دانشمند.. تحولات الغزالي وروح عصره (2)

بواسطة | يونيو 11, 2024

بواسطة | يونيو 11, 2024

دانشمند.. تحولات الغزالي وروح عصره (2)

يرصد أحمد فال تحولات الغزالي العلمية والروحية بدقة تاريخية بارعة لمحطات حياته ومشاهد عصره، وتأثيل خيالي بالحوارات والخواطر لعله أوسع تاريخ موثق للمشاعر والهواجس في القرنين الخامس والسادس الهجريين؛ فخواطر الثكالى، وهموم الأطفال، وهواجس الحكام، ونيات الوزراء، ومشاغل العلماء الذهنية، وواردات الصوفية؛ كلها في كتاب مفتوح بين يدي ابن الدين يأخذ منها ما يشاء ويدع ما يشاء في بنائه الروائي المحكم والمتسلسل من غير تكلف لحياة حجة الإسلام.

فأحمد فال يحدثك عن الأفكار والهموم التي كانت تقيم وتقعد والدة الطفل الغزالي حين أرسل إليها حامد الوصي يريد مقابلة طفليها اليتيمين على وجه السرعة، ليخبرهما بقصة نفاد المال القليل الذي تركه والدهما عنده، وقلقه شخصيا على مستقبلهما مما دعاه لتقديم نصيحة لهما لعلها تحقق أمنية صديقه الراحل في رؤية ولديه فقيهين، وليبرئ بها ذمته وهو على فراش الموت، وهي نصيحة مباركة كان الغزالي بكل جبروته العلمي ونفوذه الروحي العابر للقرون، وأسطرته في المخيال الإسلامي أحد تجلياتها.

كانت النصيحة الحانية التي قدمها الوصي حامد للطفلين هي يد القدر التي رسمت مسار ومستقبل أبي حامد الغزالي، وهو مستقبل -حسب الرواية والتاريخ- ارتبط بالعلم تحصيلا وتدريسا وتأليفا ومناظرة، ومنافسة في الرئاسة، واشتباكا بالسياسة حكما ومعارضة، وزهدا في الجاه، وانقطاعا لله، وتفرغا لإحياء العلوم وتصحيح مسارات التزكية الإسلامية.

امتثال الطفلين لنصيحة حامد بالتوجه إلى مدرسة الطابران التي كلم ناظرها ليهتم بأمر ابني صديقه الراحل، كان التحول الأول في حياة الغزالي، وهو تحول ليس بالسهل بالنسبة لطفل سقيم في مدرسة لم يكن يعلم عنها شيئا سوى أنها بناية كبيرة ملأى بالطلاب والأطفال والمشاغبين.

يرصد أحمد فال هواجس الغزالي الطفل وهو مشغول الذهن بالقصص التي سمع عن المدرسة وعن الشجار اليومي بين طلابها، وعن قصة حميد الذي أنقذه أخوه الأكبر من موت محقق، فكَّر الغزالي فيمن سينقذه من مخالب زملائه الشرسين، وهو الهادئ النحيف لكن تميز الغزالي ونجاته كانا في مضاء عقله وسيلان ذهنه لا في شدة بأسه أو قوة عضلاته.

انتبهت والدة الغزالي بحسها الأمومي مبكرا لذكائه المرط فكانت تستنطقه عن الأخبار والأوضاع، وكان هو يقرأ أحاسيسها فيطمئنها وقت القلق، ذكاء الغزالي ككل المواهب كان نعمة ونقمة، فبذكائه تميز في المدرسة، وبه نجا من الطرد خارج أسوارها، وبسببه احترمه المدرسون، وبه فاخرت مدرسة الطابران يوم زيارة الوزير، وبه فاز في المسابقة التي نظمها كبير تجار الطابران بين طلاب المدارس فكان الفائز الأول المستحق للكفالة مدى الحياة، وهو الفوز الذي مهد للتحول الثاني في حياته.

كان نجاحه في المسابقة بالطابران سببا لالتحاقه بالمدرسة النظامية في نيسابور، وهو التحول الأبرز في حياة الغزالي التحصيلية، ففي النظامية جالس أبو حامد شيخه أبا المعالي إمام الحرمين الذي قربه واحتفى بذكائه، وكان يحاوره أمام الطلاب في مشكلات العلم وقضايا السياسة.

ففي مجلس الجويني أدرك الغزالي حقيقة اشتباك العالم بالسياسة، فتقعيد الجويني للنظريات “الإغاثية” السياسية وتحريره لمبحث شرط القرشية في الخلفاء، والكفاءة في السلاطين كانت مواقف سياسية التقطها عقل الغزالي بسرعة فتبنى بعضها وأعرض عن بعض، وكان كتابه البكر “المنخول” سببا لاشتباكه هو شخصيا بالسياسة اشتباكا أعمق وأرسخ من اشتباك شيخه، وهو التحول الثالث في حياة الإمام.

التحول  الثالث -حسب سياقات الرواية- هو الأخطر في حياة “دانشمند”  لأنه أوقعه في حالة تماس مباشر مع القوى المؤثرة في عصره من نخبة علمية تزعمها فيما بعدُ، وتجمعات صوفية كان يرنو إليها بحثا عن الطمأنينة، ومن سلطة سياسية مفككة يقتضي التعاطي معها موازنة بين وزير قوي ذي مشروع فكري داعم للعلماء، وسلطان تحكم عائلته المشرق الإسلامي كله، وخلافة صورية تقتضي النظريات السنية المحافظة عليها، ومن تنظيم سري معارض يسعى لقلب الحكم بالسيوف والنظريات والشبه، وكان دور الغزالي فضح تلك الشبه التي سماها “فضائح الباطنية”.

علاقة الغزالي بهذه القوى المتنافرة بطبيعتها، وتأثيره القوي في “ماجريات” عصره أوصلاه إلى قمة السيادة العلمية، وهرم التصدر المجتمعي لكنهما لم يوصلاه إلى طمأنينة القلب وسكينة الروح وبرد اليقين، وهنا كانت وقفة الغزالي الشجاعة التي أوصلته إلى تحوله الأخير.

التحول الأخير في حياة الغزالي أخرجه من ترف القصور الوهمي إلى تقشف الخانقاه الحقيقي ثم لم يزل به حتى أخرجه من بغداد إلى دمشق والقدس باحثا عن “المعنى” الذي وجده في التسليم  لله والسعي لتطهير النفس من رعوناتها البشرية، وكانت الرؤى والمنامات تقوده إلى رحاب العالمة الشيرازية التي نادته أكثر من مرة بـ”أن تعال إلينا”، فلما وصل لزم الطريق واستمر على ذلك حتى لقي الله شهيدا -حسب الرواية- بسبب سمٍّ دسه باطني في شراب للإمام الذي فضح طائفته الصوفية وحركته السياسية.

الروائي أحمد فال في ذكره لحقيقة وفاة الغزالي تنازعه أمران؛ أولهما واقع التاريخ الذي روت كتبه أن وفاة الإمام كانت طبيعية، والثاني: روح العصر الذي انتشرت فيه اغتيالات الحشاشين للساسة والعلماء، وكان الغزالي عالما مؤثرا قريبا من السياسة في كل مراحل حياته فاضحا للباطنية، فاختار ابن الدين أن تكون وفاته على أيديهم، كما كان لمؤلف دانشمند اختيارات أخرى في أنماط الشخصيات وتحريكها، وانتقاء واع من كتابات الغزالي الممثلة لعصره، وهو ما نختم به هذه المراجعة في جزئها الثالث والأخير.

1 تعليق

  1. المختار

    وفقت اخي في عرض رصد للتحولات في حياة بطل الرواية وهي اشبه بمفترقات طرق في حياة داشمند سلطت اشعة فاضاءت جوانب من حياته لو اشفعت بتواريخ او حديث عن مراحل العمر لزادت اضاءة وانكشافا منعه الاختصار المطلوب في التعليق واحتاجع المتتبع المتلهف للمزيد فلك اخي جزيل الشكر على ما اوفيت من تعليق

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

شمال غزّة يموت جوعا!

شمال غزّة يموت جوعا!

المشهد الأول: نخوة العرب في الجاهلية بعد أن وقّعت قريش وثيقة المقاطعة الظالمة لبني هاشم، وعلقتها في الكعبة لتعطيها شيئا من القداسة، جاء هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، لتمزيق هذه الصحيفة رغم أنهم كانوا جميعا على الشرك، ولكن كان...

قراءة المزيد
مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

والد لا يعارض ثورة أمَّمت شركاته خسر والد محمد سلماوي كثيرًا من مشاريعه التجارية بسبب التأميم، وكذلك خسر أراضي زراعية بسبب الإصلاح الزراعي، لكنه لم يعترض في فترة حكم عبد الناصر، وهُنا أعجبني تحليل سلماوي موقف والده، فقد اندهش سلماوي كثيرًا بعد رحيل عبد الناصر، وحين...

قراءة المزيد
لا نامت أعين الجبناء

لا نامت أعين الجبناء

في سكرات موته بدا واهنًا بشكل لا يُصدَّق، كان قادرًا على أن يلمح الوجوه الجزعة التي جاءت لتطمئن عليه، لم يستطع جسده المحموم أن يبلغ به وضع القعود، فتحسس جسده بكلتا يديه وابتسم ! إن جسده المرهق الواهي ليس فيه موضع سليم، لا يوجد شبرٌ واحد على حاله التي خُلق عليها،...

قراءة المزيد
Loading...