هل تقضي السيوف الحديدية على ريادة الأعمال الفلسطينية؟

بواسطة | ديسمبر 21, 2023

مقالات مشابهة

مقالات منوعة

بواسطة | ديسمبر 21, 2023

هل تقضي السيوف الحديدية على ريادة الأعمال الفلسطينية؟

كان الشباب الفلسطيني في غزة على مقربة من التحديات الاقتصادية الهائلة التي فرضها الحصار المستمر على مدار عقد من الزمن. في هذا السياق، انبثقت فرص اقتصادية جديدة من خلال العمل عن بُعد، وهي السبيل الذي اختاره الشباب لتحقيق مصادر دخل مستدامة. يأتي هذا في ظل ارتفاع نسب البطالة وتحديات الحياة اليومية التي واجهها الفلسطينيون في 2020م.

الابتكار في ظل الحصار

على مدار عقد مضى استطاع الشباب الفلسطيني المتواجد في غزة فتح سوق اقتصادية جديدة لتوفير مصدر دخل من الخارج، من خلال العمل عن بعد في ظل الحصار المتواصل منذ 17 عامًا، وارتفاع نسبة البطالة التي بلغت نحو 46.6% في الفئة العمرية (15-24 عامًا)، ونحو 56% في الفئة العمرية (25-34 عامًا)، خلال عام 2020م.

 ومع زيادة الطلب على العمالة الفلسطينية رقميًّا، ظهرت حاضنات الأعمال بقوة في المشهد، وتبنت مؤسسات خاصة كثيرة رياديِّي الأعمال، وقدمت لهم الدعم التقني والمادي، وأنشأ بعض التقنيين فِرقًا للعمل بشكل جماعي بدلاً من العمل الفردي، كما فتحوا قنوات اتصال مباشرة مع بعض الشركات الأجنبية للعمل معها عن بعد من داخل غزة.

هذا وتؤكد إحصاءات المركز الشبابي الإعلامي وفق استبانة نهاية عام 2022م أن نسبة 34.9% من الفلسطينيين المتواجدين على الإنترنت يستخدمونها لأغراض العمل.

استثمار واعد

ومع التجربة والخطأ استطاع الشباب الغزي تكوين خبرات تراكمية وحلول لتحديات كثيرة، مثل البحث عن قنوات آمنة لاستلام الأموال، وتوفير بدائل لانقطاع الكهرباء، وضعف شبكة الإنترنت، واستيراد الأجهزة والمعدات الحديثة من الخارج، والانضمام لدورات تدريبية متخصصة وجاهيًّا و(أونلاين)، والبحث عن الفرص بشكل دائم على مواقع العمل عن بعد، والسعي لتحسين تقييم العمل وجودة الخدمات على تلك المنصات، وتأجير مساحات عمل مشتركة في مكاتب متخصصة، وذلك في عملية استثمار متأرجحة جعلت العمل يزدهر بشكل مطَّرد، ومعها زاد الطلب على الخدمات الفلسطينية من الدول حول العالم، خاصة من دول الخليج.

الأجر والأجرة معًا

اهتمام كثيرٍ من الشركات العربية بالقضية الفلسطينية أسهم في توجه عدد كبير منها لتفضيل الحلول التقنية الفلسطينية على الخيارات الأخرى المتاحة عربيًّا وعالميًّا، فلم يكن غريبًا تصريح بعض أصحاب الشركات الخليجية رغبتهم في الاتجاه لخيار توظيف المبرمج والمصمم والمطور والتقني الفلسطيني على غيره، لغايتين: أولاهما طلبًا للأجر عند الله بدعم صمود هؤلاء الشباب والشركات الناشئة التي يديرونها من قطاع غزة، والثانية جودة العمل المقدمة من هؤلاء الرقميين الجدد، الساعين لإثبات أنفسهم وقدراتهم التنافسية في السوق الإقليمي المفتوح.

لم يعتمد شباب غزة فقط على اسم فلسطين وبريقه في جلب المشاريع والدخول في المنافسة، بل اهتموا بالجودة إلى جانب السعر التنافسي، والتواجد الدائم على عدد كبير من منصات العمل الوسيطة مثل (فريلانسر) و(أب وريك) و(خمسات) و(مستقل)، والحصول على تقييم مرتفع فيها؛ وكان أبرز ما يميز ريادي الأعمال الغزي: “الالتزام بالتسليم في الموعد”، وهو العنصر الأهم في المعادلة لدى طالبي الخدمة.

الحرب شملت الاقتصاد أيضًا

ولكن.. ومنذ 7 أكتوبر ومع اندلاع العدوان على غزة، الذي أطلقت عليه دولة الاحتلال اسم “السيوف الحديدية” تعطلت الأعمال وتوقفت الحركة بشكل كامل، فقدت عائلات كثيرة أبناءها، ووصل عدد الضحايا في اليوم الثالث عشر إلى أكثر من 15 ألفًا ما بين شهيد ومصاب، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الصراع، إلى جانب الاستهداف الذي طال أكثر من 122 ألف بناية سكنية، دمر الاحتلال 11 ألفًا منها تدميرًا كليًّا، ومعظم تلك البنايات مجمعات تضم شققًا سكنية أو شركات تجارية، مثل برج الوطن وسط مدينة غزة، المكون من 14 طابقًا فيها العديد من الشركات الناشئة والمشاريع التقنية التي تقدّم خدمات رقمية لعدد كبير من الشركات في الخارج، وفي اليوم الثاني للعدوان تم استهدافه وقتل أحلام مئات المشاريع التجارية، مع تدمير كلي للأجهزة والمعدات والسمعة التي بناها أصحابها مع عملائهم على مدار سنوات العمل الماضية، ثم جاء بعده استهداف وتدمير الجامعات والمراكز التدريبية والمعاهد، حتى وصل ذلك إلى المستشفيات.

سمعة تقنية مستباح دمها

مع مرور أسبوعين على الأحداث المأساوية فقدت شركات ناشئة عديدة العاملين فيها، بعد أن صاروا ما بين شهيد ومصاب، ومكلوم وغير قادر على التواصل والعمل؛ ومع انحسار ساعات وصول الكهرباء وعدم توفر أجهزة الطاقة البديلة لجأ بعض رياديّي الأعمال والمستقلين – على أمل العودة بعد انزياح الغمة للعطاء مجددًا- لاستثمار تلك الساعات العزيزة لتقديم الاعتذار للعملاء عن عدم تسليم أو استلام أي مشاريع جديدة نظرًا للظروف الطارئة، وذلك في محاولة من كل ريادي منهم للحفاظ على سمعة العمل عند آخر مستوى إيجابي حققه، وتجنُّب الحصول على تقييم منخفض لخدماته، وهو لا يملك ترف الرد على الرسائل، ولن يقدر على تسليم الأعمال في الموعد، ناهيك عن اهتمامه المركز مرحليًّا على توفير احتياجاته الأساسية من ماء وكهرباء ووقوف في طابور الخبز لساعات، وإن حظي بوفرة في الوقت وتواجد على أيٍّ من أجهزته التقنية، فذلك لكي يتابع الأخبار والمستجدات على الساحة، على أمل التكهن بموعد انتهاء المعركة.

مبادرة رقمية

وفي ظل الظروف النفسية الصعبة والتوتر والقلق مع صوت “الزنانة” الذي لا يتوقف على مدار الساعة، والموت القادم من كل صوب، وفي أي لحظة، كثيرًا ما صار ريادي الأعمال أو التقني يلجأ لتسخير وقته وخبرته للتوعية بما يجري في الميدان، وفتْح جبهات على مواقع التواصل لنشر تفاصيل حياته التي أصبحت مركز اهتمام الملايين حول العالم، غير آبهٍ بما قد يسببه ذلك من ضررٍ مهني له أمام عملائه، وفقدانٍ لحساباته على مواقع التواصل الاجتماعي التي تقيّد هذا النوع من المحتوى.

انبرى للدفاع عن قضيته الأسمى، واستثمر ما تبقى لديه من أجهزة تقنية وكهرباء متقطعة وشبكة اتصال متهالكة، وكوّن تحالفات محلية وخارجية، للصمود في وجه السيوف الحديدية مضحيًّا بسمعته التقنية وإنجازاته الريادية وحياته الرقمية وعلاقاته التجارية.

كلها يمكن أن تُعوّض.. المهم ألا يضيع الوطن.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

جحيم غزة.. من هم صانعوه؟

جحيم غزة.. من هم صانعوه؟

"رأيت طفلاً يبلغ من العمر 6 سنوات، كان ملقى على الأرض في غرفة الطوارئ، ولم يكن أي من عائلة الطفل حوله، فقد أُخبِرنا بأنهم قُتلوا جميعا! كان الطفل يعاني من حروق مؤلمة للغاية، وجروح مفتوحة في منطقة الصدر.. نظرت حولي بحثا عن أطباء أو عمال تمريض يساعدونني، فلم أجد، كانت...

قراءة المزيد
دموع في عيون وقحة

دموع في عيون وقحة

"دموع في عيون وقحة".. هو اسم المسلسل الدرامي المصري الذي جسد قصة أحمد الهوان، ابن مدينتي السويس وأحد أبطال الحرب الباردة بين مصر وإسرائيل، الذي خدع جهاز المخابرات الصهيوني على مدار سنوات قبل انتصار أكتوبر 1973، وجسد شخصيته في المسلسل الفنان عادل إمام باسم "جمعة...

قراءة المزيد
“إلى عرفات الله”.. كيف فر أحمد شوقي من الحج مع الخديوي واعتذر بأبهى قصيدة؟

“إلى عرفات الله”.. كيف فر أحمد شوقي من الحج مع الخديوي واعتذر بأبهى قصيدة؟

في عام 1909م، قرر الخديوي عباس حلمي الثاني (ت:1944م) السفر إلى الحج، ومن الطبيعي أن تكون هذه الرحلة تاريخية، إذ ستكون على ظهور الإبل والخيل، ثم على ظهور السفن التي تمخر عباب البحار. اصطحب الخديوي معه في رحلته هذه أمه أمينة هانم إلهامي (ت:1931م) حفيدة السلطان العثماني...

قراءة المزيد
Loading...