كناري مشن يطارد حراك الجامعات الأمريكية

بواسطة | مايو 3, 2024

بواسطة | مايو 3, 2024

كناري مشن يطارد حراك الجامعات الأمريكية

كابوس التشهير

تخيل نفسك تستكشف موقعًا إلكترونيًا على الشبكة، وتكتب اسمك في محرك بحثه لتجد ملفًا كاملاً عنك، فيه صورتك الشخصية مع وصف تفصيلي لسيرتك المهنية وأعمالك وروابط لحساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي، والصور والفيديوهات التي تؤكد دعمك للإرهاب، وكراهية “إسرائيل” وتفصّل نشاطك “المعادي للسامية”، وانضمامك لحركة المقاطعة، وتأييدك “للمذبحة التي نفذتها حماس في السابع من أكتوبر وراح ضحيتها أكثر من 1400 يهودي”، ودعاؤك على الاحتلال بالإبادة والفناء، مع اقتباسات من منشوراتك، وصور توثق تواجدك الرقمي ضد الكيان على مواقع التواصل الاجتماعي أو الإنترنت.

تخيلت؟

هذه ليست نهاية الكابوس، تخيل أنك مازالت طالبًا في الجامعة أو على وشك التخرج أو أنك تبحث عن وظيفة، وقد تم استخدام ذلك الملف بكل ما فيه من معلومات ما بين حقيقية ومضللة لجهات لها علاقة بمسارك الأكاديمي والمهني، والضغط عليها لإيقاف منحتك الجامعية، أو تعليق دراستك، أو حرمانك من الوظيفة، أو تقييد حركتك وسفرك، وقد يصل البلاء لاستجوابك في المطارات التي تدين بالولاء للجهة التي نشرت ملف التشهير بك بدعوى التحريض على العنف!

لحظة.. ما سبق لم يكن محض خيال، بل هو واقع يعيشه عشرات الآلاف من الطلاب والأساتذة الجامعيين والأكاديميين، والشخصيات العربية والأجنبية التي تقيم في أمريكا منذ انطلاق مشروع كناري مشن.

مشروع كناري Canary Mission

هو موقع إلكتروني تم إنشاؤه عام 2014 يجمع ملفات عن الناشطين من الطلاب والأساتذة والمهنيين والمنظمات، مع التركيز في المقام الأول على أولئك المتواجدين في جامعات أمريكا الشمالية؛ ومنذ انطلاقه لم يتوقف الموقع عن جمع معلومات عمن يعتبر أنهم جهات معادية لإسرائيل أو معادية للسامية، ويزعم أنه يسعى من وراء هذا التشهير لحصر دعاة العنصرية والتعصب، وأن الجمهور – ومن خلال تسليط الضوء على جماعات الكراهية وأعضائها- سيصبح أكثر اطلاعًا على التعصب في مجتمعاته وأكثر قدرة على نبذ دعاته.. ويتمادى القائمون على الموقع في الادعاء أنهم أصحاب الحق الكامل، في معرفة ما إذا كان الفرد قد انضم إلى حركات تنخرط بشكل روتيني في خطابات وأفعال معادية للسامية، وتروج لكراهية اليهود وتسعى إلى تدمير إسرائيل، ورصده في القائمة.

القائمة السوداء

هي قائمة سوداء مصمّمة لترهيب الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والناشطين المجتمعيين المشاركين في التضامن مع الحق الفلسطيني.. هكذا قال بعض من أدرجهم كناري في شباكه، وافترى عليهم، ووجّه لهم اتهامات لإحراجهم وإذلالهم والإضرار بقدرتهم على العمل مستقبلاً، ذلك أن الموقع يستخدم تكتيكات مفرطة في العدوانية، وبمجرد الإدراج في القائمة السوداء، يكاد يكون الخروج منها مستحيلاً، إنه نوع من الابتزاز السياسي، من خلال التشهير Doxing، وهو نشر معلومات تعريف شخصية علنًا عن فرد أو منظمة، عادةً عبر الإنترنت ودون موافقتهم، وقد يتم جمع المعلومات من خلال وسائل إجرامية أو احتيالية مثل القرصنة والهندسة الاجتماعية.

ولا تقتصر قوائم كناري على الطلاب والهيئة التدريسية، بل تشمل أيضًا مجموعة من المنظمات الطلابية في الجامعات الأمريكية، والمؤسسات الخيرية والاجتماعية إلى جانب مؤسسات إعلامية، مثل قناة الجزيرة وموقع الانتفاضة الإلكترونية وموقع حركة المقاطعة BDS وغيرها؛ لذا كان السؤال الأبرز: مَن وراء تمويل تشويه سمعة مؤيدي فلسطين وترهيبهم؟

من وراء تمويل كناري مشن؟

يتم تمويل كناري مشن سرًا من الأثرياء الأمريكيين اليهود والمؤسسات اليهودية الأمريكية، ولم يكتف المانحون الأثرياء بالتمويل لتنفيذ أعمال التجسس والترهيب في حرم الجامعات الأمريكية، بل طلبوا أيضًا إعفاءات ضريبية فيدرالية سخية مقابل تبرعاتهم، لذا تقبل كناري التبرعات المعفاة من الضرائب علنًا من خلال موقعها على الإنترنت، كما تم تسهيل التبرع من خلال الصندوق المركزي لإسرائيل، وهي منظمة مقرها نيويورك باعتبارها مؤسسة خيرية غير ربحية، تعمل كوسيط في تحويل عشرات الملايين من الدولارات سنويًا إلى مجموعات مختلفة، مرتبطة بالمنظمات الإسرائيلية اليمينية والمستوطنات اليهودية في إسرائيل.

وحسب مجلة Forward الأمريكية، تبرعت مؤسسة عائلة هيلين ديلر الأمريكية بمبلغ 100 ألف دولار لمشروع كناري مشن، من خلال جمعية خيرية في إسرائيل اسمها ميجاموت شالوم، ولكن من أجل الحصول على إعفاء ضريبي حوّلت الأموال إلى صندوق ائتماني أكبر بكثير، وهو اتحاد الجالية اليهودية في سان فرانسيسكو، ولأنهم واثقون من أن تبرعاتهم لن يتم الكشف عنها أبدًا، ضخ مانحون آخرون في أمريكا الأموال إلى ميجاموت شالوم عبر جمعيات خيرية مماثلة، من بينها مؤسسة المجتمع اليهودي (JCF) في لوس أنجلوس، وتم رصد تبرع لأحد المساهمين بمبلغ ربع مليون دولار.

خطوات القمع في كناري مشن

يهدف مشروع كناري مشن لقمع من يتفوه بكلمة على مواقع التواصل ضد الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي، أو يدعو للمقاطعة، أو يمشي في مظاهرة أو يرفع لافتة تعارض سياسة الاحتلال وقتل الأبرياء في غزة، وينفذ المشروع هجومه على الأفراد الذين يختارهم من خلال ثلاثة محاور:

1- إنشاء ملف تعريفي كامل للهدف (طالب، أكاديمي، مهني، بروفيسور)، ومشاركة روابط حساباته وصوره، واتهامه بـ “معاداة السامية” أو “معارضة إسرائيل” أو “دعم الإرهاب”؛ ويعتبر هذا الملف وصمة في المسار المهني للضحية، خاصة عندما لا يكون لديه نشاط عميق على الإنترنت، حيث سيظهر في أول نتائج البحث عندما تستعلم جهات التوظيف عن اسمه، حينها سيظهر الملف بكل الاتهامات والافتراءات المنسوبة إليه زورًا، جنبًا إلى جنب مع ميوله الإجرامية ودعوته للتحريض على القتل.

2- بعدها يتعرض الهدف لمحاولات شيطنة من حسابات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف المضايقة والترهيب، وغالبًا ما تأخذ المنشورات شكل الإهانات والمضايقات وحتى التهديدات بالقتل، ونتيجة لذلك فإن الضحايا الذين يقعون تحت طائلة الاستهداف المليئة بالكراهية والتشهير العلني يتعرضون لضغوط نفسية رهيبة.

3- لا يكتفي المشروع بما سبق، بل يرسل بيانات الضحايا لأصحاب العمل المحتملين وجهات التوظيف والمؤسسات التي يعملون بها لحظرهم وتقييد أعمالهم.

ضحايا كناري مشن

تعمل كناري مشن كأصل استخباراتي رئيسي لوزارة الشؤون الاستراتيجية، وهي منظمة استخباراتية شديدة السرية تركز إلى حد كبير على الولايات المتحدة، وجهاز الأمن الشاباك. ولا يقتصر الأمر على إسكات المعارضة المناهضة لإسرائيل فحسب؛ بل تُستخدم قائمة الأسماء الخاصة بها أيضًا لمنع هؤلاء الأفراد من دخول إسرائيل ومحاولة زيارة عائلاتهم، بما في ذلك اليهود والفلسطينيين.. وحسب هآرتس، فإن وكالات الاستخبارات الإسرائيلية تستخدم البيانات التي جمعتها كناري مشن كأداة لتحديد الأشخاص الذين سيخضعون لحظر الدخول إلى إسرائيل.

كما استخدمت أجهزة الأمن الإسرائيلية محتوى من موقع كناري لفحص بعض الأفراد في مطار بن غوريون، واعتمدت الادعاءات الواردة على الموقع لتبرير قرارات ترحيل الأشخاص من إسرائيل، وكان من بينهم لارا القاسم، وهي طالبة أمريكية من أصل فلسطيني، كانت تبلغ من العمر 22 عامًا، عندما كانت تخطط للدراسة في برنامج الماجستير في الجامعة العبرية في القدس؛ وعلى الرغم من أنها كانت تحمل تأشيرة صالحة، فقد تعرضت للاستجواب بمجرد هبوطها في مطار تل أبيب، ثم الترحيل.

وكانت الضحية الأخرى كاثرين فرانكي، الأستاذة في كلية الحقوق بجامعة كولومبيا، التي كانت ذات يوم عضوًا في اللجنة التوجيهية للمجلس الاستشاري الأكاديمي لمنظمة الصوت اليهودي من أجل السلام.. أطلعها أحد المسؤولين في المطار عند هبوطها في تل أبيب على الملف التعريفي الخاص بها في كناري مشن، وبعد احتجازها لمدة 14 ساعة تم ترحيلها ومنعها من الدخول نهائيًا.

حراك طلاب الجامعات

مع الذكاء الاصطناعي وتقنية التعرف على الوجوه، وتزامنًا مع المظاهرات التي اجتاحت الجامعات الأمريكية ضد الإبادة التي يمارسها الاحتلال في غزة، نشط مشروع كناري مشن، وأضاف آلاف الأسماء الجديدة لتصنيفات الموقع، بغرض تحييد وحظر أصحابها من مواصلة مسارهم الأكاديمي والانخراط في السلك المهني، بتهمة المشاركة في الحراك ضد إسرائيل.

كما كان له دور في الاعتقالات التي طالت طلاب جامعة كولومبيا، والعقوبات التي فُرضت على العديد منهم؛ وتحت عنوان: “طلاب جامعة هارفارد يدعمون الإرهاب” أضاف الموقع بوقاحة أسماء الأندية الطلابية وأعضاء هيئة التحرير من لجنة التضامن بجامعة هارفارد مع فلسطين، الذين وقّعوا على رسالة اعتراض ضد الإبادة.

الخلود للحق

هي حرب المعلومة التي يسعى الفلسطيني لاسترداد حقه من خلالها، بينما يفاخر الاحتلال بقدرته على قطع أرزاق من يعارضه بامتلاكها، هي معركة الوعي التي يراهن الفلسطيني فيها على أجيال متسلحة بنور بصيرتها، ويراكم الاحتلال عداواته بقمع من يثور ضد ظلمه، فيزيد مساحة ثأره مع العالم حوله ظنًا منه بتفوق عرقه، وتقنيات استخباراته، وإرهاب أسلحته، متجاهلاً قدرة الحق على الخلود في قلوب المساندين له، حتى وإن طالت العقوبات أرزاقهم وأعناقهم.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

الخرافة والسياسة والولاية

الخرافة والسياسة والولاية

حينما تحضر الخرافة تموت السياسة.. هذا أبسط شيء يمكن قوله اليوم في الواقع الطائفي المأزوم الذي تعيشه المنطقة العربية على وقع انهيار الدولة الوطنية العربية، في عديد من الجمهوريات العربية، التي أُفشلت فكرة الدولة فيها لعوامل عدة. في مقدمة تلك العوامل عدم تحول فكرة الدولة...

قراءة المزيد
هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

لا شك أن هوية أي أمة تحددها الثقافة الأم التي تعتنقها أغلبية هذه الأمة، ومنذ أن أشرقت شمس الرسالة على أرض العرب، أصبح الإسلام يمثل إلى اليوم هويتها المعبرة عن ثقافتها، بعد أن صبغ فيها أوجه الحياة من تصورات وعادات وتقاليد وفنون وعلوم ومعايير رفض وقبول ونحو ذلك. ومع كل...

قراءة المزيد
جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

قبل نحو عقدين من الزمن قررت أن أكون من أصحاب السيارات لأول مرة في حياتي، ولأني لم أكن أجيد القيادة جيداً، فقد نصحني البعض أن أبدأ بالسيارات المستعملة، حتى تتحمل أية أخطاء متوقعة من المبتدئين أمثالي. لجأت إلى أحد تجار هذا الصنف في قرية مجاورة، وهو مع أقرانه خليط من ذوي...

قراءة المزيد
Loading...