طبائع الاستبداد.. الداء والدواء وبينهما الأمة

بواسطة | أبريل 18, 2023

بواسطة | أبريل 18, 2023

طبائع الاستبداد.. الداء والدواء وبينهما الأمة

ما الذي يعيد قارئا لقراءة كتاب سبق أن قرأه؟ هناك كتب تحظى بجاذبية تقاوم بها فكرة الانتهاء، لتصعد بقارئها الى فِكَر أخرى، بزمانه ومكانه دائما!
بالنسبة لي، يعد كتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” لمؤلفه عبد الرحمن الكواكبي (1855م ــ 1902م) واحدا من الكتب القليلة التي قرأتها أكثر من مرة، وربما لا أبالغ إن قلت إنه واحد من الكتب القليلة جدا، التي أطلع عليها كل عام مرة أو أكثر؛ ليس لأهميته القصوى في تكوين فكري السياسي والإنساني، منذ أن قرأته لأول مرة في حياتي وأنا على مقاعد الدراسة وحسب؛ ولكن أيضا لأن هناك دائما ما يحدث في وطننا العربي، ويعيدنا الى ما كتبه مؤلف هذا الكتاب، قبل أكثر من قرن من الزمان، بوضوح شديد واختصار غير مخل ولغة رفيعة. فما زال الاستبداد الذي عَرَفه الكواكبي وعرّفه، وعايشه واكتوى بناره، وتهجره بسببه، ومات مسموما نتيجة لمحاولة مقاومته بمجرد إبداء الرأي الصريح حوله، يعربد في معظم أقطار الأمة ويسلمها إلى الضعف والهوان، وما زلنا كعباد نلاقي مصارعنا، بشكل مباشر أحيانا، وغير مباشر أحيانا أخرى، بسبب تغوُّل ذلك الاستبداد وتناميه، وتفرعه وتفرق دمه بين الأقطار وحكوماتها، على مدى أكثر من قرن يفصل بيننا وبين الكواكبي!
وكتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” الصادر في القاهرة  عام 1900 على الأرجح، يمكن أن يكون ردا مباشرا على من يعتقد أن الفكر التنويري العربي الإسلامي في مجال حقوق الإنسان ومقاومة السلطات الغاشمة، إنما هو ثمرة الاطلاع على الفكر الغربي الذي ساد في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وحسب، متجاهلين مؤلفات عربية وإسلامية انبرى أصحابها للتبشير في الوقت نفسه بأفكار تنويرية، لا بسبب الاطلاع على الأفكار الغربية المعنية فقط، كما يعتقد كثيرون، بل بسبب خبرة عملية حقيقية في معايشة الاستبداد السياسي في أقسى وأقصى أشكاله، أواخر القرن التاسع عشر ضد العرب تحديدا، وفي محاولة مناكفته أو تفسيره على الأقل!.
كتب الكواكبي كتابه لأول مرة بهيئة مقالات صحفية منفصلة عن بعضها البعض، أثناء وجوده في مدينة حلب حيث نشأ؛ لكنه لم يفصح عن تلك المقالات ولم يجرؤ على نشرها، إلا بعد أن انتقل إلى مصر أواخر القرن التاسع عشر. فقد كانت حلب -ككل مدن وقرى الشام- خاضعة لحكم عثماني مستبد، من الواضح أنه كان هو المادة الخام التي استمد منها الكواكبي نماذجه الخاصة عن الحكم المستبد، وأثره على الأفراد والمجتمعات. أما مصر، التي نقح فيها فِكَر كتابه، وأعاد كتابتها ثم نشرها؛ فقد كانت بعيدة نسبيا عن ذلك الطغيان الشديد، ما وفر للكواكبي بيئة جعلته يعيش أملا بمستقبل حر للأمة، وإن كان ضعيفا. ويبدو أن شعوره الهش بذلك الأمل الحلمي هو ما فرض عليه أن يذيل عنوان كتابه بعبارة شارحة تقول: “وهي كلمات حق، وصيحة في واد.. إن ذهبت اليوم مع الريح، لقد تذهب غدا بالأوتاد”.

الكواكبي الذي درس القانون، وعمل بالصحافة في حلب، وعشق الحق والحرية والكتابة حتى الموت، تعرض لمضايقة السلطات العثمانية إثر إصداره صحيفته “الشهباء” لتكون أول صحيفة عربية خالصة تنادي بالحرية السياسية والاجتماعية

فصحيح أن كلمات الكواكبي لم تذهب بأوتاد الاستبداد حتى الآن، إلا أنها على الأقل لم تذهب مع الريح. وما زالت تشع في أحلك ليالي الظلم السياسي، لتذكرنا بأن الحل منا وإلينا كأمة، فمن لا يشعر بآلام الاستبداد -كما يقرر الكواكبي- لا يستحق الحرية!
يتضمن الكتاب في مجمله موضوعات مختلفة، تتناول جوانب الحكم الاستبدادي، ويعرض الكاتب فيها فكره وآراءه وتحليلاته المعمقة حول هذا الموضوع؛ ويعطي لمحة عن الأسباب التي تؤدي إلى انتشار هذا النوع من الحكم، وتأثيراته على المجتمعات. أي أن الكتاب باختصار شديد، إجابة لسؤال عن سبب تخلف الأمة الإسلامية في ذلك الوقت، بكلمتين اثنتين هما: الاستبداد السياسي!
والكواكبي الذي درس القانون، وعمل بالصحافة في حلب، وعشق الحق والحرية والكتابة حتى الموت، تعرض لمضايقة السلطات العثمانية إثر إصداره صحيفته “الشهباء” لتكون أول صحيفة عربية خالصة تنادي بالحرية السياسية والاجتماعية، وتؤسس لفكرة مقاومة المستبد، وهو ما قصر من عمرها، إذ لم يصدر منها سوى خمسة عشر عددا قبل أن توقفها السلطات. وسافر بعدها الى شرق آسيا ثم الى أفريقيا، قبل أن يستقر في مصر التي وجد فيها مناخا مناسبا لنشر فكره وكتاباته، وظن أنه سيسلم فيها من تبعات مناكفة السلطان المستبد، وإن بالكتابة وحسب، لكن ظنه، نظرا لنهايته بالموت مسموما، لم يكن في محله تماما!
قسّم الكواكبي مؤلفه الفريد من نوعه في زمانه ومكانه إلى مقدمة ثم مقالة بعنوان: “ما هو الاستبداد”؛ قبل أن يضع عناوين أخرى في ثنائيات تحدثت عن الاستبداد وعلاقته بالدين، وبالعلم، وبالمجد، وبالمال، وبالإنسان، وبالأخلاق، وبالترقي، وبالتربية، وختمه بخاتمة جعل عنوانها: “الاستبداد والتخلص منه”.
في المقدمة تحدث عن مفهوم الاستبداد والتعريف به، ثم عن أسباب انتشار الحكم الاستبدادي، وكيفية انتشاره في المجتمعات المختلفة. ومع أنه ربط الاستبداد بعناوين كثيرة، إلا أنه ركز على أقبح أنواعه، وفق ما يرى، وهو استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل، حيث يقول: “خلق الله الإنسان حرّا، قائده العقل فكفر وأبى إلا أن يكون عبدًا قائده الجهل”.

يضع الكواكبي تعريفا للاستبداد السياسي، الراهن آنذاك، وأسبابه ومرجعيته ونتائجه في المدى القريب والمدى البعيد على العباد والبلاد أيضا، ويخلص الى أن “المستبد في لحظة جلوسه على عرشه، ووضع تاجه الموروث على رأسه، يرى نفسه كان إنسانا فصار إلها…”

ويرى الكواكبي أن المستبد فرد عاجز، لا حول له ولا قوة إلا بأعوانه أعداء العدل وأنصار الجور. وأن تراكم الثروات المفرطة، مولد للاستبداد، ومضر بأخلاق الأفراد. وأن الاستبداد أصل لكل فساد، فيجد أن الشورى الدستورية هي دواؤه.
ويعيد الكواكبي، الذي رحل عن 47 عاما وحسب، فكره في الكتاب الى بحثه وتأمله في ما حوله طوال ثلاثين عاما، ليصل الى وصف الاستبداد بعبارة تصويرية دالة يقول فيها: “لو كان الاستبداد رجلا، وأراد أن ينتسب، لقال: أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضر، وخالي الذل، وابني الفقر، وابنتي البطالة، ووطني الخراب، وعشيرتي الجهالة”.
وهكذا، وببساطة ومباشرة وبعد نظر وعمق تصوير، يضع الكواكبي تعريفا للاستبداد السياسي، الراهن آنذاك، وأسبابه ومرجعيته ونتائجه في المدى القريب والمدى البعيد على العباد والبلاد أيضا، ويخلص الى أن “المستبد في لحظة جلوسه على عرشه، ووضع تاجه الموروث على رأسه، يرى نفسه كان إنسانا فصار إلها…”، وهو بهذا يذكر بفكرة التفويض الإلهي، التي تبدو أنها أقوى مرجعيات المستبد في استبداده.
ورغم تفصيلاته الرفيعة بفصول عن كل ما يتعلق بالاستبداد، وضرورة التخلص منه، وسبل ذلك وطرائقه، إلا أنه يصر على أن أقبح أنواعه -كما أشرنا- استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل.
ومع أن الكواكبي يقرر في ثنايا كتابه أن الظالم لو رأى على جنب المظلوم سيفا لما أقدم على الظلم، ويصور شجرة الحرية بأنها شجرة الخلد، وسقياها قطرات من الدم المسفوك، ويؤكد على أن الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية، إلا أنه يتحرز كثيرا في الحديث عن المقاومة المباشرة للاستبداد، حيث خلص في النهاية الى أن الاستبداد لا يقاوم بالشدة وإنما باللين والتدرج، ولا ينبغي لمقاومة الاستبداد أن تنطلق بذلك الشكل قبل تهيئة ما يستبدله بالاستبداد! ولا أدري إن كنا نستطيع إدراج ذلك في باب التناقض، أم أننا نقرأ الاحتراز بسياق الواقع ضيق الأفق، الذي كان يعيش فيه الكواكبي آنذاك، وحسب!

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

أنا والأشجار

أنا والأشجار

لكل واحد فينا حياة مع الأشجار.. طفلاً يصحبه والداه أو أحدهما إلى الحدائق، ثم شابّاً يذهب إلى الحديقة مع حبيبته، ثم أباً يذهب إليها مع زوجته وأولاده. هذه الحياة مع الأشجار تشكل نمطا عاديا في الحياة، لا ينتبه أحد إلى ضرورتها إلا حين يتعذر الذهاب إليها؛ وتترك الحدائق...

قراءة المزيد
مسيرة علي فرزات.. وسيرة مصطفى حسين!

مسيرة علي فرزات.. وسيرة مصطفى حسين!

الإبداع لا جنسية له.. المبدع يتخطى الحدود وينشر الجمال في الأرض! يوم السبت المقبل، 22 يونيو/ حزيران، تكون قد مرت 73 سنة على مولد الفنان السوري علي فرزات، أحد كبار المبدعين العرب، وها هو يواصل العطاء.. من دمشق الفيحاء بهرني" فرزات" برسومه! خطوط متميزة وفِكَر عميقة...

قراءة المزيد
“نمرٌ” من ورق

“نمرٌ” من ورق

كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، قلبت الموازين مهدية سكان قطاع غزة، والشرفاء من شعوب الأمتين العربية والإسلامية، هديها الثمين بالتزامن مع عيد الأضحى المبارك، حينما أعلنت تنفيذ عملية نوعية مُركّبة، استهدفت مَركبة مدرعة من طراز...

قراءة المزيد
Loading...