طوفان الأقصى.. إسرائيل تذوق أقسى هزائمها

بواسطة | أكتوبر 10, 2023

بواسطة | أكتوبر 10, 2023

طوفان الأقصى.. إسرائيل تذوق أقسى هزائمها

بغض النظر عن مآلات ونتائج الحرب التي أعلنتها إسرائيل على قطاع غزة في أعقاب عملية “طوفان الأقصى”، التي نفذتها “كتائب القسام”، في التجمع الاستيطاني “غلاف غزة” الذي يتاخم حدود القطاع، فهناك حقيقة واحدة لا يمكن دحضها: إسرائيل تلقت هزيمة مدوية.
فحتى لو أسفرت الحرب الإسرائيلية على غزة -كما هو متوقع- عن مقتل الآلاف من المدنيين الفلسطينيين، فإن هذا الواقع لن يغسل ما لحق بإسرائيل من العار والمهانة على أيدي مقاتلي “كتائب القسام”. ويُجمع كبار المعلقين في تل أبيب على أن الهزيمة التي تلقتها إسرائيل في هذه المواجهة، حتى قبل انتهائها، تفوق بمراحل فشلَها في حرب 1973، حيث إن إسرائيل واجهت في تلك الحرب دولا تملك جيوشا ومقدرات عسكرية كبيرة، في حين أن “حماس” لا تحوز إلا على قدرات عسكرية واستخبارية متواضعة، وتحديدا عند مقارنتها بإسرائيل.
فعلى الرغم من ميل موازين القوى العسكرية والتقنية والاستخبارية بشكل جارف لصالح إسرائيل، فإن هذا لم يحُل دون تمكُّن “كتائب القسام” من اقتحام الحدود برا وجوا وبحرا، والسيطرة على مواقع عسكرية ومستوطنات، وقتل ما لا يقل عن 700 من الجنود والمستوطنين وجرح آلاف، وأسر عدد كبير منهم وجلبهم إلى قطاع غزة. وتعيش إسرائيل حالة من الصدمة، تحديدا بسبب فشل جيشها ومخابراتها في توقع الهجوم وإحباطه بشكل مسبق؛ فالأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية التي تتباهى بكفاءتها وقدراتها، عجزت عن قراءة نوايا “حماس”، والحصول على معلومات كان يمكن أن تسهم في إحباط الهجوم قبل تنفيذه، أو على الأقل تقليص أضراره.
إلى جانب ذلك، أثبت الهجوم انهيار المنظومات الدفاعية الإسرائيلية التي تؤمّن الحدود مع غزة، والتي تشمل فرقة عسكرية كاملة، فضلا عن أنه قد تبين عدم جدوى الجدار الحدودي الذي دشنته إسرائيل على طول الحدود مع القطاع بهدف مواجهة خطر الأنفاق، والذي كلّف خزانة إسرائيل مليارات الدولارات. وقد عكس تمكُّن مقاتلي “كتائب القسام” من السيطرة على قواعد عسكرية، وضمنها مقر قيادة الفرقة العسكرية التي تشرف على الجهد الحربي، مع عدد كبير نسبيا من المدن والمستوطنات، وأسر العشرات من الجنود والمستوطنين، ذلك كله عكس تدنى مستوى الدافعية القتالية لدى جنود الاحتلال وعناصر شرطته.
وتعكس اعترافات قادة العدو واقعَ الهزيمة ومرارتها، حيث اعترف الرئيس السابق لجهاز الموساد إفرايم هليفي أن الهجوم الذي شنته حماس “فريد من نوعه…إنها المرة الأولى التي تتمكّن فيها غزة من اختراق عمق إسرائيل والسيطرة على القرى”. وكتب ديفيد هوروفيتز في مقاله في (يديعوت): “لقد انتصرت حماس في معركة نفسية كبرى أيضا، وستبقى ذكراها خالدة إلى الأبد”؛ في حين اعتبر الكاتب آفي مئير عملية “طوفان الأقصى” بأنها “11 سبتمبر الإسرائيلي، ولن يعود أيّ شيء كما كان”. أما الكاتب دفيد ليفي، فقد كتب في “هارتس”: ” شاهدت إسرائيل أمس صورا لم تشاهدها طوال حياتها، عربات عسكرية فلسطينية تتجوّل في مدنها، مقاتلين من راكبي الدراجات النارية من غزة يدخلون من بواباتها، هذه الصور يجب أن تمزق قناع الوقاحة… الفلسطينيون في غزة قرّروا أنهم مستعدون لدفع كل ثمن مقابل لحظة حرية”. أما الدبلوماسي الإسرائيلي السابق ألون بنكاس فقد كتب: ” 7 أكتوبر 2023؛ تاريخ سيبقى عارا على إسرائيل”. وكتب الصحافي بن كاسبيت في “معاريف”: “لقد نفذت حماس هجومها لتحصل على صورة نصر، لكنها عادت بألبوم كامل من هذه الصور”. ونقلت صحيفة “معاريف” عن مسؤول كبير في جهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلية “الشاباك” قوله: “رجال حماس أكثر تصميما من حزب الله، شجعان، ليسوا أغبياء، إنهم يعرفون ما يُقدمون عليه، يتوجب عدم الاستخفاف بهم، لديهم طاقة صبر، اليأس لا يصل إليهم، إنهم يستغلون الفرص ويمكن أن يكونوا خطيرين للغاية”. وقد كتب عيران تسيون، نائب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق: “أية عملية عسكرية مهما كانت واسعة، لن تمحو حقيقة أن حماس وجهت ضربة موجعة لإسرائيل على المستوى الإستراتيجي والتاريخي. لقد تمكنت حماس من تحقيق هذا الإنجاز الفذ الذي سيدرّس في المدارس العسكرية لسنوات طويلة”.
لقد أثبتت عملية “طوفان الأقصى” فشل إستراتيجية “السيطرة والإخضاع من الخارج”، التي مارستها إسرائيل ضد حركة حماس منذ أن تولت الحكم بعد انتخابات 2006. فقد قامت هذه الإستراتيجية على حصار غزة بهدف تقليص قدرة حماس على تطوير قدراتها العسكرية، وتكريس قناعة لدى الفلسطينيين بأن أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية تحت حكم حركة حماس ستظل بائسة، مقارنة بالأوضاع في الضفة الغربية؛ كما شملت هذه الإستراتيجية شن عمليات عسكرية بهدف ضرب مقدرات حماس العسكرية حال تعاظمت رغم الحصار، وردعها عن شن عمليات عسكرية انطلاقا من القطاع، وإلزامها دفع ثمن لقاء العمليات التي تشنها الفصائل الأخرى انطلاقا من القطاع. فضلا عن ذلك، فإن هذه الإستراتيجية هدفت إلى التحكم بوتيرة التصعيد مع المقاومة عبر تدخل وسطاء إقليميين، سيما في أعقاب الجولات القتالية، مع السماح بإحداث تحسن طفيف على الأوضاع الاقتصادية.
وقد جاء “طوفان الأقصى” لكي يطوي صفحة هذه الإستراتيجية، حيث إن قواعد اللعبة بعد هذه العملية ستكون مختلفة تماما عما كانت عليه قبلها. وقد دلل “طوفان الأقصى” أيضا على خطأ افتراض جيش ومخابرات الاحتلال بأن حركة حماس معنية بشكل أساس بالحفاظ على حكمها في القطاع، وأنها غير معنية بمواجهة عسكرية قد تفضي إلى خسارتها هذا الحكم.
ومما لا شك فيه، أن اندلاع هذه المواجهة يدلل بشكل لا يقبل التأويل على أن مسارعة أطراف عربية للتطبيع مع إسرائيل لن تؤثر على مكانة قضية الشعب الفلسطيني، حيث إن تشبث هذا الشعب بمقاومته كفيل بأن يقلب الطاولة على رؤوس الجميع؛ فنجاحات “كتائب القسام” الهائلة في هذه المعركة تشي بخطل رهانات بعض الأطراف العربية والإسلامية على العلاقة مع الكيان الصهيوني.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

شمال غزّة يموت جوعا!

شمال غزّة يموت جوعا!

المشهد الأول: نخوة العرب في الجاهلية بعد أن وقّعت قريش وثيقة المقاطعة الظالمة لبني هاشم، وعلقتها في الكعبة لتعطيها شيئا من القداسة، جاء هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، لتمزيق هذه الصحيفة رغم أنهم كانوا جميعا على الشرك، ولكن كان...

قراءة المزيد
مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

والد لا يعارض ثورة أمَّمت شركاته خسر والد محمد سلماوي كثيرًا من مشاريعه التجارية بسبب التأميم، وكذلك خسر أراضي زراعية بسبب الإصلاح الزراعي، لكنه لم يعترض في فترة حكم عبد الناصر، وهُنا أعجبني تحليل سلماوي موقف والده، فقد اندهش سلماوي كثيرًا بعد رحيل عبد الناصر، وحين...

قراءة المزيد
لا نامت أعين الجبناء

لا نامت أعين الجبناء

في سكرات موته بدا واهنًا بشكل لا يُصدَّق، كان قادرًا على أن يلمح الوجوه الجزعة التي جاءت لتطمئن عليه، لم يستطع جسده المحموم أن يبلغ به وضع القعود، فتحسس جسده بكلتا يديه وابتسم ! إن جسده المرهق الواهي ليس فيه موضع سليم، لا يوجد شبرٌ واحد على حاله التي خُلق عليها،...

قراءة المزيد
Loading...