جيش النكسة يعود من جديد

بواسطة | مايو 16, 2024

بواسطة | مايو 16, 2024

جيش النكسة يعود من جديد

الزمان: شتاء عام 2017

المكان: محافظة كفر الشيخ، إحدى محافظات الدلتا بشمال مصر

الحدث: الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” يفتتح مشروعا للاستزراع السمكي.

يقف القادة العسكريون بوجوه واجمة وملامح جادة، أمام الجنرال الذي انقلب على الحكم في بلاده، يؤدون التحية العسكرية له، ويعرّفون عن أنفسهم وأدوارهم في المشروع الذي أعلنت القوات المسلحة عن إنجازه، يتابع المصريون الحدث الذي تنقله أغلب محطات التلفزة المصرية، الحكومية منها والخاصة.

يمسك الضابط بالميكرفون، ليعرف عن نفسه قائلا: رائد مقاتل قائد خط الجمبري يا فندم، ثم يقدم شرحا لمنتجاته من الجمبري المُعلَّب في أطباق الفوم “فهذا جمبري كامل، حجم كيلو جرام، وهذا جمبري منزوع الرأس، وهذا جمبري مسلوق، وهذا جمبري حجم نصف كيلو جرام”.. تدور الكاميرا بين وجوه السيسي والقادة العسكريين، لتنقل لنا السعادة البادية على ملامحهم، ومشاعر الفخر التي تملأ المكان.

تتوالى بعدها كلمات الضباط العسكريين، حيث يقفون أمام السيسي وبمواجهة الكاميرات، فيمسك كل منهم بالميكرفون، ويعرّف عن نفسه ومهمته الدقيقة في المشروع، فهذا رائد مقاتل قائد خط السمك، وذاك مُقدم مقاتل قائد مصنع الثلج، ومن بعدهم يأتي رائد مقاتل قائد مصنع الفُوم، ويتبعه مقدم طبيب بيطري قائد مصنع العلف، وأخيرا رائد مقاتل قائد محطة التحلية.

لم يمر الحدث وقتها مرور الكرام، حيث استمرت آثار الصدمة على الشارعين المصري والعربي لعدة أيام، وتفجرت موجة ضخمة من السخرية المريرة، وحفلت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات الكوميدية والصور الطريفة عما أسموه بـ “جيش الجمبري”، وكان أشد ما أثار الدهشة وحمل على الاستهزاء، هو كلمة “مقاتل” التي عرّف بها العسكريون عن أنفسهم في أعقاب ذكر الرتبة العسكرية، وقبل الإفصاح عن وظيفتهم في خطوط الإنتاج، فلم يفهم المتابعون ما علاقة إنتاج السمك والجمبري بعمليات القتال!.

 وكان الجيش المصري قد اقتحم الحياة المدنية، وسيطر على مجالات عديدة من مجالات الاقتصاد، حيث بدأ الأمر في العام 1979 حين أصدر رئيس الجمهورية الراحل “محمد أنور السادات” القرار رقم 32 لسنة 79، بإنشاء ما يعرف باسم “جهاز مشروعات الخدمة الوطنية” التابع للقوات المسلحة، وقيل وقتها إن الهدف منه هو تحقيق الاكتفاء الذاتي النسبي من الاحتياجات الرئيسية للجيش، لتخفيف أعباء تدبيرها عن كاهل الدولة، مع طرح فائض الطاقات الإنتاجية في السوق المحلية.

إلا أن التوسع الكبير الذي حدث منذ ذلك الوقت، وعلى مدار 30 عاما من حكم مبارك، لا يُقارن مطلقا بحالة التوغل المرعبة، التي شهدتها البلاد زمن السيسي، منذ اللحظة الأولى لانقلابه في عام 2013م؛ حيث جمعت المؤسسة العسكرية في مصر بيدها كافة خيوط الاقتصاد المصري، فلم يعد الجيش يقنع بمصانعه التي تنتج لنا الأدوات المنزلية والأواني وحِلل الطبخ، والمنتجات الغذائية “كالمعكرونة والصلصة والسمن”، ولا بمحطات البنزين وقاعات الأفراح والمزارع والفنادق وشركات السياحة، والمقاولات، واحتكاره لمشروعات الدولة في البناء وتشييد الكباري ورصف الطرق وحفر الأنفاق، فوجدناه يقتحم مجالات أخرى مختلفة مثل صناعة الدواء، وألبان الأطفال، واستصلاح الأراضي، ومزارع الجمبري والأسماك، وصناعة الكعك و”البسكويت”، بالإضافة إلى المجال الإعلامي والدرامي، وإنتاج المسلسلات والأفلام.. حالة من التوحش، والرغبة في ابتلاع كافة موارد ومقدرات البلاد، مع ترسيخ صورة مشينة للجيش المصري، تقطع أي علاقة له بالعسكرية ومهام حماية الأرض والحدود، وتركز على امتهانه ونزع هيبته وقيمته من العيون!

بدأ الأمر مبكرا بعد عام واحد من انقلاب السيسي العسكري، وتحديدا في شهر رمضان، الموافق يوليو/ تموز عام 2014، حين أعلنت “دار المعدات والأسلحة والذخيرة” بالجيش المصري عن إنتاجها الجديد.. لا، ليس من المدرعات ولا من الرشاشات، بل من كعك العيد، وصواني “الغُريبة” و”البيتيفور” و”البسكويت”، وقد تسبب ذلك الإعلان في حالة من الصدمة والجدل الشديد، وانهالت التعليقات الساخرة على مواقع التواصل، فكان الشعار الأكثر شهرة وقتها: “والله وعجنوها الوحوش”.

لم يستوعب المصريون، كيف تركت قواتهم المسلحة مهامها العسكرية، وانشغلت بالعجن والخبز؟! وكيف يُطلَق على جيش الدولة الأكبر في المنطقة “جيش الكعك والبسكوت”؟! كما اشتكى تجار المخبوزات من الضرر الشديد، الناتج عن منافسة غير عادلة، مع مؤسسة لا تتحمل تكلفة الأيدي العاملة والنقل والوقود، كما أنها لا تدفع ضرائب، وتحصل على المياه والكهرباء من الدولة بالمجان.

لم تكن تمر عدة أشهر إلا وينشغل المصريون بالحديث عن منتجات غذائية جديدة، يتم طرحها في الأسواق، ويقترن اسمها بأسماء لوحدات عسكرية، كان التلفظ بها من قبل يوحي بالمهابة والاحترام، فتحول الأمر لأشبه بدعابة سخيفة، فها هي لحوم القوات المسلحة، ودواجن الجيش الثاني الميداني، وجبن رومي مبشور من إنتاج الجيش الثالث الميداني، يملأ المعارض والأسواق، كما أن منافذ البيع التي تحمل أسماء تلك الجيوش تمتلئ بها القاهرة وعدد من المحافظات. أما دار الدفاع الجوي، فبات اسمها يتردد على الألسنة وفي المحافل والتجمعات، ليس لمعارك بطولية خاضتها – لا سمح الله- بل في أعقاب حملة إعلانية ضخمة عن قاعات الأفراح التي تمتلكها باسم: “فرحك عندنا”.

وترسيخا لهذا النهج الجديد للقوات المسلحة، أطلعتنا صحيفة الوقائع المصرية، في يوليو/ تموز 2016، على خبر تغيير شعار الهيئة العربية للتصنيع، وتبديل شعارها القديم الذي تتصدره كلمات آية قرآنية {وأعدُّوا لهم ما استطعتم من قوةٍ}، ويتضمن رسمًا لصاروخ وترس وذرَّة، ليحل محله شعار جديد يقتصر على الترس والحروف الأولى للهيئة باللغة الإنجليزية (AOI).

وللتذكرة.. فالهيئة العربية هي إحدى ركائز الصناعة العسكرية في مصر، وأنشئت عام 1975م بتعاون بين مصر وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات، بهدف بناء قاعدة تصنيع دفاع عسكري مشتركة والإشراف على تطويرها، وفي عام 1993م، قامت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات بإعطاء مصر أسهمهما في الهيئة، والتي بلغت قيمتها آنذاك 1.8 مليار دولار، فأصبحت الهيئة مملوكة بالكامل للحكومة المصرية، ويعمل بها حوالي 19000 موظف، منهم 1250 مهندسًا، وتمتلك الهيئة 12 مصنعًا إلى جانب المعهد العربي للتكنولوجيا المتقدمة، وتقوم بتصنيع السلع المدنية بجانب بعض المنتجات العسكرية.

وربما يشير حذف الآية القرآنية من الشعار إلى التغيير الذي يتمنى السيسي حدوثه في عقيدة الجنود، خاصة وقد شهد هذا العام حفلا لتخريج دفعات جديدة من الكليات الحربية والفنية العسكرية، وقدم الخريجون فيه استعراضا، يصورهم وهم يقاتلون داخل قرية من المدنيين، ويهدمون مسجدا بها بدعوى تخليصها من براثن الإرهابيين. وربما يشير حذف رمز الصاروخ إلى توجيه رسالة تطمين لعدو مصر التاريخي “إسرائيل”، بأن الهيئة لم يعد من أهدافها تصنيع السلاح، وهو ما يتناسب مع العلاقات القوية والمريبة بين نظام “عبد الفتاح السيسي” والكيان الصهيوني.

وبحذف رمز الذرّة، يبدو وكأننا لم نعد بحاجة إلى البحث العلمي، والذي كان يتمثل في المعهد العربي للتكنولوجيا المتقدمة الذي يتبع الهيئة، وهو ما يتوافق مع مقولة السيسي الشهيرة “ماذا يصنع التعليم في وطن ضائع”، ومع تَذيُّل مصر الدائم لقائمة الدول في جودة التعليم.. وبالإبقاء على رمز الترس وحده، تأتي الرسالة واضحة وصريحة للاتجاه نحو الصناعات المدنية والاستهلاكية وحسب.

لكن التوغل في الصناعات المدنية، والسيطرة على الاقتصاد المصري، واحتكار مجالات الربح، وخنق القطاع الخاص، ومنافسة التجار في أرزاقهم ودفع الكثيرين منهم للإفلاس.. تلك الأمور لم تكن هي الطامة الوحيدة التي ارتكبها الجيش المصري زمن السيسي، فتعمُّد إظهار العسكريين، بلباسهم العسكري وأسماء وحداتهم داخل الجيش، في مجالات استهلاكية مُهينة، رأى فيه البعض محاولة لتحطيم صورة الجيش، ونزع هيبته واحترامه من النفوس.

وكما كان مشهد رائد مقاتل خط الجمبري، علامة فاصلة في ذاكرة المواطنين، جاء مشهد لواء أركان حرب إنتاج البسكويت، في فبراير/ شباط 2023 كواحد من أكثر المشاهد هزلية وعبثية في تاريخ المصريين، حيث تقف مذيعة تليفزيون “صدى البلد” تستعرض مع لواء أركان حرب “تيمور موسى” إنجازات مصنع “سايلو فودز” للأغذية، الذي أنشأته القوات المسلحة؛ فيقف الجنرال العسكري، وأمامه طاولة عليها صناديق بسكويت الأطفال، ليشرح متفاخرا الدور البطولي للجيش الذي قرر أن يعوض المصريين عن نقص أنواع معينة من الحلويات، كان يتم استيرادها قبل اندلاع حرب روسيا وأوكرانيا.

بدا مشهد المذيعة وهي تُظهر إعجابها الشديد، بل وتعجبها مما يعرضه الجنرال، وصورة اللواء أركان حرب ببدلته العسكرية المهيبة، ورتبته التي تعد أرفع الرتب في الجيش المصري، وهو يتفحص قطع “البسكويت” ويستعرض طعومها اللذيذة، فصلا كوميديا مريرا من مسلسل امتهان وانتقاص الجيش المصري في زمن الانقلاب.

تلك المشاهد المؤلمة لم تكن لتكتمل إلا بالمقطع المصور الذي نشرته إسرائيل لدباباتها وآلياتها، وهي تسرح وتمرح على الحدود المصرية في السابع من أبريل/ نيسان هذا العام، حاملة أعلامًا صهيونية بأكبر حجم يمكنك أن تراه، ويصاحبها أصوات لجنود صهاينة يصرخون، قائلين: “ها نحن اقتحمنا محور فيلادلفيا يا مصريين”.. وهو المحور الذي حذرت مصر الإسرائيليين من اقتحامه، وتنص اتفاقية السلام بينهما على منع وجود الدبابات فيه.
ومن قبل ذلك كان مشهد “استسلام جنود مصريين” في قاعدة مروي شمال السودان، لقوات الدعم السريع، في أبريل/ نيسان عام 2023، وهي الميليشيا العسكرية المرتزقة، التي يقودها محمد حمدان دقلو، الشهير بـ “حميدتي”، وقد قامت بتصوير اعتداءاتها على الجنود، بتوجيه السباب اللاذع إليهم، وإطلاق التسميات القبيحة على الجيش، مع إجبارهم على الزحف أرضا على بطونهم، إمعانا في إهانتهم والتنكيل بهم.
ببساطة، يمكننا القول إن ما فعله السيسي بالجيش المصري ربما هو الأشد خزيا، والأكثر مهانة في التاريخ، وأورثه عارا أكبر مما لحق به في أعقاب هزيمته المذلة أمام الصهاينة عام 1967م.
لله الأمر من قبل ومن بعد.

6 التعليقات

  1. جاب الله عبد الرازق الله عبد الرازق حسين

    حسبي الله ونعم الوكيل في السيسي العميل ضيع هيبتنا

    الرد
  2. Ashraf ahmef

    مقال رائع
    بارك الله فيك

    الرد
  3. Ashraf ahmef

    مقال أكثر من رائع
    بارك الله فيك

    الرد
  4. أبو سالم الحامد

    دوام الحال محال ولابد للشرفاء في جيش مصر أن ينهضوا ويتولوا زمام الأمر عاجلاً أو آجلا فصبراََ جميل والله المستعان يامصر الكنانة

    الرد
  5. ‪mostafa gaweesh‬‏

    سلمت يداك أستاذة شيرين عرفة،

    رفع واقع بائس مؤلم ،

    الرد
  6. م / مدحت عثمان

    متي تعود لمصر هيبتها كما كانت
    العدو الوحيد إسرائيل يتهاوي علي ايدي حماس
    الفرصة ساحة لدعم حماس وحمل شارات النصر من جديد

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

شمال غزّة يموت جوعا!

شمال غزّة يموت جوعا!

المشهد الأول: نخوة العرب في الجاهلية بعد أن وقّعت قريش وثيقة المقاطعة الظالمة لبني هاشم، وعلقتها في الكعبة لتعطيها شيئا من القداسة، جاء هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، لتمزيق هذه الصحيفة رغم أنهم كانوا جميعا على الشرك، ولكن كان...

قراءة المزيد
مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

والد لا يعارض ثورة أمَّمت شركاته خسر والد محمد سلماوي كثيرًا من مشاريعه التجارية بسبب التأميم، وكذلك خسر أراضي زراعية بسبب الإصلاح الزراعي، لكنه لم يعترض في فترة حكم عبد الناصر، وهُنا أعجبني تحليل سلماوي موقف والده، فقد اندهش سلماوي كثيرًا بعد رحيل عبد الناصر، وحين...

قراءة المزيد
لا نامت أعين الجبناء

لا نامت أعين الجبناء

في سكرات موته بدا واهنًا بشكل لا يُصدَّق، كان قادرًا على أن يلمح الوجوه الجزعة التي جاءت لتطمئن عليه، لم يستطع جسده المحموم أن يبلغ به وضع القعود، فتحسس جسده بكلتا يديه وابتسم ! إن جسده المرهق الواهي ليس فيه موضع سليم، لا يوجد شبرٌ واحد على حاله التي خُلق عليها،...

قراءة المزيد
Loading...