سيكولوجية الجماهير.. دليل الديكتاتوريات!

بواسطة | مايو 5, 2023

بواسطة | مايو 5, 2023

سيكولوجية الجماهير.. دليل الديكتاتوريات!

يقول غوستاف لوبون، مؤلف كتاب سيكولوجية الجماهير: “بمجرد أن ينضوي الفرد داخل صفوف الجمهور فإنه ينزل درجات عديدة في سلم الحضارة، فهو عندما يكون فردا معزولا ربما يكون إنسانا مثقفا متعقلا، ولكنه ما إن ينضم إلى الجمهور حتى يصبح مقودا بغريزته، وبالتالي همجيا”.. وفي هذا الموجز ما يشي بفكرة الكتاب كلها، باعتبارها توكيدا في منطلقاته ودلالاته ونتائجه النهائية، على تفريغ فكرة الشعب من مضمونها، وإدراجها في فكرة الجمهور أو الغوغاء، التي لا تستحق الحرية لأنها لا تريدها، حتى وإن لم تعبر شكليا عن ذلك!.
فوجئت، وأنا أبحث عن نسخة إلكترونية لكتاب “سيكولوجية الجماهير” باللغة العربية، بوجود ترجمات أخرى كثيرة له، صادرة بالعربية عن دور نشر مختلفة، غير الترجمة التي قرأتها عندما صدر لأول مرة باللغة العربية، في أوائل تسعينيات القرن الماضي عن دار الساقي.
ومن الواضح أن الكتاب الذي مضى على نشره لأول مرة بلغته الفرنسية الأم ما يقرب من 130 عاما، أصبح من أكثر كتب التاريخ شعبية وجماهيرية في مجاله، وخصوصا في بلدان ما زالت شعوبها تناضل في سبيل حرياتها العامة وحقوقها في المشاركة بالسلطة، وياللمفارقة في توصيف انتشاره بالشعبية والجماهيرية، وهو الذي يحاول تسطيح الفكرة الشعبية والروح الجماهيرية في سبيل الفردانية، التي يرى أنها أساس الحضارات.

مؤلف الكتاب هو عالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون، الذي يعتبر أحد أشهر الأطباء النفسيين، وقد استفاد من دراسته لعلم النفس في تفسير الظواهر الاجتماعية المعقدة، ما جعل كثيرين يعبترونه مؤسس علم نفس الجماهير؛ خاصة وأن لوبون المولود لأسرة برجوازية في العام 1841 في فرنسا، عايش صعود نجم الاشتراكية في بلاده

ترجم الكتاب إلى لغات كثيرة بطبعات متعددة، وهو أمر غير مسبوق بالنسبة لكتب تنتمي لذلك الطابع البحثي، بسبب محاولته المنطقية لتفسير سلوك الجماهير أو الجماعات النفسي تجاه ما يعايشونه من قضايا بطريقة جمعية، وكيفية تحركهم في سياق التفكير العام. ومن الواضح أنه أصبح دليلا للديكتاتوريات السياسية، التي تحكمت بالجماهير وساقتها إلى حتوفها المظلمة، في أكثر من محطة من محطات التاريخ المعاصر.
مؤلف الكتاب هو عالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون، الذي يعتبر أحد أشهر الأطباء النفسيين، وقد استفاد من دراسته لعلم النفس في تفسير الظواهر الاجتماعية المعقدة، ما جعل كثيرين يعبترونه مؤسس علم نفس الجماهير؛ خاصة وأن لوبون المولود لأسرة برجوازية في العام 1841 في فرنسا، عايش صعود نجم الاشتراكية في بلاده على أكتاف حركات الجماهير المتتالية، في أعقاب الثورة الفرنسية؛ ما جعل المسرح السياسي الفرنسي خصوصا، والأوربي عموما، مادة لكتابه الذي يراه كثيرون محاولة مبكرة لقمع الفكرة الديمقراطية باعتبارها نوعا من الفوضى الجماهيرية، وباعتبار أن الجماهير كانت دائما ذات نزعة هدامة، وأن معظم الحضارات التي قاومت عوامل الزمن بنيت على أيدي القلة الأرستقراطية، أما الهدم فقد كان دائما بمعاول الجماهير. وتجاهل لوبون كيفية تحقيق الحضارات لأمجادها بالقلة الأرستقراطية بمعزل عن قوة الجماهير.
صدر كتاب سيكولوجية الجماهير في العام 1895 مكونا من ثلاثة كتب صغيرة تنتظم تحت عنوان واحد. تناول في الكتاب الأول منها روح الجماهير أو وحدتها الاندماجية، التي تصادر بطريقة غير واعية الأفكار والعقول الفردية لصالح عاطفة متحركة جمعية واحدة، كما تحدث في هذا الكتاب عن تعصب الجماهير واستبداديتها، ونزعتها المحافظة وأخلاقيتها، وتفكيرها وخيالاتها، بالإضافة الى الأشكال الدينية التي تتخذها قناعاتها.
في الكتاب الثاني ناقش لوبون العوامل التي تحدد آراء الجماهير؛ مثل فكرة “العِرق”، باعتبارها واحدة من أدوات تشكيل اللاوعي الجمعي لدى الجماهير المنتمية لعرق معين ضمن ثقافة واحدة، وفكرة التقاليد الموروثة، وفكرة الزمن وتحولاته، وفكرة المؤسسات العامة، والتربية والتعليم. وفي هذا الكتاب الثاني استعرض العوامل المباشرة التي تساهم ببناء آراء الجماهير، مثل الصور والكلمات والشعارت اللغوية، بالإضافة الى الأوهام، والتجارب والعقل.

لاحظ لوبون أن الجماهير (أو الشعوب) تتخلى عن التفكير جمعيا عندما تندمج في بعضها البعض، لتطغى خصائصها العاطفية اللاواعية على أي حالة مبكرة للتفكير في ما تراه وتعيشه.

خصص لوبون في هذا الكتاب مساحة واسعة لتشريح محركي الجماهير (أو القادة)، ووسائل العمل التي يستخدمونها ومن أشهرها: التأكيد والتكرار والعدوى، بالإضافة الى الهيبة الشخصية. وواصل لوبون في كتابه الثاني، ضمن عنوان سيكولوجية الجماهير العام، الحديث عن العقائد الثابتة، ثم آراء الجماهير المتحركة.
وانتقل في الكتاب الثالث إلى تصنيف الفئات المختلفة من الجماهير، باعتبارها إما جماهير متجانسة أو جماهير غير متجانسة. وكانت أمثلته الحية تتكئ على جماهير مجرمة، ومحلفي محكمة الجنايات، والجماهير الانتخابية، والمجالس النيابية.
وقد لاحظ لوبون أن الجماهير (أو الشعوب) تتخلى عن التفكير جمعيا عندما تندمج في بعضها البعض، لتطغى خصائصها العاطفية اللاواعية على أي حالة مبكرة للتفكير في ما تراه وتعيشه. وعندما تُجمع على حالة عاطفية معينة، تجاه فكرة أو حالة أو شخص، فإن تلك العاطفة الجمعية الجامحة تصبح أداة لرسم الصورة الكاملة للفكرة أو الحالة أو الشخص، وفقا لعين الجماهير المتحدة بنظرتها العاطفية. وهي على سبيل المثال عندما تعجب بزعيم سياسي معين، تنقله من حالته الواقعية ليصبح في نظرها بمصاف الآلهة، فلا تعفيه من فكرة المحاسبة وحسب، بل ترى أنه غير قابل لتلك الفكرة، ولا يمكن إخضاعه لها!.. والعكس صحيح، عندما تنفر من شخص آخر!.
ويمكن قراءة الكتاب باعتباره دراسة لسلوك الجماهير ودوافعها؛ فهو يتناول كيفية تغيير سلوك الأفراد عندما يكونون جزءا من مجموعة كبيرة، ويشرح أسلوب استخدام هذا الفهم لتحقيق أهداف معينة، أو للتأثير عليهم بشكل إيجابي أو سلبي؛ ليصل إلى نتيجة مخيفة، تقول إن الجماهير غالبا لا تعقل، ولذلك يمكن التلاعب بها وتوجيهها بطريقة غير مباشرة، عبر وسائل وأدوات كثيرة، أهمها الإعلام؛ ذلك أن الجماهير لا تتحمل مناقشة الأفكار، بل تقبلها أو ترفضها، ويعتمد ذلك على طريقة تلقيها لها من قِبل مطلقيها من الزعماء السياسيين، أو غيرهم من المؤثرين فيها والقاصدين تشكيلها، أو حتى غير القاصدين ذلك.
يبدأ لوبون بتقديم فكرة الجماهير وأسلوب تشكيلها، ويوضح كيف يمكن أن تتحول الجماهير إلى قوة مدمرة إذا تم استخدامها بشكل خاطئ. ثم يشرح مفهوم “العقل الجماعي”، وكيف يتشكل عندما يكون الأفراد جزءا من جماعة كبيرة. يقول لوبون في كتابه: “في الواقع، إن أسياد العالم ومؤسسي الإمبراطوريات، ورسل كل العقائد، ورجالات الدول العظام؛ وعلى مستوى أقل زعماء الفئات البشرية الصغيرة.. كلهم كانوا علماء نفس على غير وعي منهم، وكانوا يعرفون روح الجماهير بشكل فطري، وفي الغالب بشكل دقيق وموثوق جدا. وبما أنهم يعرفونها جيدا، ويعرفون كيف يتعاملون معها، فإنهم قد أصبحوا أسيادها”.

الكتاب كله مبررا أخلاقيا، يتكئ على العلم لتسويغ الديكتاتورية وتسويق الطغيان، باعتباره رغبة جماهيرية جامحة لا يمكن للأمم أن تستقر من دونها!. ولعل هذا ما يفسر عودة الكتاب إلى واجهات التسويق الإعلامي السلطوي، كلما لاح في الأفق ما يشير إلى رغبة الشعوب في التحرر والخلاص من الطغيان

وبأسلوبه في سبر أغوار النفس البشرية، باعبتاره طبيبا في الأساس، يستكشف لوبون العوامل التي تؤثر في تحويل الأفراد إلى جماهير متحركة آليا، وكيف يمكن استخدام هذا الفهم لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية. فيوضح أن الأفراد الجماعيين يكونون أكثر عرضة للتأثير من قبل المجموعة، ويوضح كيف يمكن استخدام هذا التأثير لتحقيق أهداف معينة.
وهو يرى أن العوامل العاطفية مما يؤثر في سلوك الجماهير، التي تتحرك غالبا بناء على عواطفها الآنية، لا استجابة لتحريض العقل لها، لأنها بلا عقل؛ وهو ما يسهل استخدامها من قبل الأقليات الفاعلة، لتنفيذ ما تود تنفيذه لصالحها، وتحقيق أهدافها.
وهذا يتطلب بالتأكيد إدارة علمية فاعلة للجماهير، تساعد في تحقيق التغييرات الاجتماعية والسياسية بقوتها الذاتية؛ فالجماهير وفقا لرؤيته “كالقطيع لا تستطيع الاستغناء عن سيد، والشيء الذي يهيمن على روح الجمهور ليس الحاجة إلى الحرية، وإنما إلى العبودية، ذلك أن ظمأها للطاعة يجعلها تخضع غزيزيا لمن تعلم أنه زعيمها”!.
وفي هذه الرؤية من الخطورة، ما يجعل من الكتاب كله مبررا أخلاقيا، يتكئ على العلم لتسويغ الديكتاتورية وتسويق الطغيان، باعتباره رغبة جماهيرية جامحة لا يمكن للأمم أن تستقر من دونها!. ولعل هذا ما يفسر عودة الكتاب إلى واجهات التسويق الإعلامي السلطوي، كلما لاح في الأفق ما يشير إلى رغبة الشعوب في التحرر والخلاص من الطغيان؛ لأنها، كما يقرر لوبون، مجرد جماهير غير عاقلة!. وفي ذلك التقرير تسخيف لكل ما تراكم في التجربة الإنسانية البشرية من معارف على الصعيد الفردي، المكون الأساسي للجماهير!.
والكتاب على أهميته النفسية تاريخيا، يبقى قاصرا عن تفسير الفكرة الجمعية في تطبيقاتها عند مختلف الأمم والدول والشعوب؛ وما استخلصه الباحث في كتابه من تجارب الأمم الأوربية، والفرنسية تحديدا، يبقى قاصرا عن الإحاطة بالفكرة في مجملها الثقافي العام.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

الخرافة والسياسة والولاية

الخرافة والسياسة والولاية

حينما تحضر الخرافة تموت السياسة.. هذا أبسط شيء يمكن قوله اليوم في الواقع الطائفي المأزوم الذي تعيشه المنطقة العربية على وقع انهيار الدولة الوطنية العربية، في عديد من الجمهوريات العربية، التي أُفشلت فكرة الدولة فيها لعوامل عدة. في مقدمة تلك العوامل عدم تحول فكرة الدولة...

قراءة المزيد
هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

لا شك أن هوية أي أمة تحددها الثقافة الأم التي تعتنقها أغلبية هذه الأمة، ومنذ أن أشرقت شمس الرسالة على أرض العرب، أصبح الإسلام يمثل إلى اليوم هويتها المعبرة عن ثقافتها، بعد أن صبغ فيها أوجه الحياة من تصورات وعادات وتقاليد وفنون وعلوم ومعايير رفض وقبول ونحو ذلك. ومع كل...

قراءة المزيد
جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

قبل نحو عقدين من الزمن قررت أن أكون من أصحاب السيارات لأول مرة في حياتي، ولأني لم أكن أجيد القيادة جيداً، فقد نصحني البعض أن أبدأ بالسيارات المستعملة، حتى تتحمل أية أخطاء متوقعة من المبتدئين أمثالي. لجأت إلى أحد تجار هذا الصنف في قرية مجاورة، وهو مع أقرانه خليط من ذوي...

قراءة المزيد
Loading...