حرب غزة.. سؤالٌ في القانون الدولي

بواسطة | يناير 3, 2024

بواسطة | يناير 3, 2024

حرب غزة.. سؤالٌ في القانون الدولي

انكسر الزجاج وتصدّعت أشطاره، فحملتْ عواصم الغرب قطعة واحدة، تستقرئ منها هولَ المصيبة التي لحقت بالمستوطنين الإسرائيليين ومصير الرهائن المئتين والأربعين لدى مقاتلي حماس، وسط تعبئة شاملة لطاقاتها العسكرية والسياسية في تأييد إسرئيل وحماية أمنها القومي؛ لكن المسؤولين في تلك العواصم انجرفوا نحو آفة التفكير الجماعي المتطابقGroupthink ، ولم ينظروا إلى القطعة الزجاجية الأخرى، بل تجاهلوا هول الكارثة الإنسانية التي ألمّت بالمدنيين الذين قتل القصفُ الإسرائيلي العشوائي أكثر من عشرة آلاف منهم خلال أربعة أسابيع، ناهيك عن القطع العمد لإمدادات الماء والكهرباء والوقود.

ومع حلول الشهر الثالث من الحرب، لا تزال منظمة الصحة العالمية تطالب بالسماح للفئات الأكثر ضعفا بين المصابين بأمراض مزمنة بمغادرة غزة، لتلقي العلاج في دول عرضت استقبال المرضى، هي تركيا ومصر والإمارات. ويوجد في غزة 350 ألف مريض يعانون أمراضا مزمنة، بما فيها السرطان والسكري وفقر الدم، بالإضافة إلى 50 ألف امرأة حامل، وذلك بحسب بيانات منظمات الأمم المتحدة؛ ولم تسمح إسرائيل سوى لنحو 80 مريضا بالخروج من غزة.

هي أزمة إنسانية في حرب غير متكافئة من حروب الجيل الرابع بين طرفي المواجهة؛ فأحدهما جيش نظامي متطوّر يسعى لفرض الأمر الواقع بالقوة، والآخر حركة اجتماعية وطنية تتولّى المسؤولية في مجابهة منظومة احتلال غير شرعي بمقتضى القرارين 242 و338 وبقية قرارات الأمم المتحدة بعد فضل اتفاق أوسلو القديم واتفاقات أبراهم الجديدة. وهذه الحركة هي – في ضوء أدبيات علم السياسة وعلم الصراعات- حركة اجتماعية متجذِّرة في سياقها السوسيولوجي الفلسطيني، وتجاري في سيرورتها تطور حركات اجتماعية تاريخية، مثل حركة شين فين الإيرلندية بين تأسيسها عام 1905 وانشطارها عام 1970، وفوزها بالأغلبية من مقاعد برلمان أيرلندا الشمالية عام 2022؛ وهي تجاري أيضا جبهة التحرير الوطني في الجزائر، التي كانت فرنسا في بداية الخمسيات تعتبرها “حركة مارقة”، ثم تحوّلت إلى شريك مفاوض من أجل إعلان استقلال الجزائر عام 1962؛ فضلا عن المؤتمر الوطني بزعامة نلسون مانديلا في جنوب أفريقيا بين سبعينيات القرن الماضي وتولي مانديلا الرئاسة عام 1994، وتطور طالبان من حركة “إرهابية مارقة” عام 2001 إلى شريك مفاوض مع الولايات المتحدة في إعادة بناء أفغانستان عام 2021.. والقائمة تطول.

بيد أن الأزمة المتفاقمة حاليا في غزة، وسط تقاعس حكومات الغرب عن الوساطة في التوصل إلى هدنة مؤقتة أو فرض وقف إطلاق النار، كما هو منطق ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص أولا وأخيرا على “ضمان الأمن والسلم الدوليين”، تثير  أكثر من سؤال حول الغاية من نصوص القانون الدولي الإنساني، سواء اتفاقات جنيف الأربع منذ 1949، أو بروتوكولات 1977، أو مبدأ “المسؤولية عن الحماية”   ”Responsibility to Protect (R2P)”  الذي تبنّته الأمم المتحدة رسميا منذ 2005؛ ولم يقترب السجال في الأمم المتحدة من مناقشة ضرورة التدخل في عز الحرب الضروس إما بمقتضى الفصل السادس أو السابع من الميثاق، كما كان الحال عقب اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا أو إبان حرب البوسنة والهرسك عام 1994، ولم يتجلَّ التفكير ولو بالحد الأدنى بشأن الحاجة لنشر قوة حفظ سلام دولية في غزة لمراقبة الأعمال التي تستهدف المدنيين بشكل تعسّفي، فيما تنتشر تلك القوات الدولية بين 12 من بؤر الصراع في العالم.

هذه أضلاع مفارقة مهمّة، وهي بمثابة الشجرة التي تخفي خلفها الغابة، إذا تأمّلنا المسافة القائمة بين المنحى المعياري وروح المثالية السياسية بضرورة حماية المدنيين في الحرب من ناحية، والمنحى البراغماتي والسؤال عن مدى حرص المجتمع الدولي حقيقةً على قياس درجة التزام الأطراف المتصارعة بتلك المبادئ وقواعد الاشتباك ومراعاة المحظورات خلال القصف الميداني. 

راز سيغالRaz Segal ، وهو أستاذ دراسات المحرقة والإبادة الجماعية في جامعة ستوكتون بولاية نيوجيرزي الأمريكية، في مقالة بعنوان ”A Textbook Case of Genocide” أي “إبادة جماعية قائمة بذاتها”، نشرتها مجلة جويش كارونتس “Jewish Currents” يقول: “إن الحملة التي تشنها إسرائيل لتهجير سكان غزة، وربما طردهم تماما إلى مصر، هي فصل آخر في النكبة، التي طُرد فيها ما يقدر بنحو 750 ألف فلسطيني من منازلهم خلال حرب عام 1948، وأدت إلى إنشاء دولة إسرائيل؛ ولكن الهجوم على غزة يمكن أن يُفهم أيضاً بمصطلحات أخرى، باعتباره حالة نموذجية من حالات الإبادة الجماعية التي تتكشف أمام أعيننا.”

تركز سردية بعض العواصم الغربية في سجالات مجلس الأمن الدولي في نيويورك على رفض الدعوات لوقف إطلاق النار؛ وقررت الولايات المتحدة استخدام حق النقض ضد أكثر من مشروع قرار روسي وآخر برازيلي بذريعة أنه “لم يفعل ما يكفي للتأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”. وجنّد وزير الخارجية الأمريكية أنثوني بلينكن والمندوبة الأمريكية ليندا توماس غرينفيلد كافة طاقاتهما الذهنية ومهاراتهما الدبلوماسية لثني الأمين العام أنطونيو غوتيريش عن ذكر عبارتيه المثيرتين: “إن من الواضح حدوث انتهاكات لمبادئ القانون الدولي الإنساني”، وأن “لا طرف في أي صراع فوق هذا القانون”، بالتلويح بعبارة تبريرية فضفاضة أنه “لا يمكن لأي عضو في هذا المجلس – أي دولة في هذه الهيئة بأكملها – أن يتسامح مع ذبح شعبه”، كما قال بلينكن بنبرة من ينطق بحكمة “الفضيلة السياسية”. ويمكن تحليل هذه المفارقة بين وجود قانون دولي إنساني واضح البنود والقواعد، وعدم توفيره حماية المدنيين ولو بالحد الأدنى في غزة، بأربعة أسباب مختصرة:

– أولا: لا يتحرّك القانون الدولي الإنساني من صفحات المراجع المرصوصة على الرفوف إلا بفعل فاعلين سياسيين في مراكز صنع القرار الدولي والمحلي؛ وعندما يبتعد مجلس الأمن الدولي في جلساته الطارئة عن التوافق على صيغة لهدنة مؤقتة، يكون مجلس الأمن قد انبرى إلى مؤسسة طيّعة لما يمارس أكبر ضغط ممكن. وكلّما قاوم بلينكن وغرينفيلد مشاريع القرارات الروسية والبرازيلية تحوّل مجلس الأمن إلى ميدان استعراض القوة بحكم الفيتو، وليس مجلس حكماء يتمسكون بسياسة القيم Moral politics  وبقية مناحي الفضيلة السياسية التي حث عليها أرسطو وأفلاطون قديما، ونادى بها مهندس الحداثة الغربية إيمانويل كانط في القرن الثامن عشر. ينشطر المشهد حاليا إلى حلبتين للسجال السياسي؛ حلبة القوة وخطاب أمن إسرائيل في مجلس الأمن، وحلبة قيم الشرعية والحق والعدالة في الجمعية العامة ومنظمة الصحة العالمية واليونسيف واليونسكو وبقية الوكالات الدولية.

– ثانيا: ثمة منطقة رمادية بين فلسفة القانون الدولي الإنساني والمؤسّسات السياسية والعسكرية والإعلامية وكل من يساهم في بلورة الخطاب العام أوقات السلم وأوقات الحرب. خطاب الحرب يفرض ذاته ذهنيا ونفسيا بفعل مبدأ القوة وشتّى أصناف الواقعية السياسية بين واقعيات “خالصة”، وواقعيات “دفاعية”، وواقعيات “هجومية”، وواقعيات “جديدة”، والترتيب لكيفية اجتماع المنظّرين القدامى والجدد حولها، من توماس هوبز، ونيقولو ميكيافيلي، وراينولد نيبور، وإدوارد كار، وهانز مورغانثو، وكينيث والت، وريمون آرون، وجون مورشايمر، إلى ستيفان والتز حاليا.

نحن الآن في حقبة مناورات اليمين واستعراض العضلات في العلاقات الدولية من حكومة متطرفة بزعامة بنيامين نتنياهو في إسرائيل، وحكومات غربية مع أنظمة حكم مطبّعة في المنطقة العربية، أضحت شبه ليكودية من فرط خشيتها من انتقام اللوبيات الإسرائيلية خلال الانتخابات؛ مثل حكومة بايدن في واشنطن، وحكومة سوناك في لندن، وحكومة شولتز في برلين، وحكومة ماكرون في باريس.. فأصبحت المعادلة الآن تشمل الخصم والحكم في صفّ واحد، وعُدنا من جديد إلى منطق القوة ذاته الذي هيمن خلال حرب أسبارطة وأثينا قبل 2500 عام، وبيَّنه المؤرخ الإغريقي توسيدايدس ”Thucydides” عندما قال: “للأقوياء أن يفعلوا ما يريدون، وعلى الضّعفاء أن يعانوا ما يتحتّم عليهم”.. في كل حرب، هناك ثلاث معارك متوازية: معركة عسكرية وأخرى إعلامية، وثالثة سياسية، وبينها تتنافس سرديات القوة والبطش وسرديات المعاناة وقيم الإنسانية؛ وبعدما تفتّقت قريحة وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو عن الدعوة لإلقاء قنبلة نووية على سكان غزة، ظل ضمن الحكومة، واتضح المؤشر على مدى ضعف نتنياهو واحتمائه بحزب “عوتسما يهوديت” بزعامة إيتمار بن غفير.

– ثالثا: رغم التعاطف مع الضحايا وعائلاتهم من بعيد، لم نصل بعد – كأركان رأي عام وهيئات مجتمع مدني عبر العالم- إلى تفكيك مقولة أن مقتل المدنيين “نتيجة طبيعة” للحروب في غزة أو غيرها، وإعادة تركيب سلوك الجيوش التي أضحت تستخدم أدوات التكنولوجيا والأسلحة المتطورة في تكثيف مدى الفتك بالمدنيين أكثر من المقاتلين؛ وأصبحت الجماهير خلف الشاشات تعايش نمطا متواترا في التطبيع مع إزهاق أرواح المدنيين على أنها مضاعفات “مرتقبة ومنطقية”. فلماذا لم تركّب وسائل الإعلام المتطورة بعد نسقا مدنيا أو خاصا بالمدنيين ضمن تغطية الحروب؟ ولماذا لم تتجاوز التغطيات الإعلامية في العالم ما اعتبره استثناءً عسكريًا مهيمنًا في التغطية خلال المعارك؟

أعود إلى كتاب أصدرتُه مع زميلي في الجامعة الدكتور دانييل روثبار عام 2012 بعنوان “Civilians and Modern War: Armed Conflict and the Ideology of Violence” أي “المدنيون والحرب المعاصرة: الصراع المسلح وأيديولوجيا العنف”، لأقتبس منه العبارة التالية: “يتم ترديد Collateral damage أو الأضرار الجانبية بشكل متزايد في المؤتمرات الصحفية التي تنقلها القنوات التلفزيونية، ويتم تكرارها ضمن التقارير الإخبارية على مدار الساعة.. يبدو أنّ فهمنا الجماعي يغرق في استيعاب ساذج لأساطير أو ميثولوجيا مألوفة تمتصّ جميع أعمال سوء المعاملة أو التعذيب أو الاغتصاب أو النزوح أو القتل التي يتعرض لها المدنيون كجزء من نظام الحرب.”

– رابعا: الحاجة لإعادة تركيب نظرية جديدة للتغيير.. أيحدث بدوافع من أعلى إلى أسفل، أم بفعل الزخم المتنامي في حركية من أسفل إلى أعلى؟ وتبرز هنا الحاجة لضرورة التشبيك مع المنظمات الدولية غير الحكومية، وهيئات المجتمع المدني، واتحادات طلاب الجامعات وجمعيات الأكاديميين واليسار الليبيرالي، والجماعات اليهودية غير الصهيونية المناصرة للحق الفلسطيني في الغرب. وقد أظهر استطلاع أجرته جامعة ميرلاند أن نسبة الأمريكيين الذين يريدون أن تقف الولايات المتحدة إلى جانب الفلسطينيين ظلت ثابتة نسبياً منذ يونيو/ حزيران، وتعززت نسبة الذين يريدون أن تميل الولايات المتحدة نحو إسرائيل، ليس بين الجمهوريين فحسب، ولكن أيضاً بين الديمقراطيين، حيث ارتفعت من 13.7% في يونيو/ حزيران إلى 30.9% في أكتوبر/ تشرين الأول، كما ارتفعت بين المستقلين من 20.8% في يونيو إلى 37.9% في أكتوبر.

في الوقت ذاته، وقّع أكثر من عشرين من الكتّاب والفنانين اليهود الأمريكيين رسالة مفتوحة إلى الرئيس بايدن، يدعون فيها لوقف فوري لإطلاق النار في غزة؛ من بينهم جودي باتلر التي تعد من أبرز اليسار المثقف في الولايات المتحدة، إذ قالت إن “علينا جميعًا أن نقف ونعترض وندعو إلى وضع حد للإبادة الجماعية”، وأضافت: “إلى أن تتحرر فلسطين سنستمر في رؤية العنف، سنستمر في رؤية هذا العنف البنيوي يُنتج هذا النوع من المقاومة”، وتختزل العبارة الأخيرة الجدلية الحتمية، أنه كلما زاد العنف الإسرائيلي زادت المقاومة الشعبية الفلسطينية، عملا بالقاعدة الفيزيائية لإسحاق نيوتن: “لكل فعل ردة فعل في الاتجاه الآخر”. ومن أشهر كتب باتلر  The Force of Nonviolence: An Ethico-Political Bind   و Parting Ways: Jewishness and the Critique of Zionism. 

يشير نائب الرئيس التنفيذي لمركز السياسة الدولية ماثيو دوس في مقالة نشرتها مجلة فورين بوليسي Foreign Policy إلى “تدمير قصر أحلام آخر: جهود حكومة بايدن لتعزيز البنية الأمنية في الشرق الأوسط، التي تهيمن عليها الولايات المتحدة من خلال اتفاقيات دفاع أوثق مع الحكومات القمعية المختلفة في المنطقة. والحلمُ الأول هو ما كان يتحدث عنه فؤاد عجمي مؤلف كتاب The Dream Palace of the Arabs عام 1998 في انتقاد القوميين والمثقفين العرب؛ وقد قال وقتها “في التاريخ السياسي العربي المليء بالأحلام المحبطة، لن يُمنح الكثير من الشرف للبراغماتيين الذين يعرفون حدود ما يمكن وما لا يمكن فعله”. وخلص دوس إلى القول إنّ “الاختيار ليس بين السياسة الواقعية وسياسة القيم، بل بين إستراتيجية أمنية أميركية تتجاهل حقوق الإنسان وإستراتيجية ناجحة.”

أستاذ تسوية الصراعات والدبلوماسية والعضو السابق في لجنة الخبراء في الأمم المتحدة.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

شمال غزّة يموت جوعا!

شمال غزّة يموت جوعا!

المشهد الأول: نخوة العرب في الجاهلية بعد أن وقّعت قريش وثيقة المقاطعة الظالمة لبني هاشم، وعلقتها في الكعبة لتعطيها شيئا من القداسة، جاء هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، لتمزيق هذه الصحيفة رغم أنهم كانوا جميعا على الشرك، ولكن كان...

قراءة المزيد
مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

والد لا يعارض ثورة أمَّمت شركاته خسر والد محمد سلماوي كثيرًا من مشاريعه التجارية بسبب التأميم، وكذلك خسر أراضي زراعية بسبب الإصلاح الزراعي، لكنه لم يعترض في فترة حكم عبد الناصر، وهُنا أعجبني تحليل سلماوي موقف والده، فقد اندهش سلماوي كثيرًا بعد رحيل عبد الناصر، وحين...

قراءة المزيد
لا نامت أعين الجبناء

لا نامت أعين الجبناء

في سكرات موته بدا واهنًا بشكل لا يُصدَّق، كان قادرًا على أن يلمح الوجوه الجزعة التي جاءت لتطمئن عليه، لم يستطع جسده المحموم أن يبلغ به وضع القعود، فتحسس جسده بكلتا يديه وابتسم ! إن جسده المرهق الواهي ليس فيه موضع سليم، لا يوجد شبرٌ واحد على حاله التي خُلق عليها،...

قراءة المزيد
Loading...