في معنى الاعتراف بالهزيمة الإسرائيلية

بواسطة | يونيو 2, 2024

بواسطة | يونيو 2, 2024

في معنى الاعتراف بالهزيمة الإسرائيلية

خطاب الرئيس الأمريكي جو بايدن، في ختام الشهر المنصرم، كان خارج السياق الذي اعتادت المركزية الغربية التحدث فيه في أي حرب يخوضها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني؛ ولذلك انتقد أحد المسؤولين الإسرائيليين الخطاب، واصفاً إياه بخطاب نصر للمقاومة الفلسطينية.. وقبل الاستطراد في هذا السياق، يجدر بنا التوقف لإجراء مراجعة عقلانية مسؤولة لفهم هذا الوصف بشكل صحيح، ثم تجريده في أي معنى يتجه على الأرض.

فأول ما يتبارد للتصور، هو جدولة الزمن الضاغطة على بايدن في الجدول الزمني لانتخابات الرئاسة الأمريكية، في نوفمبر القادم، وتأرجح حظوظه بعد فرصة إقصاء ترامب المتوقعة، حين يحسم القضاء ملفه نهائياً، وهذا أمر لا يترتب عليه حسمٌ بالضرورة لصالح بايدن مع البديل الجمهوري، غير أن موقف بايدن الداعم بشكل مطلق لكل دورات الإبادة في محرقة غزة القائمة، سيتأثر قطعاً بتخلي كتلة تصويتية مهمة عنه، في تحدي عودة الرئيس التائه إلى البيت الأبيض مجدداً.

وعليه يحضر سؤال آخر هو: أكان يمكن لبوصلة التأييد المطلق لتل أبيب أن تهتز ساعةً من نهار في مزاد الانتخابات الأمريكية، أم كانت رسائلها الأقوى تحضر في التولّه للصهيونية في هذا التوقيت؟ فكيف يدفع بايدن بمواقفه الناقدة لسياسة نتانياهو في هذا المدار الحرج، ويعلن أن واشنطن تولت بنفسها طرح المقترح المعدل لوقف الحرب على غزة؟ فهل كان اللوبي اليهودي متماسكاً في أمريكا، أو في معقله في فلسطين المحتلة، في هذه اللحظة؟

الجواب هو لا.. فدلائل الاضطراب عالية الوضوح، مستمرة الفوضى في سجل الجدل السياسي في الكيان الصهيوني، ثم في انتقاله لحلفائه في الزعامة السياسية للمركزية الغربية، التي أنشأت هذا الكيان ودعمته، ورعته في مذابحه وفي سياساته الإرهابية، فضلاً عن أصل مهمته الوظيفية في الشرق؛ وهذا الاضطراب الذي وجّه فيه نتانياهو نقداً للمواقف الأوربية ومنها لباريس، بسبب هجوم بعض مسؤوليها الناعم على سياسة الإبادة المفتوحة، التي تمارسها القيادة الصهيونية بلا قيود، بل يمارسها المجتمع الإسرائيلي نفسه وفقاً لإحصائيات الرأي، ما دفع المواطن الغربي المحايد إلى أن يراجع مشهد تشكل الكيان، وأن تأسيس المواطنة له كان فعلاً إباديّاً بذاته، واحتلالاً دمويّاً عبر توطين الجاليات اليهودية المستنفرة في الغرب، لاستئصال شعب الأرض المحتلة، وإحلال غزاة مكانه.

 وهذا ما كان يقرره الفلاسفة الأخلاقيون في الغرب، من يهود وملحدين ومسيحيين، من الذين تحرروا من هيمنة الأكاديمية الرأسمالية، فبدأت مواقع الإعلام الاجتماعي تضج بالتصريح به، حتى إنني أقف مدهوشاً وقد حضرت بعض الاحتجاجات، ورأيت كيف يصرخ المواطن في أمريكا الشمالية بهتاف “من البحر إلى النهر سوف تتحرر فلسطين”، بلغته الإنجليزية الصريحة.

هنا نتابع نحن دحرجة الكرة في الاتجاه المعاكس لحركة تاريخ الكيان الصهيوني وحربه، وبالتالي تأثير كِلا المسارين، صمود شعب غزة، وإنجاز المقاومة الأسطوري، وخاصة بعد سقوط حلم نتانياهو بأن الإبادة في رفح ستضمن له نصراً تاريخياً، يغطي به كل جرائم حربه، فباتت ترتد عليه، وتُعزّز جدار الحصار على المركزية الغربية، التي تغيرت مواقفها قليلاً مع السياسة الصهيونية، لا كصحوة ضمير، ولا بسبب الكراهية للإبادة ذاتها، بل لكون قدرات استيعاب المجازر كحرب مفتوحة، بدأت تتصاعد وترتد على الضمير الشعبي الغربي، وتمثل جزءاً مهما من الإرادة التصويتية الشعبية الضاغطة على القرار السياسي، حتى لو كانت محدودة، ثم تحوُّل الانتفاضات الطلابية إلى حالة ضمير يترسخ في المجتمعات الغربية، تتجاوز الحدود التي صنعتها المركزية الرأسمالية الحداثية لمساحة الجائز والمحرم في تناول القضية الفلسطينية، حتى أصبحت تواجه إعصاراً شعبياً.

 ولذلك نقف هنا باحترام تاريخي كبير، أمام دور حركة الاحتجاج الطلابية في الغرب، وخاصة في أمريكا الشمالية، في الضغط لتوجيه سياسات المركز الغربي، وليس فقط في إنكار فِعاله الشنيعة في دعم الكيان وإمداده المستمر بآلة المحرقة وأدواتها.. ثم أمام تحول المواقف إلى أطقم الحكومات والبرلمانات الغربية.

وكل هذا ما كان له أن يتجسد على الأرض بهذه الصورة كما هو اليوم، وبالذات حين تبقى قبضة المقاوم حافي القدمين، الذي أُحرق بيته وأطفاله، مستمرة على الزناد؛ تُفزع نتانياهو وحكومته الإرهابية، وتُقرّر مستقبله السياسي بمصابرتها على الأرض، وببعث الروح المتصل بين قداس الشهداء، وبين رمي المقاومين على الغزاة المعتدين.

هذا المشهد – أو قل هذا القُدّاس- لم يعد لوحة تعاطف عابرة، بل برنامج دفع فاعل، يحرك النفس البشرية.. وأين؟ في المعقل الغربي! وذلك بعد أن ضمنت المركزية الغربية، أن شعوب حاضر العالم الإسلامي – لا العربي وحسب- تم استيعاب دورات غضبهم، ونجح وكلاء الصهيونية المخلصون لها في فرض ثقافة تسليم على الرأي العام، وإن كان ذلك ليس محسوماً قطعاً، ولا نُحمِّل كل شرائح الشعوب المسؤولية، بل لا نُسلّم بانطفاء القضية فيهم، فهي حاضرة ترتد لها الروح في دورة زمنية قادمة، بعثها قداس غزة ورماد جثامين الأطفال في رفح وأخواتها.

إذن، هذه الدحرجة التي أشرنا لها في تحقيق معركة فلسطين هي دورة تصدر عالمية في الضمير الإنساني، الذي لم تعد المركزية الغربية تقدر على تحييده. وانتقال المشاعر الاجتماعية الثائرة في المركز الغربي، لتتحول إلى قلق الساسة على مقاعدهم ومصالحهم في الشرق الأوسط، والخشية من فقدان السيطرة، هو من دلائل هذه الهزيمة.

فهل كان خطاب بايدن أصلاً، وما عرضه يمثل حالة هزيمة شاملة، او حتى جزءاً يسيراً من إنصاف الضحايا؟ نقول قطعا لا!

فهذه الفاتورة العظيمة من أبناء شعبنا، وكشف الحساب لدور الأنظمة العربية القمعية الشريكة، واستثمار إيران في جسد الشعب الفلسطيني، الذي خرج عن خط الشيخ أحمد ياسين التاريخي في تثبيت معادلة المقاومة، كلها مسارات تحتاج إلى إعادة برمجة وتنظيم، فلن تُسلّم المركزية الصهيونية بواقع هذا الإلهام. ولذلك كانت خطة بادين ومصطلحاته خبيثة، لا تريد منح الفرصة لعودة غزة حرة رغم كل المحارق، ولا أن تبقى المقاومة هي قيادتها المطلقة؛ لكن العبور الاضطراري للمركزية الغربية يجب التعامل معه بسياسة ذكية، تفتح باب السلامة لمن تبقى من شعبنا.

ومع الدموع التي لا تنقطع، والحسرة على الأبرياء التي تشتكي إلى الله، هناك – كما أعلن البارئ في علاه- حبل من الله وحبل من الناس، يتيح للمقاومة وللشعب الخروج إلى دورة جديدة.. تبصّر على الأرض ما حققته فلسطين الحرة في الأرض العالمية لتبني عليه خطتها؛ ليس عبر انفراد غزة أمام وحوش الإرهاب العالمي، ولكن بإعادة ضبط المشروع الياسيني، في برنامجه المركزي للتحرير.

المجد والنصر للمقاومين المرابطين، والرحمة للضحايا ولشهدائنا أجمعين.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

أنا والأشجار

أنا والأشجار

لكل واحد فينا حياة مع الأشجار.. طفلاً يصحبه والداه أو أحدهما إلى الحدائق، ثم شابّاً يذهب إلى الحديقة مع حبيبته، ثم أباً يذهب إليها مع زوجته وأولاده. هذه الحياة مع الأشجار تشكل نمطا عاديا في الحياة، لا ينتبه أحد إلى ضرورتها إلا حين يتعذر الذهاب إليها؛ وتترك الحدائق...

قراءة المزيد
مسيرة علي فرزات.. وسيرة مصطفى حسين!

مسيرة علي فرزات.. وسيرة مصطفى حسين!

الإبداع لا جنسية له.. المبدع يتخطى الحدود وينشر الجمال في الأرض! يوم السبت المقبل، 22 يونيو/ حزيران، تكون قد مرت 73 سنة على مولد الفنان السوري علي فرزات، أحد كبار المبدعين العرب، وها هو يواصل العطاء.. من دمشق الفيحاء بهرني" فرزات" برسومه! خطوط متميزة وفِكَر عميقة...

قراءة المزيد
“نمرٌ” من ورق

“نمرٌ” من ورق

كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، قلبت الموازين مهدية سكان قطاع غزة، والشرفاء من شعوب الأمتين العربية والإسلامية، هديها الثمين بالتزامن مع عيد الأضحى المبارك، حينما أعلنت تنفيذ عملية نوعية مُركّبة، استهدفت مَركبة مدرعة من طراز...

قراءة المزيد
Loading...