ما علاقة اجتياح فرنسا للجزائر بأحداث غزة اليوم؟

بواسطة | مارس 18, 2024

بواسطة | مارس 18, 2024

ما علاقة اجتياح فرنسا للجزائر بأحداث غزة اليوم؟

من المعروف جيدًا في التاريخ أن  مكافحة التمرد بشكل وحشي يمكن أن تؤدي إلى تدمير الذات في نهاية المطاف.
لماذا لا تتعلم إسرائيل وشركاؤها الأمريكيون من تجربة فرنسا في الجزائر؟

وقع هجوم وحشي شنه مسلحون مقاومون “ذبحوا بلا رحمة” مدنيين في منازلهم، بالتزامن مع هجمات ضد أهداف عسكرية تابعة لقوة احتلال. وأسفرت هذه الهجمات عن انتقام عسكري ساحق أدى إلى مقتل كثير من الأشخاص، حتى إن أحد الجنود كتب “وكان لا بد من دفنهم بالجرافات”.

قد يبدو هذا وكأنه تغطية لأحداث 7 أكتوبر وحرب غزة الحالية، إلا أن هذه هي أوصاف “مذبحة فيليب فيل” عام 1955 في الجزائر.. كان هذا الحدث بمثابة نقطة تحول رئيسية في حرب الاستقلال الجزائرية، ونهاية لـ 125 عامًا من الاحتلال الفرنسي، وأدى ذلك إلى سبع سنوات أخرى من الوحشية التي أسفرت عن مقتل ما بين 300 ألف إلى مليون جزائري، وهددت بحرب أهلية في فرنسا، كما أنها زرعت بذور العنف المستقبلي في الجزائر وفي جميع أنحاء العالم.

يتعين على الأميركيين أن يفكروا في تاريخ التجربة الفرنسية في الجزائر في سياق حرب غزة الحالية، والتاريخ الأطول للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. لقد لعبت الولايات المتحدة دورًا رئيسيًّا في هذا الصراع، وهو الدور الذي يعرفه الناس في جميع أنحاء الشرق الأوسط ويمقتونه علنًا، حتى لو لم يكن معظم الأميركيين يعرفون ذلك.

ومن المهم أن ندرك الصورة الأكبر والسياق التاريخي الذي تجري فيه الأحداث.. إن الخلط بين أفعال محددة، مثل مذبحة فيليب فيل أو هجمات حماس في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، وبين الأهداف العامة للتمرد، يهدد بالخلط بين الوسائل والغايات، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى سوء فهم جوهري للموقف ككل.

قبل مذبحة فيليب فيل، ناضل القوميون الجزائريون لأكثر من قرن ضد الحكم الفرنسي؛ قاوم الأمير عبد القادر الاحتلال الفرنسي لأكثر من عقد من الزمان في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وحدثت ثورات كبرى أخرى في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، ودعا الجزائريون المعتدلون إلى إجراء إصلاحات ووضع دستور وتحسين الاهتمامات الاجتماعية والاقتصادية.

وتصاعدت الالتماسات التي لم يتم الرد عليها إلى مطالب بالحكم الذاتي، ومطالب سلمية بالاستقلال، وفي نهاية المطاف دعم المقاومة المسلحة الجديدة. ومع ذلك، رفض الفرنسيون النظر بجدية في معالجة هذه المظالم السياسية طويلة الأمد، ونظروا إلى المقاومة من منظور عسكري فقط؛ وكان البعض يركزون اهتمامهم على التكتيكات العسكرية لجبهة التحرير الوطني، حيث حث أحد القادة الفرنسيين قائلاً: “دعونا نقسم أمام هذه النعوش أن نفعل كل شيء… للانتقام من أولئك الذين نالوا منا”.

واعتبر مسؤول عسكري فرنسي آخر الثورة الجزائرية جزءًا من “مشروع شيوعي” أكبر. ودافع آخرون – بما في ذلك كثيرون من الجمهور الفرنسي والمستوطنين في الجزائر- بقوة عن الاستعمار الفرنسي، واعتبروا الجزائر جزءًا لا يتجزأ من فرنسا، رافضين تلبية رغبات الجزائر في الاستقلال.

إن “الغاية” النهائية لحماس، مثلها في ذلك كمثل جبهة التحرير الوطني، ليست العنف الذي حدث في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول في حد ذاته، بل إنشاء دولة مستقلة.. ومثل الجزائريين، لطالما دافع الفلسطينيون عن إقامة دولة فلسطينية، وحل عادل للصراع، وحماية حقوق الإنسان، ووقف المستوطنات وعنف المستوطنين، وإعادة هيكلة المؤسسات الفلسطينية، وتغيير السياسات الأمريكية، والحصول على الخدمات والموارد، وإنصاف الفلسطينيين وحمايتهم من التمييز وعدم المساواة. وعندما استطلع المركز العربي الرأي العام العربي حول الأسباب التي دفعت حماس إلى الهجوم، وجد فهماً واسع النطاق للسياق التاريخي والأهداف القومي؛ فبينما ذكر 35% من أفراد العينة أن السبب الأهم هو استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، قال 24% إن السبب هو استهداف إسرائيل للمسجد الأقصى، و8% قالوا إنه الحصار المستمر على قطاع غزة، وأرجعه 6% إلى استمرار الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.

إن أغلب اهتمام المراقبين الغربيين بحماس يتركز على نيتها تدمير إسرائيل، كما ورد في الميثاق التأسيسي لحماس، ويتجاهل هذا التركيز عرضها في عام 2008 لهدنة على أساس قبول حدود عام 1967 والاعتراف الضمني بإسرائيل؛ كما يتجاهل نشر حماس لـ “بيان” جديد في عام 2017 أعلنت فيه أنها ستقبل حدود عام 1967 وتفاصيل أي اتفاق، بما في ذلك مبادرة السلام العربية لعام 2002، والاستعداد للنظر في أي صفقة يوافق عليها الفلسطينيون بالاستفتاء.. ويفترضون أيضاً أن موقف حماس الأصلي، الذي يوصف بالمتشدد، هو الخيار الوحيد لحل مقبول بين الفلسطينيين؛ ويغفل هذا الافتراض السوابق التاريخية للتسويات عن طريق التفاوض، مثل الفرص الضائعة للسلام عن طريق التفاوض في الجزائر.

والدرس الثاني المستفاد من التجربة الفرنسية في الجزائر يشكل أيضًا تحذيرًا؛ فالعنف الفرنسي المفرط ضد الجزائريين، بما في ذلك الأوامر الصريحة بتنفيذ “العقاب الجماعي”، أدى في نهاية المطاف إلى زيادة الدعم للمقاومة المسلحة.

لاحظ أحد الإداريين الفرنسيين: “إن إرسال وحدات الدبابات لتدمير القرى… يعني استخدام مطرقة ثقيلة لقتل البراغيث”؛ والأمر الأكثر خطورة هو تشجيع الشباب – وأحيانًا الأصغر سنًا- للإقبال على التجنيد في المقاومة. وعلى نحو مماثل، أشار زعيم جزائري إلى أن “عمليات التجنيد الفرنسية كانت بمثابة “أفضل دافع تجنيد لدينا”، وأعلن بيان لاحق لجبهة التحرير الوطني أنه “يتعين علينا أن نرد على سياسة القمع الجماعي الاستعمارية بعمليات انتقامية جماعية ضد الأوروبيين، العسكريين والمدنيين، ردًا على الجرائم المرتكبة بحق شعبنا. بالنسبة لهم، لا شفقة ولا رحمة!”.

وقد أقنع هذا أيضاً الجزائريين المعتدلين بدعم المقاومة المتشددة، ما أدى إلى تقليص السبل نحو الحوار للتوصل إلى تسوية سياسية. وأعلن أحد القادة المعتدلين قائلاً: “دوري اليوم هو أن أقف جنبًا إلى جنب مع زعماء المقاومة المسلحة، إن الأساليب التي أيدتها على مدى السنوات الخمسة عشرة الماضية – التعاون والحوار والمناقشة والإقناع – أثبتت أنها غير فعالة”.

هناك سياسة فرنسية مدمرة أخرى حققت بعض النجاح العسكري على المدى القصير، ولكنها أثبتت في نهاية المطاف أنها جاءت بنتائج عكسية، وهي سياسة التهجير القسري، الذي كان يهدف إلى “عزل المجتمعات الجزائرية عن جبهة التحرير الوطني، وبالتالي حرمانها من الملجأ والإمدادات”؛ وأجبر ذلك أكثر من مليون مدني على ترك منازلهم، إلى أماكن “محشورين فيها في بؤس متواصل، حيث مات الأطفال من الجوع والبرد”.

وشملت الممارسات الوحشية الأخرى الاعتقالات الجماعية والتعذيب على نطاق واسع وإساءة معاملة المعتقلين؛ وبينما زعم المسؤولون الفرنسيون أن هذه الأساليب حققت نجاحًا عسكريًا على المدى القصير، يرى المؤرخ أليستر هورن أنها كانت في نهاية المطاف هزيمة ذاتية: “لقد فاز العقيد ماسو في معركة الجزائر؛ لكن هذا يعني خسارة الحرب”.

إن حصيلة القتلى المروعة، والتشريد، والدمار المبالغ فيه، والعقاب الجماعي، والمعاملة اللاإنسانية وتعذيب المعتقلين في غزة، تقدم أوجه تشابه مخيفة بين العمليات العسكرية الإسرائيلية الحالية والعمليات الفرنسية في الجزائر.

ومثلهم مثل الجزائريين، يواجه الفلسطينيون النازحون في غزة حالياً المجاعة ولا يتلقون مساعدات إنسانية ولا رعاية طبية كافية على الإطلاق.. هذه التقارير مهمة للتحقيق في مزاعم انتهاكات القانون الدولي، والتي يتم بحثها في أماكن أخرى، لكنها تثير أيضًا غضبًا عالميًا مشابهًا للإدانة الدولية للإجراءات الفرنسية في الجزائر. وبالمثل، فإن هذه الإجراءات تؤدي إلى نتائج عكسية لأنها تزيد من الدعم للمقاومة الفلسطينية المسلحة، كما أشار استطلاع الباروميتر العربي.

قبل الفرنسيون في النهاية استقلال الجزائر عام 1962، بعد خمس سنوات من “الانتصار” الفرنسي في معركة الجزائر، وبعد سبع سنوات من مذبحة فيليب فيل، وبعد 18 عامًا من مطالبة الجزائر بالحكم الذاتي الفيدرالي، وبعد 132 عامًا من لجوء القوميين الجزائريين لأول مرة إلى المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الفرنسي.

ومع ذلك، استمر العنف بسبب البذور التي زُرعت خلال الحرب، والتي شكلت الحكم الاستبدادي في الجزائر، والحرب الأهلية الجزائرية في التسعينيات، وارتباطاتها بالإرهاب العالمي.

إن حرب غزة الحالية تشكل انعكاسا للتجربة الفرنسية في المقاومة المثابرة، كما أظهرت الجماعات المسلحة مثل حماس وحزب الله، والتي نشأت نتيجة لاحتلال إسرائيل لجنوب لبنان بعد حربها عام 1982 ضد منظمة التحرير الفلسطينية في ذلك البلد. وهذا يدل على أنه حتى لو هُزمت حماس عسكرياً، فإذا لم تتم معالجة المطالب السياسية الفلسطينية والمظالم الأساسية، فسوف تظهر جماعة مقاومة مسلحة أخرى.

ويتعين على الأميركيين أن يتعلموا من هذه الدروس من خلال فهم السياق الكامل للحرب الحالية في غزة، والاعتراف بالتأثير الهدام الناجم عن سعي إسرائيل إلى تحقيق “النصر الشامل” العسكري الوحشي، والذي يسهله الدعم الأمريكي غير المشروط.

المصدر: مجلة "responsiblestatecraft" الأمريكية | SEAN TOMLINSON
تاريخ النشر: 11/03/2024

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

شمال غزّة يموت جوعا!

شمال غزّة يموت جوعا!

المشهد الأول: نخوة العرب في الجاهلية بعد أن وقّعت قريش وثيقة المقاطعة الظالمة لبني هاشم، وعلقتها في الكعبة لتعطيها شيئا من القداسة، جاء هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، لتمزيق هذه الصحيفة رغم أنهم كانوا جميعا على الشرك، ولكن كان...

قراءة المزيد
مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

والد لا يعارض ثورة أمَّمت شركاته خسر والد محمد سلماوي كثيرًا من مشاريعه التجارية بسبب التأميم، وكذلك خسر أراضي زراعية بسبب الإصلاح الزراعي، لكنه لم يعترض في فترة حكم عبد الناصر، وهُنا أعجبني تحليل سلماوي موقف والده، فقد اندهش سلماوي كثيرًا بعد رحيل عبد الناصر، وحين...

قراءة المزيد
لا نامت أعين الجبناء

لا نامت أعين الجبناء

في سكرات موته بدا واهنًا بشكل لا يُصدَّق، كان قادرًا على أن يلمح الوجوه الجزعة التي جاءت لتطمئن عليه، لم يستطع جسده المحموم أن يبلغ به وضع القعود، فتحسس جسده بكلتا يديه وابتسم ! إن جسده المرهق الواهي ليس فيه موضع سليم، لا يوجد شبرٌ واحد على حاله التي خُلق عليها،...

قراءة المزيد
Loading...