مصطفى لطفي المنفلوطي.. بعد قرن من الزمان

بواسطة | ديسمبر 30, 2023

مقالات مشابهة

مقالات منوعة

بواسطة | ديسمبر 30, 2023

مصطفى لطفي المنفلوطي.. بعد قرن من الزمان

حظوظ المؤلفين متفاوتةٌ في الخلود الأدبي.. كنتُ كلما طالعت اختيارات القرَّاء رأيت من بين حصيلتهم كتابًا لمصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924م)، وتعجَّبت من حضور هذا الكاتب بعد رحيله بقرن من الزمان، فهو ذاك الشيخ المُعمَّم الذي تغزَّل في الحب وكتب عن القبُلات ونشر العاطفة في كثير من أعماله، تجاوزه الأدب إلى عالم الواقعية، لكنه بقي من حنين البدايات في القراءة؛ وفي هذه المقالة أبحث بعض جوانب سيرة هذا الكاتب وأثره في جيله.

يقول المنفلوطي، وهو يقدم لنا كتابه (النَّظرات) الذي كان ينشره مقالاتٍ في صحيفة المؤيَّد: «كنت أحدِّثُ الناس بقلمي كما أحدِّثُهم بلساني، فإذا جلستُ إلى منضدتي خُيِّلَ إليَّ أن بين يديَّ رجلًا من عامة الناس مقبلًا عليَّ بوجهه، وأن من ألذِّ الأشياء وأشهاها إلى نفسي ألا أترك صغيرًا ولا كبيرًا مما يجول بخاطري حتى أفضيَ به إليه، فلا أزالُ أتلمَّس الحيلةَ إلى ذلك، حتى أظن أنني بلغت ما أريد. وما كنت أحْمل نفسي على الكتابة حملًا، بل كنت أرى فأفكر فأكتب فأنشر، فأُرضي الناس مرة وأُسخِطُهم أخرى».

المنفلوطي والسياسة

بدأ المنفلوطي حياته في قريته منفلوط، وأتمَّ حفظ القرآن، وانتقل إلى القاهرة فدخل الأزهر، وسرعان ما وجد أن طريقة التعليم التي كانت مُتَّبعة في الأزهر وقتها لا تتلاءم مع مواهبه الأدبية، فأهمل دراسته ووقعت بينه وبين مشايخه في الأزهر مشادات بسبب إدمانه قراءة الكتب الأدبية وقرض الشعر. وبالنظر إلى الجانب السياسي من حياة المنفلوطي، يحكي صلاح عيسى في كتابه «هوامش المقريزي» أن المنفلوطي التقى الشيخ محمد عبده وتتلمذ عليه، ‏‏وعندما تولى سعد زغلول وزارة المعارف لأول مرة عام 1906م، خلق له وظيفة باسم «المحرر العربي»، وبقي فيها مدة حتى جاء الرئيس الأمريكي روزفلت إلى القاهرة، وأدلى فيها بتصريحات تؤيد الاحتلال الإنجليزي لمصر، وثار الصحفيون وتصدَّى له المنفلوطي بمقالات متوالية، أثارت مستشار وزارة المعارف، دنلوب، ‏الذي توجه إلى سعد زغلول طالبًا فصْل المنفلوطي من الوزارة لأنه «يكتب في السياسة»، لكن سعد رفض بتاتًا، فقال المستشار: «إن الحكومة في حاجة إلى رجال مثل الشيخ المنفلوطي، ولكنه ليس في حاجة إليها، والوظائف قبور للأدباء، ومن الخير للحكومة أن يكون مثله داخلها».

وخاطب المنفلوطي الخديوي عباس عقب عودته من الحج فقال:

قدومٌ ولكن لا أقول: سعيدُ   ومُلك وإنْ طال المدى سيبيدُ

وقد حُكِم على مصطفى لطفي المنفلوطي بالسجن ستة أشهر، وصحَّتْ نبوءة المنفلوطي وانتهى حكم عباس وأسرة محمد علي، ‏وعندما انتقل سعد باشا إلى وزارة الحقَّانية أخذ المنفلوطي معه، وخلق له أيضًا وظيفة «المحرر العربي»، وعندما انتُخب سعد وكيلًا للجمعية التشريعية أخذه معه ضمن سكرتاريتها، وبقي فيها إلى أن نُفِي سعد، فانتصر له المنفلوطي وكتب يسانده، وأثار ذلك ثروت باشا ففصله من الخدمة الحكومية.

وصف الزيّات صاحب مجلة الرسالة للمنفلوطي

‏يصف الأديب أحمد حسن الزيات أجواء استقبال القرَّاء مقالات المنفلوطي،
إذ يقول: «كان هذا النفر من الطلبة الأيفاع المتأدِّبين يجلسون في أصائل أيامهم الغريرة أمام الرُّواق العباسي في الأزهر يتقارضون الأشعار، ويترقبون جريدة المؤيد يوم الخميس، ليقرؤوا مقال المنفلوطي خُمَاس وسُدَاس وسُبَاع، وطه حسين مرهفٌ أذنيه، ومحمود زناتي مسبلٌ عينيه، وأحمد حسن الزيات مأخوذٌ بروعة الأسلوب، فلا ينبس ولا يطرِف، وكلهم يودُّون لو يعقدون أسبابهم بهذا المنفلوطي الذي اصطفاه الله لرسالة هذا الأدب البِكر».

ثم يقول الزيات: «وحينئذ أشرق أسلوب المنفلوطي على وجه (المؤيد) إشراق البشاشة، وسطع في أندية الأدب سطوع العبير، ورنَّ في أسماع الأدباء رنين النغم. ورأى القراء والأدباء في هذا الفن الجديد ما لم يروا في فقرات الجاحظ وسجعات البديع، وما لا يرون في غثاثة الصحافة وركاكة الترجمة، فأقبلوا عليه».

‏يكمل الزيات الوصف: «رأيته لأول مرة، فرأيت رجلًا مجتمع الأشد، ممتلئ البدن، غليظ الشارب، حسن السمت، لا تلحظ على وجهه المطهم المصقول مخايل الفنان ولا سهوم المفكر، ثم تحسبه وهو يحدثك حديثه المقتضب الخافض سريًّا من عامة السراة في الصعيد لا حظ له من بلاغة اللسان ولا رياضة القلم».

ثم ينبهنا الزيات إلى أنه في مقابلته مع المنفلوطي لاحظ أنه «كان يتَّقي المجالس، ويتجنَّب الجدل، ويكره الخطابة، ومرجع ذلك فيه إلى احتشام التربية التقليدية في الأسرة، ونظام التعليم الصَّامت في الأزهر، وفرط الشُّعور المرهف بكرامة النفس»، وحاول الزيات أن يفسر سر الذيوع في أدب المنفلوطي، فقال: «وسرُّ الذيوع في أدب المنفلوطي ظهوره على فترة من الأدب اللباب، ومفاجأته الناس بهذا القصص الرائع الذي يصف الألم ويمثل العيوب، في أسلوب طلي وسياق مطَّرد ولفظ مختار».

المنفلوطي ونجيب محفوظ

يحكي محمد شعير في كتابه «البدايات والنهايات» عن تأثر نجيب محفوظ وهو طالب في المدرسة بالمنفلوطي، فبينما تزداد ثورة 1919 اشتعالًا، وتنتشر في كل أرجاء مصر، كان الطفل الصغير نجيب في مدرسته ينتظر انتهاء اليوم الدراسي ليعود إلى منزله، لكن حدث ما لم يكن متوقعًا، إذ هجم الإنجليز على المدرسة، ليطلبوا من ناظرها صرف الطلبة وإغلاقها؛ يقول محفوظ في مذكراته التي نشرها شعير: «وعليه، فقد وجد الصبي نفسه يسير بلا وعي وسط آلاف من الجمهور، ولكنه أسرع بالذهاب إلى منزله وهو يرتجف رعبًا وفرقًا».

وهنا وقف محمد شعير أمام جملة محفوظ الأخيرة: «يرتجف رعبًا وفرقًا».. في معاجم اللغة، تعني «فرِقَ» راعه وأفزعه، وهي عبارة قاموسية غير مستخدمة كثيرًا إلا في نصوص نادرة، بل لم يستخدمها طه حسين على الرغم من تأثيره الهائل في محفوظ وهو يكتب نص «الأعوام»، ولكن محمد شعير وبمجرد إدخاله الجملة على محرك البحث جوجل للتأكد منها، وجد أن النتائج التي تظهر تخص مصطفى لطفي المنفلوطي، بل إن الفعل «يرتجف» من أكثر الكلمات التي استخدمها صاحب «النظرات» و«العبرات»، أحيانًا يضيف إليه: «خوفًا ورعبًا، فرقًا ورعبًا، رعبًا وفرقًا، فزعًا ورعبًا».

هكذا يلتقط شُعير أثر المنفلوطي في كتابة نجيب محفوظ وهو فتى صغير متأثر بأسلوبه، فهناك لحظة فارقة في السنة الأخيرة من الدراسة جعلت محفوظ يتجه إلى الأدب، وهو ما أصاب أساتذته بالدهشة.. كانت هذه اللحظة مع اكتشاف محفوظ أدب المنفلوطي.

‏كان المنفلوطي أحد أبطال محفوظ، كان صاحب الصورة الوحيدة المعلقة على جدار غرفته في بيته بحي العباسية، وقد بكاه بحرقة شديدة عندما عرف أنه رجل ميت منذ زمن بعيد، ولم يحدث ذلك البكاء بحرقة إلا عند وفاة سعد زغلول، ثم وفاة والده، وقد قرأ محفوظ مقالًا للمازني يهاجم فيه بطله الروحي، فلم يذق ليلتها طعم النوم، كما كانت «ماجدولين» هي الكتاب الوحيد الذي قرأه أكثر من عشرين مرة. وقد رصد الناقد مصطفى بيومي في أحد مقالاته هذا الحضور في كثير من روايات محفوظ وقصصه؛ ففي روايته «بداية ونهاية» يبرر حسنين رغبته في تقبيل خطيبته: «مَن يقول إن القُبلة استهتار؟ ألم تقرئي ما قاله المنفلوطي في القُبلة وهو الشيخ المعمَّم؟».

لا ينتهي حضور المنفلوطي في أدب نجيب محفوظ، ففي ثُلاثيته يقول أحد الأبطال: «موت المنفلوطي وضياع السودان ووفاة سيد درويش أسْوَد أيام حياتنا»، ويفسر صلاح عيسى ذلك بأن المنفلوطي ارتبط في وجدان الجيل الذي كان شابًّا في عشرينيات القرن العشرين بمجموعة من العواطف المركَّبة، بعضها بأحلام مُجهَضة كضياع السودان بعد مقتل السردار، والآخر مزيج من الفرح والحزن والكبرياء الوطنية ونشوة الطرب، كانت تمثله موسيقا سيد درويش؛ أما المنفلوطي نفسه فكان آخر صيحة في أدب الإنشاء والخواطر، إذ يجد الكاتب فرصة ليُزخْرف اللفظ ويوشي الفكرة ببعض المحسّنات.

قال عنه يحيى حقي إنه «أكبر مسؤول عن دموع مآقينا وزفرات صدورنا»، ولم يكن هذا هو التأثير الوحيد كما سنرى للرجل، فقد كانت كراسات الإنشاء، كما يروي عباس محمود العقاد، لا تخلو من مِيزاب دمع أو مأتم شجْوٍ وأنين بسبب المنفلوطي.

المنفلوطي وتأثيره في جيل الأدباء

يقول زكي نجيب محمود: «‏عندما انتقلت من عالم المنفلوطي إلى عالم العقاد بمطالعاته، ومراجعاته، وساعاته بين الكتب، فقد انتقلت من القلب الهش الرقيق إلى الرأس الصُّلب العنيد، فأحسست نضجًا فكريًّا ينمو معي ويزداد في خطوات سريعة»، وليست هذه الشهادة نادرة بين الأدباء؛ فقد رأينا تأثر نجيب محفوظ في طفولته بالمنفلوطي، ونذكر شهادة عبد الرحمن بدوي كما حكاها في مذكراته، فقد أثرت رواية «تحت ظلال الزيزفون»، التي ترجمها المنفلوطي، في نفسية الفتى، وكان المنفلوطي أديب ذلك العصر، ثم قرأ بدوي «ماجدولين» فعرف اسم الشاعر الألماني «جيته»، الذي سيُصبح بعد ذلك أعظم الشعراء لدى بدوي، وترك المنفلوطي أثره في وجدان الفتى.

إبَّان السنة الثانية في مدرسة فارسكو الابتدائية انبعثت في نفس عبد الرحمن بدوي نزعة حادة إلى الأدب، بل وإلى التأليف! فأرسل إلى شقيقه الأكبر، الذي كان طالبًا في السنة النهائية بالمدرسة الشعبية الثانوية في القاهرة (الجيزة)، كي يوافيه بكتاب «ماجدولين» للمنفلوطي، لأنّه كان معجبًا بأسلوبه، فوافاه به، وراح يلتهمه التهامًا، واستظهر كثيرًا من صفحاته ذات النفحة الشعرية.

ولم تُنقص قراءة بدوي أصل الرواية الفرنسي إعجابه بتلخيص المنفلوطي «تحت ظلال الزيزفون»، التي كتبها ألفونس كار.. صحيح أن الفارق كبير بين الأصل والتلخيص، وأن عديدًا من الصفحات الموجودة في تلخيص المنفلوطي لا مُناظر لها في الأصل الفرنسي، والعكس بالعكس، ولكن المنفلوطي بنزعته الرومانتيكية المثالية لم يشأ أن يُبقي على ما في الأصل الفرنسي من أعمال شائنة منسوبة إلى بطل الرواية «استيفن»، حتى تظل صورته مثالية رفيعة، زاهية الألوان جامعة لأجمل الشمائل، لأن المنفلوطي كان يشارك المؤلف الأجنبي، الذي يُلخِّص له كتابه، في التأليف والصياغة، ثم يقول بدوي: «إنَّ لأسلوب المنفلوطي سِحْرًا لا يعرفه إلَّا الشباب مرهف الحساسية».

وتعرَّف بدوي أيضًا مقالات طه حسين وأُعجب بها، وكذلك مقالات محمد حسين هيكل، أما العقَّاد فلم يكن يشعر بعد قراءته إلا بالبرود والسأم، وكان يشعر بالنفور منه، أما طه حسين فهو نهرٌ مُنساب في إيقاعٍ عذب رقيق، وكذلك قرأ لجُبران في تلك المرحلة من شبابه الباكر.

وتحكي الأديبة عايدة الشريف في مذكراتها «شاهدة ربع قرن»، أنها انقلبت من «تحت ظلال الزيزفون» إلى «ظلام في الظهيرة»، حيث القطيعة مع عالم المنفلوطي ومحمد عبد الحليم عبد الله وجيل الرومانسيين الحالمين إلى واقعية نجيب محفوظ ولقطات يحيى حقي، فقطعت عايدة حديثها مع ماجدولين لتتحدَّث مع تشيخوف بكل قسوة التصوير ودقته.

شهادات كثيرة من المذكرات والسِّيَر، يتضح لنا منها حضور المنفلوطي، فعندما نطالع كتاب «الظلّ والحَرور» للكاتب فهد الجريوي، نرى المنفلوطي في السير الذاتية العربية؛ وفي مذكرات عبد الستار ناصر «حياتي في قصصي»، يقول: «قرأنا المنفلوطي وبكينا معه في (العبرات)، أذكر أن هذا الرجل المعمَّم، كان قد سيطر على مجسات عواطفنا وصار في مـا بعـد سيدَنا، فقد فرضناه على مشاعرنا بإرادتنا، ولم نكن يومها نعـرف الفرق بين التأليف والترجمة، ذلك أن رواية (الشاعر)، التي أخَذَت معهـا نصـف آهاتنا ونصف مراهقتنا، جـاءت وتسربت إلى بيوتنـا تحـت اسـم (مصطفى لطفي المنفلوطيّ) ولم نسأل عن المؤلف الحقيقي،‫ وبالنسبة لنا كان المنفلوطي هـو المبدع، ومن العيب أن نقول إنَّ (المنفلوطيّ) كان مجرد مترجم في هذا العمل، الـذي هـزَّ أجسادنا وضمائرنا، وأبكانا بين سطرٍ وآخر كأننا نبكي أقرب الناس إلينا».

‏وفي مذكرات عبد الفتاح أبو مدين «حكاية الفتى مفتاح»، ذَكَر المنفلوطي وكيف بدأ قراءة كتبه، وكذلك في مذكرات الأديب عباس خضر: «كتابات المنفلوطي التي كنتُ (أرتِّلها) في نفسي بالتقديس والإجلال، بدأت محاكاتها، خصوصًا في موضوعات الإنشاء المدرسية، ومما كنت أصنعه أن أدوِّن في مذكرة العبارات التي تعجبني من كتابات المنفلوطي، وأضع المذكرة في جيبي وأنا أشعر أنها نُقودٌ أُنفق منها في ما أحتاج إليه،‫ ولا أظنني في حاجة إلى أن أقول: إن ذلك كان في البداية فقط، فلا بد أن تكون للكاتب شخصية متميزة وأسلوبه الذي هو هو، ولكن لا بد أن يتكون من منابع ويتقوَّى بروافد حتى يُتِمَّ تمامه ويجري جريانه».

أليس هذا ما حدث مع نجيب محفوظ وهو مراهق يستخدم عبارات المنلفوطي كما مرَّ بنا؟

المنفلوطي والأديب علي الطنطاوي

يقول الأديب علي الطنطاوي في ذكرياته: «وأنا ما أزال أحفظ مقاطع كثيرة مما كَتَب المنفلوطي والرافعي والزيّات والبشري وكُرد علي وأمثالهم من أئمة البيان، مع صعوبة حفظ النثر وتفَلُّته من الأذهان»، ثم يشرح الطنطاوي رأيه في المنفلوطي فيقول:  «سَلِس العبارة، ضحل المعنى، ليس لأفكاره عمقٌ ولكن على ألفاظه طلاوة، كثير الترادف، خَطابي الأسلوب، ومقالته (تأبين فولتير) التي صاغ فيها ما تُرجم له عن فيكتور هوغو هي في رأيي النموذج الكامل للأسلوب الخطابي الذي كان الغالب على نثر هوغو، ومَن قرأ كتبه (أي هوغو)، قبل المنفى وأثناء المنفى، وخطبه في مجلس النوَّاب ومرافعاته في المحاكم، لا سيما دفاعه عن ولده، رأى دليل هذا الذي أقول، ولو أتقن هوغو العربية وكتب بها تأبين فولتير لما جاء بأعظم ولا أكرم ممَّا كتب المنفلوطي.

هذا رأيي أنا، وما أحدٌ ممَّن كان من أبناء عصرنا إلَّا وتأثَّر يومًا بالمنفلوطي و(نظراته)، أما (العبرات) فأكثر قصصها بدائية مصطنَعة وليست البراعة أن يموت الولد من المرض فتموت الأم من الحزن ويموت الأب من الندم ويموت أهل الحارة من البكاء… بل البراعة أن يسخن الطفل قليلًا فلا تدري أمه وهي وحدها في الدار ما تصنع له، فتسهر معه: تضمُّه إلى صدرها وتحاول أن تدفع عنه المرض بعاطفتها، إنَّ وصف حال الطفل والأم أصعب من أن نجعل من هذا المرض وباءً يقتل أهل البيت والجيران، ويدَع الناس كأنهم في هيروشيما يوم ارتكب فيها ناس من البشر الجريمة التي لم يرتكب مثلَها نيرون ولا هولاكو، ولا إبليس نفسه»… انتهى كلام الشيخ علي الطنطاوي، وقد أحببت أن أنقل رأيه كاملًا من كتاب «الظل والحرور» حتى يقف القارئ على نقد أسلوب المنفلوطي، حتى ممَّن تأثروا به.

وكتب الأستاذ محمد رجب البيومي مقالة عن افتقاد الوسط الأدبي المقالة الذاتية، ففاجأه أستاذ كبير – بلقبه ومنصبه فقط- يقول في تأفُّف: «إنك تريد أن ترجع إلى عهد المنفلوطي في زمن الاحتلال والإقطاع! والدنيا قد تغيَّرت». وأشد ما آلم البيومي أن يُذكر المنفلوطي -رحمه الله- مقرونًا بعهد الإقطاع، إذ لم يبكِ أحد على ضحايا الإقطاع كما بكى المنفلوطي، حتى قال شوقي في رثائه:

مَن شـوَّه الـدنيـا إليك فلم تجدْ   في المُلكِ غيرَ مُعذَّبينَ جياعْ

المنفلوطي تحت ظلال رواياته

وفي محاولة تفسير أثر المنفلوطي، يرى فتحي رضوان في كتابه المهم «عصر ورجال»، الذي درس حالة مصر بين ثورة 1919 وثورة 1952م، أن صورة هذا العهد لا تكتمل إلا إذا وقفنا طويلًا أمام شخصية أدبية كبيرة، أمام مصطفى لطفي المنفلوطي، فقد بلغ من النجاح والشهرة حدًّا كبيرًا. ويذكر المؤلف أنه لم يكن بيت يخلو من كتابٍ للمنفلوطي يضمُّ مقالاته مثل «النظرات»، أو من واحدةٍ من الروايات التي عرَّبها عن الفرنسية فأقبل الشباب عليها إقبالًا حماسيًّا، وتخاطفوها وحفظوا أجزاء وفقراتٍ منها عن ظهر قلب، بل طبعت لغة المنفلوطي أساليبَ الكتابة في تلك الفترة، وتسربت ألفاظه وتعبيراته إلى ما يكتب الناشئة.

والمنفلوطي هو أغربُ مَن ترجم إلى اللغة العربية، فقد كان لا يعرف الفرنسية التي ترجم عنها، ولا يعرف أيَّ لغة أجنبية، ولكنه كان يتلقَّى الحكاية من أصدقائه الذين يجيدون الفرنسية، فيقرأ ما يكتبون أو يسمع ما يقصون عليه ويحيط بالفحوى، ثم يعيد كتابتها، فكأنه يُنشئها بقلمه، أو يخرجها من قلبه.

ويحلِّل فتحي رضوان حالة التوافق الشديد بين الأحزان التي صورها المنفلوطي في رواياته التي عرّبها، والأحزان التي جاشت في صدور فتيان تلك الفترة، فيرى مرجع ذلك إلى أن مصدرها المثالية المخفقة والآمال الخائبة، وصراع الفضيلة في مجتمعٍ تنتشر فيه مظاهر الانحلال.. كانت روايات «ماجدولين» و«في سبيل التاج» و«الشاعر» وجوهًا متعدِّدة لشخصيةٍ واحدة: شخصية المثالي الذي يواجه مجتمعًا متصلّبًا، المثالي الذي يؤْثر التضحية في صمتٍ، وينكر ذاته غير ناظرٍ إلى الجزاء أو الثواب.

كان المنفلوطي مرحلةً في حياة الأدب المصري، خصوصًا بعد الحرب العالمية الأولى، وظلَّ نجيب محفوظ يتذكَّر أثر المنفلوطي بتقديرٍ كبير؛ ورغم أن عصر ما بين الثورتين برزت فيه أعمالٌ أدبية أنضج، وقصص وروايات تعبِّر عن حالة المجتمع بشكلٍ أعمق، فإن للمنفلوطي قصبَ السبق.

ويختم رضوان بعبارة جميلة: «هذا هو المنفلوطي، وهذا هو دوره: واحد من ذوي الآثار الجميلة في تاريخ أدبنا بمنهجه وأسلوبه، وتقدَّم كثيرون ممَّن ساروا على دربه، ثم تناولهم الزمن بالتغيير والتطوير».

تأثير المنفلوطي

يتساءل الناقد عبد الفتاح كيليطو في كتابه الجميل «لن تتكلم لغتي»: منْ هو القارئ العربي الذي لم يتأثَّر في فترة من حياته بالمنفلوطي، ولم يفتتن بأدبه، ولم يذرف الدموع الغزيرة عند قراءته؟ ماجدولين، الشاعر، الفضيلة، النظرات، في سبيل التاج…

كتابات المنفلوطي – كما يقول كيليطو- مرتبطة بالحسرة والأسى والبكاء، وليس من المُصادفة أن يحمل أشهر مؤلَّف له عنوان «العَبَرات»، لقد جعل من الحزن مرادفًا للأدب، شأنه في ذلك شأن جبران خليل جبران؛ بل إنه أكثر من ذلك صيَّر الحزن قيمة: أن أكون حزينًا معناه أنني طيِّب، وديع، أسعى إلى الخير والكمال.‫ لكنْ، بقَدْر ما يفتتن المراهق بأدب المنفلوطي، بقَدْر ما ينفر منه في ما بعد، ويشيح بوجهه عنه، ويقطع صلته به نهائيًّا، ودون رجعة.. وهنا يورد كيليطو مفارقة أنه عندما يذكر الناس المنفلوطي مع أصدقائه القدامى، فإنه لا يتمالك نفسه وينخرط وإيَّاهم في ضحك طويل.

المنفلوطي الذي أرسى دعائم ما يمكن أن نطلق عليه «شِعْرِيَّة الحزن»، لا يثير إلَّا السخرية والضحك! ثمَّ يوجد شيء آخر: «جُلُّ الكُتَّاب المُحدَثين تفتَّقت قريحتهم وانبثقت رغبتهم في الكتابة بعد أن قرؤوه، أجل، يبدؤون بالسير على خطاه، والنسج على منواله، ثمَّ يقلبون له ظهر المِجَنّ، ويتنكَّرون له.. فهل يوجد مؤلِّف عربي لم يكتب ضدَّه؟».

يلتقط كيليطو معلومة عابرة عن المنفلوطي، ويتساءل: ترى ماذا يوجد تحت العباءة؟ كيف كانت ملابسه الداخلية؟.. لم يكن كيليطو ليثير هذا السؤال الذي قد يبدو سمجًا، لو لم يقرأ أن المنفلوطي كان مولعًا بالملابس الداخلية الأوروبية، أجل، هذا ما يؤكِّده العارفون بأحواله، لكنهم يشيرون إلى ذلك عرضًا ودون أن يتوقَّفوا عنده، يشيرون إليه من باب الدُّعَابَة كخبر طريف، دون أن يفطنوا إلى معناه العميق، المأساوي والهزلي في آنٍ، هنا يقول كيليطو إن «اللباس الأوروبي سرُّ المنفلوطي، سرٌّ لا يمكنه البوح به، لأنه لصيق ببدنه، بذاته، فلا يظهر على غلاف الكُتُب، كما لا تظهر أسماء المؤلِّفين الأوروبيِّيْن على كتبه».

وهنا نقدٌ جديرٌ بالقراءة عن أدب المنفلوطي: «لم يكن المنفلوطي يتكلَّم لغة أوروبية، ولربَّما لم يكن يرغب في ذلك، ولهذا يبدو أسلوبُه غارقًا في التقليد، مشدودًا إلى الماضي، ومع ذلك فكلُّ صفحة من صفحاته تهمس بسؤال واحد: كيف أكون أوروبيًّا؟ لا يُطرح أبدًا هذا السؤال عنده صراحة، ولكنه وارد ضمنيًّا وبحياء شديد في كتاباته، ويمكن أن ندقِّق أكثر وأن نرى فيه جانبَيْن؛ الجانب الأوَّل ينمُّ عن استنكار واحتجاج: مَنْ يستطيع أن يَصمَني بميل إلى الأَوْرَبَة وأنا لا أُتقن إلَّا العربية، وأكتب كما كان يكتب أسلافي خلال العصور الذهبية للنثر العربي؟ أمَّا الجانب الثاني، فتبريري تشفُّعي: مَنْ قد يُنكر أنني أبذُل قصارى جهدي لاستيعاب أوروبا والوفاء لها؟».

هذه أسئلة جديرة بالتوقف عندها، عن المعاني الجديدة التي أدخلها المنفلوطي في الأدب العربي، وعن تأثره بالأدب الأوروبي.

وفاة المنفلوطي

كان المنفلوطي في الثامنة والأربعين يوم مات، لكن زحام الحياة حجب عن الناس خبر موته في حمى الضجة التي أحدثتها محاولة شاب طائش اغتيال سعد زغلول، وعندما هدأت الضجة تذكره الأدباء والشعراء وبكوه بشدة، وقبل وفاته، وتحت عنوانِ (الأربعون)، كتب المنفلوطي في إحدى نظراته:

«الآنَ وصلتُ إلى قمة هرم الحياة، والآن بدأت أنحدر في جانبه الآخر، ولا أعلم هل أستطيعُ أن أهبِط بهدوء وسكون حتى أصلَ إلى السفح بسلام، أو أنني سأعثرُ في الطريق عثْرةً تَهوي بي إلى المصرع الأخير هُوِيًّا.. سلام عليك أيها الشباب الذاهب، سلامٌ على دوحتِك الفَيْنانة الغنَّاء، لم أتمتع فيك بمتعةٍ من المتع، ولا بلذةٍ من الملاذّ، ولكنني كنت أؤمل وأرجو، وبذلك الأملِ كنت أعيش؛ أما اليوم! فلم يبق إلا أن أُعِدَّ عُدَّتي لتلك الساعةِ الرهيبة التي أنحدرُ فيها إلى قبري.. وداعًا يا عهد الشباب، فقد ودَّعتُ بوداعك الحياة».

ولم يُمتَّعِ المنفلوطي بالكهولة، فقد مات وهو في الثامنةِ والأربعين، مات المنفلوطي عام 1924م، وقد علّق عارف حجاوي بقوله: «ما زال كتابُ النظرات حيًّا، يُطبعُ ويقرأ»، وقال عنه إنه يغترف الأساليب القديمة من أعماق التـراث، فيجعلها دموعًا تسيل على اليتامى والفقراء‏.

كانت آخر كلمات المنفلوطي، كما يذكر طاهر الطناحي في كتابه «الساعات الأخيرة»، صياحًا بلهجة صعيد مصر: «آه، آه، يا بوي!» ثم التفت إلى صديقه، وابتسم ولم يتكلم، وكانت هذه الآهة آخر كلماته، وختام آهاته في الحياة، وكأنما كُتب عليه أن يختم حياته بالتأوه والأنين، كما عاش متأوهًا من مآسي الوجود، شاديًا بأنَّات البائسين، وزفرات المتوجعين.

ويذكر لنا الطناحي أن المنفلوطي أديب الأحزان لم يكن يطمئن إلى ذكر الموت يومًا في حياته، ولا يأنس ساعة بذكره، على الرغم من ذمِّه الحياة وتصويره جوانبها السوداء، فإذا ذكر المرض أو الموت، أجفل المنفلوطي وفزع من ذكرهما، وضرع إلى الله أن يؤخِّر يومه، وينسأ في أجله، ويديم له الصحة، ويسبغ عليه العافية، وما كان فزعه من المرض أو الموت لجُبن في نفسه، أو لحرص على هذه الحياة الفانية، بل كان يجهل من حظه في الآخرة ما يجعله يقف موقف المتردد الحائر، ويخشى على مستقبل أولاده الصغار خُطوب الزمان وحوادث الأيام، كما يقول الطناحي.

ثم ختم الطناحي وصف رحيل المنفلوطي بقوله: «رحل ذلك كله في ما عدا ما بقي من آثاره، وغاض ذلك النبع الفياض، وكان منهلًا عذبًا لكل قارئ، وموردًا حُلوًا لكل متأدب، وانطفأت تلك الجذوة التي كانت تتقد أسىً وألمًا للمساكين، وتلتهب حزنًا ولوعة للمحبين، ورقد هذا القلم الذي طالما سهر الليالي، فكم من عَبرة أسالها! وكم من رأفة استثارها، وكم من نظرة دبجها! وكم من رواية جال فيها ساجعًا بين أفنان البيان! يقطر ذوبًا من القلب، وصوبًا من النفس، وفيضًا من الجمال».

1 تعليق

  1. ا.د محسن صالح مهدي

    دوائر حول الدوائر لو كان قلبي معاك (م. درويش). يا منفلوطي .
    أستاذنا الفاضل محمد عبد العزيز اسلوبك رفيقا رفيقا. لاسيما بعض الكلمات الدلالية التي نقلتها عن فطاحل الأدباء او عن قلمك النبيل امثال مخايل الشاعر ، وسهوم المفكر ، وحسن السمت ، مجسات عواطفنا وبحبط بالفحوي . لقد اخذتنا الي عالم المنفلوطي ظماء وارجعتنا عطاشا مناهل الصفو اللغوي . مشكور افندينا الادبب

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

جحيم غزة.. من هم صانعوه؟

جحيم غزة.. من هم صانعوه؟

"رأيت طفلاً يبلغ من العمر 6 سنوات، كان ملقى على الأرض في غرفة الطوارئ، ولم يكن أي من عائلة الطفل حوله، فقد أُخبِرنا بأنهم قُتلوا جميعا! كان الطفل يعاني من حروق مؤلمة للغاية، وجروح مفتوحة في منطقة الصدر.. نظرت حولي بحثا عن أطباء أو عمال تمريض يساعدونني، فلم أجد، كانت...

قراءة المزيد
دموع في عيون وقحة

دموع في عيون وقحة

"دموع في عيون وقحة".. هو اسم المسلسل الدرامي المصري الذي جسد قصة أحمد الهوان، ابن مدينتي السويس وأحد أبطال الحرب الباردة بين مصر وإسرائيل، الذي خدع جهاز المخابرات الصهيوني على مدار سنوات قبل انتصار أكتوبر 1973، وجسد شخصيته في المسلسل الفنان عادل إمام باسم "جمعة...

قراءة المزيد
“إلى عرفات الله”.. كيف فر أحمد شوقي من الحج مع الخديوي واعتذر بأبهى قصيدة؟

“إلى عرفات الله”.. كيف فر أحمد شوقي من الحج مع الخديوي واعتذر بأبهى قصيدة؟

في عام 1909م، قرر الخديوي عباس حلمي الثاني (ت:1944م) السفر إلى الحج، ومن الطبيعي أن تكون هذه الرحلة تاريخية، إذ ستكون على ظهور الإبل والخيل، ثم على ظهور السفن التي تمخر عباب البحار. اصطحب الخديوي معه في رحلته هذه أمه أمينة هانم إلهامي (ت:1931م) حفيدة السلطان العثماني...

قراءة المزيد
Loading...