوَّنت مكتبة صغيرة للمرة الثالثة، تعلَّمت عدم تقديس الكتب رغم حبي لها، خصوصًا بعد تخلصي منها عدة مرات، فلستُ مستعدًّا أن أسافر بكراتين كتب بين بلد وآخر، أنا أبدأ من جديد وأصنع مكتبة جديدة كل مرة، قد لا يساعدني ذلك على التراكم والمباهاة بالجدران الضخمة من الكتب، لكنه يجدد نفسي القرائية، ويعلمني قراءة ما أحصل عليه، وعدم الولوع بالجمع، الأهم أن أقرأ.

أتفهم رغبات القرَّاء في جمع مكتبات كبيرة، ما أجمل منظر الكتب في خلفية المنزل، كأنك تستند إلى شمس المعارف، لكن الحياة المعاصرة أصبحت تقوم على كثرة الأسفار والانتقال، لذلك صنعت من خسارة مكتباتي مكتباتٍ جديدة كل مرة بنوع وترتيب مختلفين وعناوين جديدة، وهي فرصة قبل أن أفكر في شراء كتاب كان لديَّ ذات يوم، فأسأل: لماذا لم تقرأْه إذ كان عندك لعدة سنوات؟ هل تود الاحتفاظ به فقط؟

‏ومع حبي للكتب لا أحب الندوات الثقافية، أخاف من التَّكرار والاستعراض وهوامش معارض الكتب والثرثرة، أحترم هؤلاء القرَّاء يسيرون دون ضجيج بين أروقة دور النشر، يفحصون العناوين مثل من يشتري الجواهر، هؤلاء الصامتون على منصات الكلام هم أصدقائي.

‏كنت أتحدث مع صديق مصاب بتعلُّق رومانسي بالكتب، يقف في مكتبته ويقرر تقليل عددها ويضع الكتب في كرتونة، ثم يستيقظ صباحًا ليعيد ما قرر تقليله إلى الرفوف.. حمدت الله على تخلُّصي من هذا التعلُّق، وأصبحت على مذهب المازني: “وإنّي لمجنون بالكتب، ولكنَّ جنوني بما فيها، لا بأشكالها وألوانها على رفوفها.”

‏عشت في ظلال عالم الكتب لمدة أربع سنوات عندما عملت بائع كتب، وكنت أستيقظ على أخبار دور النشر وجديد المطابع، ثم انشغلت بتجربة أخرى في صناعة أفلام وثائقية تعتمد على الكتب وتحويلها إلى قصة للشاشة لجمهور أكبر، والخلاصة التي خرجت بها أن المعلومة لؤلؤة مُنزوية في بطن بِحار المجلدات، تحجب نفسها إلا لغوَّاص ماهر، حتى إنها لا تعرض مفاتنها على الإنترنت، تظهر لمن يصبر على قراءة الصفحات.

بَوْح عن علاقتي مع السِّيَر

مزح معي أحد الزملاء بكلام عن سهولة القراءة عندي وتفرُّغي لها، وقد أزعجني هذا التعليق الذي يجعل من القراءة نشاطًا في وقت الفراغ أو قلة الشواغل، والموضوع عندي تحدٍّ شخصي بين شواغل حياتية ومسؤوليات وهموم ذاتية وعصر الشاشة، ما يتطلَّب التعامل مع القراءة بجِدٍّ والتنازل عن كثير من المناسبات الاجتماعية، والمعنى ببساطة ألا تَحسب أنَّ من يقرأ هو أكثر تفرُّغًا منك، بل هو يضع لها وقتًا خاصًّا ويضحّي بأوقات أخرى، ويمنحها وقت الانتظار، وتأخذ من حصة النوم، ومن مقابلة الرفاق وأوقات العطلات، وإذا كان المرء كاتبًا زادت هموم القراءة عليه حتى يتابع جديد ما يصدر ويطوِّر أدواته ومعارفه، والأمور كلها أرزاق وفضل من الله، فالحمد لله الذي هدانا إلى حب المعرفة والفهم والتعلُّم.

أحيانًا تغزو الهموم يومي، وأشعر بالحزن عندما أواجه مشكلات في طريق الحياة، ثم ينضم إلى مكتبتي كتاب فيومض في روحي شهابٌ من فرحة، قد لا تستمر طويلًا، لكنها تضيء جوانب القلب الذي يحمل كثيرًا من الأسى والمنغصات.

‏عادة أحكي عن الكتب في المقالات لأن أصحابي، عشاق المعرفة والأحاديث عن القراءة، تفرَّقوا شذَرَ مَذَرَ في البلدان والعواصم، ولم تعُد لنا جلسة ولا مقهى ليصبروا على ثرثرتي، فقررت تعميم أحاديثي في المقالات.

‏وفي الليل الطويل، أجمع حولي حكايات الشخصيات وقصص حياتهم، أفكر في أفضل فهم لتلك الحياة، وشهاداتهم على التاريخ، وفي خضم ذلك تأتي موجة من السَّأم، لا ينفع معها كتابٌ ولا قصيدة، ملل من التاريخ ورجاله وأحداثه، جفوة بيني وبين النصوص، إلى أن تعيدني حكاية جديدة إلى غوايتي.

أهرب من حياتي إلى تضاعيف كتب السِّيَر، لعلّي أجد العزاء من أحزاني الخاصة عبر القراءة عن الناس، أحاول التخفُّف من الوجع بمعرفة الأكثر تعبًا، أهرب من ذاتي إلى التفكير في النفوس التي حملت هموم القضايا الكبرى، أمارس لعبة العيش في جِلْد الآخرين وتمثُّل كلماتهم، هذا هو العيش في ظلال المذكرات.

يقول الناقد عبد الفتاح كيليطو: كيف للإنسان أن يكون هو ذاته بعد أن يكون قد تلبَّس حشدًا من الشخصيات بمثل هذا المقدار من التباين؟ كيف يظلُّ سليم الذِّهن ويحتفظ بوضوح الفكر بعد هذا الغوص اليومي في العربدة الروائية؟”، وأنا أقول كيف يكون الإنسان هو ذاته بعد هذا التسكُّع في عالم المذكرات والسِّيَر الذاتية، فهذه الحكايات تعيد تفكيره في نفسه، أعيد التفكير في طفولتي في ضوء ما أقرأ من مذكرات، وتأتي على بالي أسئلة كثيرة عن حياة المثقف والسُّلطة والعلاقة مع المال وفكرة الشهرة والمكانة، وغيرها من فِكَر من خلال قصص المذكرات والسِّيَر الذاتية؟ تنبَّه أحد النقاد في مراجعته كتابي “مودة الغرباء”، يقول باهر سليمان: “يبدو لي أنَّ محمد عبد العزيز لا يريد الدخول في معارك فكرية مع بعض المذكرات بقدر ما يحاول الاستفادة منها وتقديم هذه الاستفادة إلى القُرَّاء، ومن ثمَّ لا أبعُد عن الصواب لو قلت إنَّ الجانب الحياتيَّ والاجتماعيَّ والمعاناة الإنسانية بصورها كافة هي مما يلفت نظر المؤلف في السِّيَر”.

ملَلْتُ من غربتي

بعد حديثي عن الكتب والقراءة والكتابة، في ذهني انشغالٌ عن الغربة وأثر المنفى في الروح، فقد عرفت في الغربة هشاشة العلاقات الإنسانية، وجربت نماذج نادرة من الصداقات الحقيقية، ومع مغادرة أي صديق مدينةً أعيش بها ينقص حبي لهذه المدينة، فالأصدقاء هم عائلة المدينة، كما يقول علاء خالد، وكل صداقة حقّة هي ألفة وتثبيت لأرجلنا في المكان، وكلما غادر صديق استوحشت أكثر.

في أحد الأيام مرت نسمة هواء عليلة بعد يوم حر، حرَّكت هوى قلبي نحو بيتي القديم وأمي ومدينتي، نحو كل جميل فارقته، وكل عابر عشتُ معه، آه.. كم تغرَّبت في البلاد! وعُدت لا أتعرَّف روحي، أُطعمها بمهام إنقاذ يومية حتى لا تفترسني بأسئلة قاتلة، أنا ابن اليوم، أما الماضي فهو يُطلق عليَّ رصاصه كل يوم.

عندما يزورني الحنين أشعر بالارتباك، ألمْ أقتلْك في داخلي كل هذه السنوات؟

لم أعُدْ أحكي عن أمي ومخبوزاتها، ولا يسألني أحدهم عن أخي، وبدأت أسماء الشوارع تغيب عن بالي، وفقدت أفراح الأقارب، ولم أعُدْ أشيّع المقربين إلى مثواهم الأخير، وقعت في فخ الغربة وأنا ابن المدينة الصغيرة، ألم أتجاهلْك أيها الحنين وأَنْسَك؟ فلماذا تأتي يا معذِّبي؟!

قلبي ضائع بين المدن، تركتُه مرةً أمام بحر الإسكندرية، وأشتاق إلى روائح كعك بيتنا في طنطا، وأشرب كأس الكرك برضا في سوق “واقف” بالدوحة، وأتذكر مذاق شاي الجمر في جدة، وروحانية المدينة المنوَّرة، وفي الجُزُر البعيدة بالمحيط تعرَّفت الوَحْدة، وفي إسطنبول الضخمة عرفت بهجة الشاعر في إيجاد القصيدة.. العالم مدينتي وأنا سوّاح.

2 التعليقات

  1. رهام

    “بوح عابر”
    تحية لك أ.محمد مقال حقيقي استوقفتني العديد من السطور ولمستني أيضاً 👏🏼👏🏼👏🏼

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

شمال غزّة يموت جوعا!

شمال غزّة يموت جوعا!

المشهد الأول: نخوة العرب في الجاهلية بعد أن وقّعت قريش وثيقة المقاطعة الظالمة لبني هاشم، وعلقتها في الكعبة لتعطيها شيئا من القداسة، جاء هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، لتمزيق هذه الصحيفة رغم أنهم كانوا جميعا على الشرك، ولكن كان...

قراءة المزيد
مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

والد لا يعارض ثورة أمَّمت شركاته خسر والد محمد سلماوي كثيرًا من مشاريعه التجارية بسبب التأميم، وكذلك خسر أراضي زراعية بسبب الإصلاح الزراعي، لكنه لم يعترض في فترة حكم عبد الناصر، وهُنا أعجبني تحليل سلماوي موقف والده، فقد اندهش سلماوي كثيرًا بعد رحيل عبد الناصر، وحين...

قراءة المزيد
لا نامت أعين الجبناء

لا نامت أعين الجبناء

في سكرات موته بدا واهنًا بشكل لا يُصدَّق، كان قادرًا على أن يلمح الوجوه الجزعة التي جاءت لتطمئن عليه، لم يستطع جسده المحموم أن يبلغ به وضع القعود، فتحسس جسده بكلتا يديه وابتسم ! إن جسده المرهق الواهي ليس فيه موضع سليم، لا يوجد شبرٌ واحد على حاله التي خُلق عليها،...

قراءة المزيد
Loading...