حكايات بغدادية حول رغدة “أم محمد”.. من كوبونات صدام إلى براميل الأسد!

بواسطة | يونيو 4, 2024

بواسطة | يونيو 4, 2024

حكايات بغدادية حول رغدة “أم محمد”.. من كوبونات صدام إلى براميل الأسد!

بعد سقوط التمثال الشهير لصدام حسين في ميدان الفردوس ببغداد بتاريخ 9 أبريل 2003، إيذانا بوقوع بلاد الرافدين في قبضة الاحتلال الأميركي، شددت الرحال إلى العراق لتغطية أحداثه.

كان البلد في حالة فوضى شاملة، طالت مختلف أوجه الحياة.. المقتحمون للقصور الرئاسية ومنازل كبار مسؤولي النظام ومؤسسات الدولة يخرجون بحكايات تختلط فيها الحقائق بالأوهام، والوقائع بالشائعات.

كالعادة في مثل تلك الظروف المضطربة، وبعد انهيار سلطة حديدية، كان قطاع من الشارع العراقي يُركز على قصص النساء في حياة مسؤولي النظام المنهار.. في التاكسـي، وفي مقهى “الشابندر” العتيق بشارع المتنبي، سمعت الكثير من الحكايات التي قد يكون فيها بعض الصدق مع كثير من المبالغات.

كانت الفنانة السورية “رغدة” القاسم المشترك فيما تلوكه الألسن، وليس هذا غريباً، فهي أحد أشهر الوجوه التي ترددت على بغداد خلال فترة الحصار.. مع أية دعوة في القاهرة لـ”دعم الشعب العراقي” كانت رغدة – ومعها الممثل الكبير محمد صبحي- يتصدران الوفد المسافر إلى عاصمة الرشيد، والذي كان بمجرد وصوله يولّي وجهه شطر أحد قصور الرئاسة، حيث يقبع الرئيس القائد صدام حسين.

 كان الزعيم المهيب – بحسب ما سمعت في بغداد، فضلاً عن روايات الحاضرين لمثل تلك اللقاءات- ينادي رغدة بلقب “أم محمد”، كدليل على مدى قربها من العراقيين لمساندتها الدائمة لهم في محنتهم؛ لكن “الحكاوي” البغدادية تزعم أن رغدة لم تكن مقربة لأحد في العراق سوى لمسؤولي النظام.. ادَّعى أحدهم نقلاً عن ضابط جوازات في مطار بغداد أن الفنانة السورية وصلت علاقتها بهؤلاء المسؤولين إلى حد “النسب”، وأنها – حسب زعمه- متزوجة من شقيق “عبد حمود”، السكرتير الخاص لصدام، وأن هذا الزواج أثمر عن ولد شاهد الضابط صاحب الرواية بنفسه شهادة ميلاده !

غير أن بعضهم رأوا أن هذه الحكاية – رغم ما فيها من تشويق وإثارة- لا تكفي فضول الفضوليين وشغف الشغوفين بالثرثرة في مثل هذه الخفايا؛ فراحوا يزعمون أن علاقة الزواج الحقيقية لرغدة في العراق كانت مع صدام بشحمه ولحمه، ولذلك فإن نصيبها كان كبيراً من كوبونات “النفط” الشهيرة وقتها!

لكن..

الثابت وسط هذه المزاعم والروايات والمبالغات أن رغدة – وفق تصـريحاتها- كانت تشيد بصدام حسين وبصموده أمام “التحالف الغربي الفاجر”! هذه الإشادة الدائمة منها جعلتها بطلة لنكتة أطلقها المصـريون بعد إعدام صدام، حيث اخترع أحدهم “نعيّاً” له نصه: “توفي أمس الرئيس العراقي صدام حسين، والعزاء اليوم للرجال في منزل الفنان محمد صبحي، وللنساء في منزل رغدة”!

الربط بين رغدة وصدام وكوبونات “النفط” لم يقلل من شأن هذه الفنانة عندي، فكلها أقاويل لا دليل قاطع يؤكدها.. كما أنها كانت نموذجاَ مختلفاً للفنانات لم نعهده في مصر شكلاً ومضموناً؛ هيفاء بنظرات متحدية، وجه مشـرق وبشـرة تبدو من النضارة وكأنها مُشرَبة بخُضـرة الشام ومُحمّلة بنسمات هواء “بردى”، على عكس بشـرة العوام المنهكة من تراب الشوارع وتلوث الهواء.. وقبل هذا وبعده فإن رغدة ملأت الكثير من المطبوعات بأشعارها ونثرها ومقالاتها، أي إنها رمز للفنانة المثقفة تستحق الدعم والمساندة!.

لكن “من جاور الحداد ينكوي بناره”؛ فالواضح أن المقابلات المتكررة مع صدام أصابت “أم محمد” بعدوى “الديكتاتورية”، وجعلتها لا تستطعم الحياة أو تستلذها دون الإشادة بأي ديكتاتور، فوجدت ضالتها في بشار الأسد، الذي وصلت في إشادتها به إلى آفاق أرحب باعتباره “بلدياتها”.. مين يشهد للعروسة؟!

منذ بدء الثورة السورية، انضمت رغدة فوراً إلى فريق محامي بشار.. ظهرت أيامها في برنامج “الديكتاتور”، الذي يقدمه الكاتب الصحافي والإعلامي المصـري البارز إبراهيم عيسـى، حينما كان يطل على المشاهد بأحد أقنعته، وهي متعددة ومتنوعة.. وياما في الجراب يا عيسى!.

أكدت رغدة بداية أن “الحالة السورية” تختلف عن نظيرتيها المصـرية والتونسية أيام الربيع العربي، وكررت الأسطوانة نفسها عن وجود “أصابع لمؤامرة خارجية على سوريا الأسد”، كما أعادت عبارات نظام “جزار دمشق” بأنها مع المظاهرات السلمية، لكنها ضد “المظاهرات المُسلحة”. اللافت أن حديث الأسد عن “المظاهرات المسلحة” – وتابعته رغدة وقتها- لم يتطرق إلى رائحة دم عمليات القتل اليومية، التي يمارسها الحلف المقدس “الجيش الممانع  والشبيحة” بحق المدنيين الأبرياء.

رغدة منذ هذا الحوار وإلى يومنا هذا، تكشف عن مواهب كوميدية في شخصيتها تختفي وراء ملامحها الصارمة؛ لقد ذكرت حينها أن أولاد أشقائها يشاركون في المظاهرات ضد النظام، ولكن “المظاهرات الطيبة” وليست تلك التي ينظمها عملاء الأجندات الخارجية من فئة “القلة المندسة”؛ وأظن أنه بعد السقوط الحتمي لبشار في مزبلة التاريخ عاجلاً أو أجلاً، ستخرج الممثلة المثقفة وتطالب بالرجوع لهذه الجملة كدليل على دعمها للثوار، ودفعها أفرادَ أسرتها للمشاركة في المظاهرات، تماماً مثلما فعلت زميلتها في النضال غادة عبد الرازق.. أتذكر أنهم حملوها على الأعناق وهي تهتف في مظاهرة مؤيدة للرئيس مبارك “رحمه الله”، وبعد سقوطه أكدت أن أولاد أختها شاركوا في الثورة عليه بدعم منها!

بشار لم يسقط بعد 13 عاماً من الثورة عليه..

إذن من الطبيعي طوال هذه السنين أن تؤكد رغدة أنها معه قلباً وقالباً.. في اللقاء المذكور هبّت فى وجه إبراهيم عيسـى “عدو الديكتاتورية”، حينما تناول الأسد بالنقد، وقالت: “لا أسمح لك بأي تطاول على رمز سوريا”، وطالبت بإعطاء سيادة الرمز فرصة لتحقيق الإصلاحات، لكنها نسيت أنه عند اندلاع الثورة كان قد مضى عليه في السلطة 11 عاما، وقبلها أمضى والده 30 سنة، ولم يحقق لا هو ولا أبوه خلال تلك السنوات أي نتفة إصلاح، وختمها بشار بدفع الجيش إلى قتل الشعب بالبراميل المتفجرة.

وحتى الآن تهب رغدة في وجه أي نقد ضد “الرمز الممانع” ومن على شاكلته، بعد أن وصلت مأساتها إلى حد الملهاة، بتصـريحها الشهير أنها مع أي “ديكتاتور عربي”، حتى لو ظل يحكم للأبد، ما دام يواجه حلف “الناتو” والولايات المتحدة وإسرائيل.

لقد تحولت الفنانة الشاعرة المثقفة إلى”بغبغان”، يردد المواويل الرديئة نفسها، التي يغنيها حاكم بلا شرعية حقيقية لتبرير بقائه في السلطة، بحكاية “الممانعة” للكيان الصهيوني، رغم أنه و”بغبغانه” الهيفاء يعلمان أنه “أسد” على شعبه “نعامة” أمام إسرائيل!!

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

شمال غزّة يموت جوعا!

شمال غزّة يموت جوعا!

المشهد الأول: نخوة العرب في الجاهلية بعد أن وقّعت قريش وثيقة المقاطعة الظالمة لبني هاشم، وعلقتها في الكعبة لتعطيها شيئا من القداسة، جاء هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، لتمزيق هذه الصحيفة رغم أنهم كانوا جميعا على الشرك، ولكن كان...

قراءة المزيد
مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

والد لا يعارض ثورة أمَّمت شركاته خسر والد محمد سلماوي كثيرًا من مشاريعه التجارية بسبب التأميم، وكذلك خسر أراضي زراعية بسبب الإصلاح الزراعي، لكنه لم يعترض في فترة حكم عبد الناصر، وهُنا أعجبني تحليل سلماوي موقف والده، فقد اندهش سلماوي كثيرًا بعد رحيل عبد الناصر، وحين...

قراءة المزيد
لا نامت أعين الجبناء

لا نامت أعين الجبناء

في سكرات موته بدا واهنًا بشكل لا يُصدَّق، كان قادرًا على أن يلمح الوجوه الجزعة التي جاءت لتطمئن عليه، لم يستطع جسده المحموم أن يبلغ به وضع القعود، فتحسس جسده بكلتا يديه وابتسم ! إن جسده المرهق الواهي ليس فيه موضع سليم، لا يوجد شبرٌ واحد على حاله التي خُلق عليها،...

قراءة المزيد
Loading...