مسرحية “المُسيّرات الإيرانية”.. وقمة الأهلي والزمالك!

بواسطة | أبريل 16, 2024

بواسطة | أبريل 16, 2024

مسرحية “المُسيّرات الإيرانية”.. وقمة الأهلي والزمالك!

على خير وسلام انتهت مسرحية “الرد الإيراني” على اعتداء إسرائيل على قنصلية طهران بدمشق.

في كل عيد تعرض جيوش قنواتنا التلفزيونية عدداً من المسرحيات الكوميدية وفق المنهج المقرر لكل مناسبة؛ ولأن نفسية العرب لم تكن على ما يرام لمشاهدة “مدرسة المشاغبين” أو “سيدتي الجميلة” أو “العيال كبرت” وغيرها، بسبب مسلسل المذابح في قطاع غزة، فقد دخلت طهران على الخط بمسرحية تتناسب مع الحدث.

المسرحية كانت من فصل واحد، فصل جعل النوم يخاصم جفوننا ليلة الأحد- الإثنين 14 أبريل 2024.. ستسجل كتب التاريخ هذه الليلة ضمن ليالٍ عديدة شبيهة عاشتها أمتنا، وصلت أحلامها فيها إلى قمم الجبال، قبل أن تصحو وتجد أمانيها وقد نثرتها الرياح في سفوح أودية من خيبة الأمل، و”ترحل.. صرختي تذبل في وادي لا صدى يوصل ولا باقي أنين”، وفق التعبير الأثير للمبدع الراحل طلال مداح.

باختصار – وكما في الدراما- وصلنا إلى ذروة الحدث مع تبادر الأخبار عن بدء الرد الإيراني على إسرائيل.. تكهربت أجواء الفضائيات الإخبارية، استنفر المراسلون في كل مكان يروون ما عندهم من أخبار، خرج المحللون يتبارون في حياكة رؤاهم للمشهد ومآلاته، “هاشتاجات” على وسائل التواصل الاجتماعي حول “الحرب العالمية الثالثة”، طالعنا منشورات وكتابات تحمل طموحات أناس أنهكتهم الهزائم وغلبتهم خيبات الأنظمة العربية، فراحوا يعقدون آمالهم على إيران في دحر الكيان الصهيوني.. كلهم أجمعوا على أن الرد الإيراني سيؤدي في أقل مكاسبه إلى وقف إبادة أهلنا في غزة.

 ثم بين حين وآخر تظهر الأخبار العاجلة.. هذا الناطق باسم “جيش الدفاع الإسرائيلي”، وذاك المتحدث باسم “الحرس الثوري الإيراني”، وثالث مصدر مقرب من “البنتاجون”، ورابع وخامس و.. وعاشر. والنتيجة: “انتهى التفتيش.. مفيش”، على قولة الفاجومي أحمد فؤاد نجم.

فعلاً.. لا شيء حدث! مسيَّرات إيران كانت تسير بسرعة بطة عرجاء، المراسلون قالوا إنها ستصل إسرائيل في غضون تسع ساعات، لا مشكلة.. نتحمل الساعات التسع على أمل أن نرى نار المُسيّرات وقد أمسكت بملابس نتنياهو ومجلس حربه و”جيش دفاعه”، فخرجوا مذعورين يرمون أنفسهم في بحر حيفا بحثاً عن الإطفاء .

بعد طول الانتظار، وصلت المسيَّرات بالسلامة ترمي التماسي على حدود فلسطين المحتلة، فاعترضتها “القبة الحديدية” بهدوء.. ولا خسائر مادية أو بشرية !

بعيداً عن تنظير السادة المحللين، وألفاظهم المُقعّرة بأن إيران أحدثت هزيمة نفسية مروّعة لإسرائيل، ويكفي أنها جعلت سكانها يقضون ليلتهم في الملاجئ وهم ينشدون “دارينا يا حيط.. يا حيط دارينا”، وأن هذا الرد له تبعاته المستقبلية على أمن الكيان الصهيوني؛  فإن “العملية الدقيقة” – حسب وصف طهران نفسها- “قد انتهت”، والتعبير أيضاً لطهران، وأنها – طهران كذلك- لا تريد توسعة الحرب!

إذن..

 إيران كانت تريد فقط توجيه رسالة إلى إسرائيل، مفادها: “اسمعوا يا بني صهيون.. أيها الملاعين الأنجاس.. أنا أستطيع الرد، وإذا كنت أرسلت اليوم 100 مسيَّرة مستكينة مستسلمة لم تصب أي فرد عندكم ولو بخدش في إصبعه الخنصر، فإنه يمكنني المرة القادمة أن أجعل هذه المُسيّرات شرسة، وتحيل لياليكم الحمراء إلى سواد حالك”.

الرسالة لم تكن إلى إسرائيل فقط، ولكن إلى أمريكا، وإلى الداخل الإيراني، فضلاً عن حواريي طهران في المنطقة، الذين ترقبوا ردها على مقتل اثنين من مسؤوليها العسكريين في قصف قنصليتها بدمشق.

هذا كل ما حدث.. رسالة ردع تعرفها إسرائيل مسبقاً، وتدرك يقيناً أن إيران تحب أن تناوشها عبر أحزاب وميلشيات أخرى في عموم الشرق الأوسط، ولا تريد أن تجعل المواجهة مباشرة.

بداية أقول إنه لا أحد يريد توريط إيران في حرب مع إسرائيل ولا مع غيرها، مسؤولو طهران أنفسهم ومنذ “تجرّعوا كأس السم” وقبلوا بوقف الحرب مع العراق عام 1988، يلعبون سياسة بدهاء وحنكة، إنهم يتشددون في مطالبهم وكلماتهم مع واشنطن، لكن وقت الجد إذا وجدوا أن المواجهة قد تقع فإنهم يطأطئون للريح حتى تمر، ويجنّبون أنفسهم وبلادهم شر القتال.

ساسة إيران فعلا محظوظون! من الواجب الاعتراف بذكائهم في طريقة استغلال كل الفرص و”غباء” الغير لصالح مشروعهم، لكن الحظ فعلا يخدمهم.

حينما ارتكب صدام حسين خطيئة غزو الكويت، وحتى لا يفتح جبهة جديدة على نفسه، حاول تحييد “الأعداء القدامى” ووافق على إعادة العمل بـ”اتفاقية الجزائر” بشأن تقاسم شط العرب مع الإيرانيين، وهى الاتفاقية التي اندلعت بسببها حرب الـ”ثماني سنوات” بين البلدين. وقتها فرحت طهران، وقالت “هل من مزيد؟”؛ وخلال القصف الجوي العنيف لـ”العدوان الثلاثيني” – كما أسمته بغداد- سنة 1991، والذي تبين أن هدفه ليس إخراج العراق من الكويت فقط، وإنما تدمير بلاد الرافدين، حاول صدام إنقاذ طيرانه.. استجار بجاره الشرقي وأرسل طائراته إلى المطارات الإيرانية ظنا أنها في أيد أمينة، على أن يستعيدها بعد توقف صواريخ أميركا وحلفائها عن نشـر الخراب، لكن هذه الطائرات لم تعد حتى الآن.. اعتبرها سادة طهران “غنيمة حرب”.

ومثلما أعطاهم “بوش الكبير” فرصة الانتقام من صدام، وتأليب الجنوب الشيعي عليه أثناء الانسحاب من الكويت، ثم أخذ موطئ قدم دائم بعد فرض “الحظر الجوي” في تلك المنطقة؛ فقد جاء “بوش الصغير” ليستكمل المهمة ويقدم لهم الهدية الكبيرة صبيحة عيد الأضحى المشهود.. “رأس صدام”، ومعها العراق كله مرتعاً وملعباً وتابعاً.

لكن ذكاءهم أحياناً يقودهم إلى ازدواجية المواقف والتصـرفات، إذ إن سياسيي طهران الذين هلّلوا للربيع العربي في تونس ومصـر وليبيا 2011، هم الذين راحوا ينتحبون حينما دخلت قوات “درع الجزيرة” إلى البحرين، ولم تلتزم سياستهم منحى ثابتا في مسارها مع الحدث الذي تكرر في أكثر من دولة.. فماذا فعلوا حينما هبّت رياح الربيع على سوريا، وهي التي قابلها “الأسد” برغبة محمومة في قتل الأبرياء؟

أولاً: الجنرال الراحل قاسم سليماني، قاد بنفسه معارك قصف المدنيين، وكان يتنقل بين دمشق وبغداد، لوضع الخطط والإشراف على العمليات هنا وهناك.

ثانياً: تقديم مساعدات اقتصادية مباشرة لنظام الأسد بمبلغ 7 مليارات دولار سنويا.

ثالثاً: منح الحكومة السورية على الفور 300 ألف برميل نفط يومياً.

كل هذا في سوريا  فقط، وهناك غيره كثير في بلدان أخرى.

شخصياً.. أحب إيران كبلد حضاري عريق، وشعب كبير متعدد الأعراق، أراها إضافة إلى أمتنا الإسلامية، وليس لي علاقة بمن يحكمها أو بسياساتها.. المسؤولون زائلون والتاريخ هو من يحكم عليهم، بينما الدول والأوطان هي الباقية.

زرت إيران مرة واحدة قبل عشر سنوات، أعجبت كثيراً بما رأيته فيها؛ متاحفها.. حدائقها.. مستشفياتها.. كم العلماء والمثقفين بين شعبها.. مستوى النظافة في مدنها.. تخصيص حارة محددة للحافلات العامة في شارع “وليّ عصر” البديع، أكبر شوارع العاصمة.. حرص كثير من السكان على تزيين الأمكنة أمام منازلهم بالزرع والورود. أما شمال إيران فهو جنة الله في أرضه، جبال خضراء شاسعة تنبسط بلوحة جمالية بديعة لتلامس بحر قزوين.

إيران بمقوماتها وتاريخها وإمكاناتها يجب الحفاظ عليها، لكني ضد مشاركة ساستها وغيرهم في هزيمة الشعوب نفسياً، عبر دعايات الأنظمة لنفسها، ومحاولة كسب شعبية بدغدغة مشاعر ملايين البشر المحبطين من تجبر إسرائيل وعربدتها في المنطقة منذ نشأتها، وحربها المتواصلة لإبادة الشعب الفلسطيني، والتي تحولت إلى مذابح يومية طوال سبعة أشهر بحق أهالي غزة.

ظن المساكين وحسنو النيّة من الشعوب أن الأمل معلق على إيران لوقف هذه المذابح، لكن – كالعادة- ومثلما خذلهم من يؤيدون إسرائيل سراً وعلانية، خذلتهم أيضا مسيَّرات طهران الكسيحة؛ والمفارقة أن أحد المحللين المتحذلقين قال وهو يعدد مزايا النصر الإيراني: يكفي أن إسرائيل أوقفت القصف على غزة طوال ليلة كاملة !

ما عشناه مع “المُسيَّرات الإيرانية” هو صفحة جديدة من صفحات كتاب الإحباطات والخيبات والوكسات التي عاشتها أمتنا، بداية من صاروخي “الظافر” و”القاهر” لجمال عبد الناصر، الذي قال ومعه إعلامه إنهما سيحرران فلسطين من البحر إلى النهر، مروراً بصواريخ سكود صدام حسين، التي أقسم ومعه توابعه أنها ستحرق نصف الكيان الصهيوني.

في ليلة “مسرحية المسيّرات”، وبعدما مللت من كلمات المحللين ونحن في الانتظار الطويل لوصولها إلى تل أبيب، قلّبت في “ريموت” التلفزيون وانتقلت من فضائيات الأخبار ووجع الرأس، إلى قناة من قنوات وطني الحبيب، فوجدت فيها أحسن توصيف لحال أمتنا.

كانت القناة تذيع برنامجاً ضمن ماسورة برامج رياضية تنفجر في وجه أهل المحروسة كل ليلة على كل القنوات؛ الحلقة كانت لمتابعة مباراة قمة الكرة المصرية الأخيرة بين الأهلي والزمالك قبل انطلاقها بـ 24 ساعة؛ كان المذيع  يتلقى مداخلة هاتفية من أيمن يونس لاعب الزمالك السابق والمُلقّب بــ “فيلسوف التحليل الرياضي”.. تحدث الرجل عن المباراة وكيف أنها تأتي في ظل أحداث المنطقة وهجمات إيران التي تشغل الجميع، قبل أن يستطرد بطريقة نطقه الطريّة: “لكن برضه إحنا مهتمين بالماتش.. لأن الكورة دي حياتنا”.

أحسنت يا فيلسوف.. فعلاً “الكورة دي حياتنا”!.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

شمال غزّة يموت جوعا!

شمال غزّة يموت جوعا!

المشهد الأول: نخوة العرب في الجاهلية بعد أن وقّعت قريش وثيقة المقاطعة الظالمة لبني هاشم، وعلقتها في الكعبة لتعطيها شيئا من القداسة، جاء هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، لتمزيق هذه الصحيفة رغم أنهم كانوا جميعا على الشرك، ولكن كان...

قراءة المزيد
مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

والد لا يعارض ثورة أمَّمت شركاته خسر والد محمد سلماوي كثيرًا من مشاريعه التجارية بسبب التأميم، وكذلك خسر أراضي زراعية بسبب الإصلاح الزراعي، لكنه لم يعترض في فترة حكم عبد الناصر، وهُنا أعجبني تحليل سلماوي موقف والده، فقد اندهش سلماوي كثيرًا بعد رحيل عبد الناصر، وحين...

قراءة المزيد
لا نامت أعين الجبناء

لا نامت أعين الجبناء

في سكرات موته بدا واهنًا بشكل لا يُصدَّق، كان قادرًا على أن يلمح الوجوه الجزعة التي جاءت لتطمئن عليه، لم يستطع جسده المحموم أن يبلغ به وضع القعود، فتحسس جسده بكلتا يديه وابتسم ! إن جسده المرهق الواهي ليس فيه موضع سليم، لا يوجد شبرٌ واحد على حاله التي خُلق عليها،...

قراءة المزيد
Loading...