بوشنيل والتسوية الأخلاقية في الغرب!

بواسطة | مارس 10, 2024

بواسطة | مارس 10, 2024

بوشنيل والتسوية الأخلاقية في الغرب!

احتجاج طيار أمريكي على إسرائيل يثير تساؤلات حول دعم الغرب. يناقش المقال تأثير الحادث والنظرة الجديدة نحو الصراع الفلسطيني، ويدعو لإعادة تقييم السياسات الأمريكية.

الاحتجاج على إسرائيل وتأثيره على السياسات الأمريكية

اختار الطيار الأميركي (آرون بوشنيل) أرض السفارة الإسرائيلية في واشنطن لترك بصمة احتجاجية عظيمة، مشعلاً بذلك نقاشاً ذا نطاق أوسع في ما يتعلق بالحرب الإسرائيلية على غزة.

لم يكن هذا الاحتجاج مقتصراً فقط على مظالم بوشنيل الشخصية؛ بل كان نداءً يائساً في ضوء هذه الأزمة الإنسانية والأخلاقية، التي يتابعها العالم بعجز غير مسبوق منذ نحو خمسة أشهر، فالأعمال العسكرية الإسرائيلية المروِّعة أدَّت إلى ارتقاء أكثر ثلاثين ألف شهيد، وبإضافة الجرحى والمفقودين يتجاوز عدد الضحايا مئة وعشرة آلاف.. يُضاف إلى ذلك دمار ٨٠٪ من المباني، وتهديد وشيك بالمجاعة والتجويع بين الناجين.. ونظراً إلى استمرارية الأعمال الوحشيّة، فإن مواصلة الإدارة الأمريكية تقديمَ الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل يثير تساؤلات ملحَّة حول تواطئها.

هذه المادة تتطرق إلى الآثار المترتبة على الحادث، والسياق التاريخي للتضامن مع فلسطين، والحاجة الملحة إلى إعادة تقييم الدعم الغربي لإسرائيل.

  الحادث كمرآة

تضحية آرون بوشنل بنفسه تتجاوز مستوى العجز الشخصي، وتُعَدُّ بمثابة انعكاس عميق للمعضلات الأخلاقية العميقة المحيطة بالنضال الفلسطيني الحالي في سبيل الحرية.. ومن خلال التضحية بحياته، انضم بوشنيل إلى صفوف أفراد مثل (راشيل كوري)، أصبحوا رموزاً للمقاومة والتضامن مع فلسطين في خضم الاحتلال الإسرائيلي، ولقد شكلت أفعالهم الاستثنائية تحدِّياً لدعم الغرب المستمر لإسرائيل، الأمر الذي يدفع إلى إعادة النظر في القيم الأساسية لحقوق الإنسان والكرامة.

  النبض الغربي

‎أثار عمل بوشنيل موجة تساؤلات ملحوظة بين الشباب الغربي، لا سيما في الولايات المتحدة، ما يرجِّح انعطافاً في الخطاب في ما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، يعكس النشاط الرقمي المزدهر والوقفات الاحتجاجية والتظاهرات، ليؤكد تعاطفًا ووعياً متزايداً يتحدى الرواية السائدة. لقد تمَّ تأكيد هذا التحول من خلال التغييرات الأخيرة في خطاب السياسة الأمريكية، واستطلاع (هارفارد هاريس) الذي يشير إلى أن جزءاً كبيراً من الشباب الأمريكي يشكّك في جدوى إقامة دولة إسرائيل على المدى الطويل لصالح الحقوق الفلسطينية، ما يرجّح إعادة تقييم عميقة لموقف الحكومة الأمريكية من الصراع.

كما أن تسارع الضغط في الشارع الأمريكي مع اقتراب الانتخابات دفع بايدن لاتخاذ خطوات – وإن بدت شكلية- نحو إعلانه الاهتمام بتقديم الدعم الإنساني للفلسطينيين.

القيم الغربية قيد المحاكمة

العدد المروّع من الضحايا الفلسطينيين، والدمار الهائل في غزة، وردود الفعل العالمية المتناقضة تكشف مستوى النفاق في المعايير الأخلاقية المزدوجة لدى الغرب، كما أنّ إدانة الغرب لروسيا وفرضه عقوبات عليها بسبب أفعالها في أوكرانيا، بينما يتواصل تقديمه الدعم لإسرائيل مع ما تقوم به من إبادة جماعية في غزة، تخضع الآن للتدقيق من قبل محكمة العدل الدولية، تطرح أسئلة جدية حول سلامة الديمقراطية الغربية والمثل العليا لحقوق الإنسان.. وهذا الشعور العميق بالأزمة دفع بايدن في ديسمبر الماضي للقول إن “الميزان الأخلاقي” للقيم الأمريكية يواجه تحدياً بسبب الدعم الأمريكي للإبادة الجماعية في غزة، والأخطر في تقديري أن هذا الدعم الأمريكي وضع الولايات المتحدة في عُزلة دولية غير مسبوقة، كما جعل مواقفها السياسية حول العالم محل نقاش، بشأن مدى التزامها حقاً بالقيم الليبرالية الغربية.

– نظرة للمستقبل

‎يثير قمع الأصوات المؤيدة لفلسطين، لا سيما في الجامعات الأمريكية، مخاوف كبيرة بشأن مستقبل الليبرالية الغربية والأخلاق، كما تعكس الإجراءات المتَّخذة ضد المنظمات الطلابية، مثل “طلاب من أجل العدالة في فلسطين”، وخنق الحرية الأكاديمية، اتجاهاً مقلقاً للرقابة التي تتعارض مع القيم المعلنة للحرية والمساواة والعدالة؛ ويرجّح نتيجة ذلك، تقويض إرث هذه الحقبة “مصداقية الديمقراطية الليبرالية” أمام الأجيال القادمة.

عالمياً، تُشير كل المؤشرات إلى مرحلة من الفوضى على الساحة الدولية، بعد أن ساهمت الولايات المتحدة الأمريكية في تقويض دور الأمم المتحدة، وجعلت من “الفيتو” سلاحاً للاستقواء على الشعوب الضعيفة، الأمر الذي يفتح شهية الآخرين للسير في الاتجاه ذاته، وهذا يزيد من فرص الصراعات الإقليمية والدولية.

 تحول تكويني في الغرب

‎يشير الرد على احتجاج بوشنيل – خاصة بين الشباب الأمريكي- إلى تحول تكويني في الخطاب الغربي حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فالدعم المتزايد لحقوق الفلسطينيين، الذي تدفعه حركات المقاطعة العالمية، والشعور المتجدّد بالتضامن، يتحدّى الدعم السياسي والمالي التقليدي لإسرائيل، ما يعلن عن اقتراب لحظة حاسمة يتم فيها إعادة تقييم السياسة الخارجية الغربية وأُسسها الأخلاقية.

لكن هذا التحول ما زال في بدايته، وهو يحتاج لجهد كبير وطويل لضمان خلق جيل جديد في الغرب، يتبنى القيم الليبرالية بشكل حقيقي دون تمييز.

الاستنتاج

‎أثار احتجاج آرون بوشنيل جدلاً عميقاً، واستبطاناً يحرّض على إعادة تقييم حاسم للدعم الغربي المُقدَّم لإسرائيل في ضوء أفعالها الأخيرة على غزة.

 هذه اللحظة تثير تساؤلات حول الاتجاه المستقبلي لسياسات الولايات المتحدة والغرب: هل ستؤدي التضحية هذه إلى إعادة تقييم الدعم لإسرائيل؟ وكيف سيؤثر احتجاج بوشنيل على الموقف الغربي من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؟

في تقديري، فإن بايدن وإدارته سيذهبان لجملة من الإجراءات المنسقة مع الاحتلال الإسرائيلي ودول عربية مطبعة، للعمل على زيادة الدعم الإنساني للفلسطينيين في غزة، دون الإخلال بما تسميه إسرائيل إنجازاتها العسكرية في غزة، كما ستعمل حكومة بايدن على تخفيف اللهجة الداعمة لإسرائيل، مع مراعاة التوازن بين هذا الدعم وتقديم المساعدات.

في المحصلة؛ فإن تغييراً جذرياً للسياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية لن يتم في عام انتخابي يبدو حاسماً في أميركا.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

الخرافة والسياسة والولاية

الخرافة والسياسة والولاية

حينما تحضر الخرافة تموت السياسة.. هذا أبسط شيء يمكن قوله اليوم في الواقع الطائفي المأزوم الذي تعيشه المنطقة العربية على وقع انهيار الدولة الوطنية العربية، في عديد من الجمهوريات العربية، التي أُفشلت فكرة الدولة فيها لعوامل عدة. في مقدمة تلك العوامل عدم تحول فكرة الدولة...

قراءة المزيد
هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

لا شك أن هوية أي أمة تحددها الثقافة الأم التي تعتنقها أغلبية هذه الأمة، ومنذ أن أشرقت شمس الرسالة على أرض العرب، أصبح الإسلام يمثل إلى اليوم هويتها المعبرة عن ثقافتها، بعد أن صبغ فيها أوجه الحياة من تصورات وعادات وتقاليد وفنون وعلوم ومعايير رفض وقبول ونحو ذلك. ومع كل...

قراءة المزيد
جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

قبل نحو عقدين من الزمن قررت أن أكون من أصحاب السيارات لأول مرة في حياتي، ولأني لم أكن أجيد القيادة جيداً، فقد نصحني البعض أن أبدأ بالسيارات المستعملة، حتى تتحمل أية أخطاء متوقعة من المبتدئين أمثالي. لجأت إلى أحد تجار هذا الصنف في قرية مجاورة، وهو مع أقرانه خليط من ذوي...

قراءة المزيد
Loading...