وشاهد اتهام من أهلها – جدعون ليفي

بواسطة | ديسمبر 29, 2023

بواسطة | ديسمبر 29, 2023

وشاهد اتهام من أهلها – جدعون ليفي

تولد الأفكار النبيلة في ظلِّ التحديات، ومن هذا السياق ينبثق الكاتب والصحفي جدعون ليفي، الذي نشأ في تل أبيب عام 1953. بعد خدمته الصحفية في جريدة هآرتس، أصبحت رؤيته وفهمه للأحداث يلقيان الضوء على العمى الأخلاقي الذي يعيشه الإسرائيليون. يركز ليفي جهوده على كشف الواقع والمساهمة في تغيير النظرة الإسرائيلية لتحقيق عدالة حقيقية.

مراحل التغطية الصحفية وتحول ليفي الأخلاقي

ولد جدعون ليفي في تل أبيب في عام 1953، وعمل صحفيًّا في جريدة هآرتس، حيث تم تكليفه في أواخر ثمانينيات القرن الماضي بتغطية أخبار الضفة الغربية، وكان وقتها -كما يقول- مشحونًا بما يسميه الإسرائيليون بمسلمات عن حق إسرائيل في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، وعن كون الفلسطينيين دمويين وأشرارًا، ثم رأى -كما جاء على لسانه في حوار تلفزيوني- “المستوطنين يقطعون أشجار الزيتون والجنود يسيئون معاملة النساء الفلسطينيات على الحواجز، وكنت على ثقة بأن ما يحصل هو استثناءات، لا تشكل جزءًا من سياسة الحكومة… واستغرق الأمر مني وقتًا طويلًا لإدراك أن هذه ليست استثناءات، بل هي جوهر سياسة الحكومة”.

منذ عام 2004، صار ليفي يكرس قلمه وفكره لتعرية ما يسميه «العمى الأخلاقي» لدى الإسرائيليين، ونتائجه على مستوى الحروب والاحتلال؛ وقال مرارا إن محنة الفلسطينيين في قطاع غزة تحت الحصار الإسرائيلي (قبل الحرب الأخيرة)، جعلته يخجل من أنه إسرائيلي. ويلخّص ليفي دوره فيقول: “مهمتي المتواضعة هي أن أمنع الإسرائيليين من الوصول إلى يوم يقولون فيه لم نكن نعرف بهذا الأمر أو ذاك”، وذلك بأن “تعيد إسرائيل أراضي الفلسطينيين المسروقة وتعينهم على استعادة احترامهم للذات، جنبًا إلى جنب مع حقوق الإنسان الأساسية والإنسانية”.

في أبريل من عام 2015، ألقى جدعون ليفي محاضرة في “نادي الصحافة الوطني” في العاصمة الأمريكية واشنطن، استهلها بقوله: “مع أصدقاء مثلكم، لا تحتاج إسرائيل إلى أعداء”؛ وشرح كيف أن الدعم الأمريكي يغذي آلة البطش الإسرائيلية، ويجعل إسرائيل تسدر في غيِّها، ثم شرح كيف أنه لولا اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة “لكانت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل اليوم مكانين أفضل للعيش، وأكثر عدلًا”؛ ويشبِّه ليفي تدفق العون الأمريكي السخي على الابن الضال (إسرائيل) بمن له قريب أو صديق يدمن المخدرات، فتكون هناك طريقتان للتعامل معه؛ “إحداهما أن تزوده بالنقود، فيذهب ويشتري المزيد من المخدرات، وسيكون في غاية الامتنان لك، وسيعتبرك أفضل صديق؛ والثانية هي أن ترسله إلى مركز لإعادة التأهيل، فيغضب منك مع أن ذلك تعبير عن الاهتمام والحب الحقيقيين”، ويضيف ليفي: “هل لدى أحد في هذه القاعة أدنى شك بأن إسرائيل مدمنة احتلال، ومع هذا تخرق واشنطن القانون الدولي والإنساني وتساعد إسرائيل في إشباع إدمانها؟”.

وفي المحاضرات والمناظرات التي يشارك فيها، يقدم ليفي لجمهور المستمعين أمثلة كثيرة على أن المجتمع الإسرائيلي يعيش في حالة إنكار وانقطاع صلة بالواقع، بسبب تعرضه لغسل أدمغة عبر السنين، وأنه لا أمل في أن يعالج ذلك المجتمع الاختلالات التي يعاني منها إلا بأن يرى دولته على حقيقتها، ويستنكر من ثم “كيف تعامل حكومته من يعيشون في الفناء الخلفي المحتل”، ويضيف ليفي “المجتمع الإسرائيلي فقد الصلة تمامًا بالبيئة العالمية، وهل يصدقون أن خمسة ملايين يهودي يعرفون أفضل من ستة مليارات إنسان في العالم؟ وأن خمسة ملايين يهودي سيستطيعون مواصلة العيش بالسيف إلى الأبد؟ هل هناك مثال واحد في التاريخ، عن إمبراطورية تماسكت بحد السيف إلى الأبد؟”.

التحليل السياسي ومناصرة حقوق الإنسان

ويرى ليفي أنه برغم كل ادعاءات إسرائيل عن قوتها وقدراتها الخارقة، فإنها تعيش في هلع دائم، ولهذا أحاط المجتمع الإسرائيلي نفسه بالدروع والجدران المادية والعقلية أيضًا، بعد أن تم إيهام أفراد ذلك المجتمع بأنهم  الشعب المختار، وبناءً عليه “إذا كنا نحن الشعب المختار، فإن لنا الحق بأن نفعل ما نشاء”.. ولهذا يقول ليفي “فإنه وعلى بشاعة ما ترتكبه إسرائيل بحق الفلسطينيين، فإنها تمثل على الدوام دور الضحية قليلة الحيلة”.

وبرغم الحرص على استعراض القوة وإظهار الجيش والمخابرات الإسرائيلية كقوتين عاليتي الكفاءة، فإن إسرائيل في تقدير ليفي هي أكثر الأماكن في العالم خطورة على اليهود! وعن دعوة حكام إسرائيل يهودَ العالم للقدوم إلى إسرائيل طلبًا للأمان، في الوقت الذي يقولون فيه إن بلادهم في خطر وجودي بسبب القنبلة الإيرانية، يتساءل ليفي: كيف تجرؤ على أن تدعو اليهود إلى القدوم للانضمام إلى هذا المشروع الانتحاري، عندما يقوم الإيرانيون بقصفنا بالقنبلة؟

وينعى ليفي ما يسميه بالسلوكيات الأكثر خطورة على الإطلاق على إسرائيل، وعلى رأسها النزع المنهجي للإنسانية عن الفلسطينيين، ويقول إن الإسرائيليين بوجه عام لا يعاملون الفلسطينيين ككائنات بشرية، ويشرح أنه “كتبت ذات مرة إننا نعامل الفلسطينيين مثل الحيوانات، وتلقيت الكثير جدًّا من رسائل الاحتجاج من منظمات حقوق الحيوان”، ثم يروي واقعة سؤاله خلال مقابلة صحفية رئيسَ الوزراء الأسبق إيهود باراك كيف كان سيتصرف لو ولد فلسطينيا، فكان جواب باراك “كنتُ سأنضم إلى منظمة إرهابية”.

وفي مقال بصحيفة “هآرتس” تحت عنوان “لا يمكن سجن مليوني إنسان دون دفع ثمن باهظ”، يؤكد ليفي أن الغطرسة الإسرائيلية تقف وراء اندلاع الحرب على جبهة غزة، والكارثة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون في القطاع؛ وأوضح الكاتب أن “الغطرسة الإسرائيلية هي وراء كل الذي يحدث”، وقال: “نحن نفكر أنه مسموح لنا أن نفعل أي شيء، وأننا لن ندفع أبدًا الثمن ولن نعاقَب على أفعالنا، سنستمر في غطرستنا وأفعالنا دون توقف، سنعتقل ونقتل ونسيء المعاملة، ونسلب ممتلكات الفلسطينيين، ونحمي عصابات المستوطنين التي تنفذ الاعتداءات في الأراضي الفلسطينية”.

نداء للتغيير

مؤدّى وقيمة ما يقوله ليفي، هو أن مناصرة المظلوم المحروم من المأوى والأمان موقف أخلاقي، قبل أن يكون موقفًا سياسيًّا أو دينيًّا، وانطلاقًا من مواقف أخلاقية وقفت كافة شعوب الأرض مع حق الفيتناميين في الخلاص من حكم الدخلاء عليهم (الفرنسيين ثم الأمريكان)، وناصرت جميع شعوب الأرض الأفارقة في جنوب أفريقيا في معركتهم للخلاص من نظام عنصري بغيض باطش نجم عن استعمار استيطاني، وناصر فرنسيون الجزائريين في معركتهم لإبطال مسعى فرنسا لجعل الجزائر فرنسية.. والشواهد كثيرة على أن نصرة الشعوب المستضعفة لا تقوم على حسابات ربح المناصِرين أو خسارتهم بل على الحق والقيم الإنسانية؛ وها هي شعوب العالم -وعلى رأسها شعوب الغرب- تخرج عن بيوت الطاعة الحكومية وتعلن تضامنها الكامل مع أهل فلسطين.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

شمال غزّة يموت جوعا!

شمال غزّة يموت جوعا!

المشهد الأول: نخوة العرب في الجاهلية بعد أن وقّعت قريش وثيقة المقاطعة الظالمة لبني هاشم، وعلقتها في الكعبة لتعطيها شيئا من القداسة، جاء هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، لتمزيق هذه الصحيفة رغم أنهم كانوا جميعا على الشرك، ولكن كان...

قراءة المزيد
مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

مذكرات محمد سلماوي.. يومًا أو بعض يوم (2)

والد لا يعارض ثورة أمَّمت شركاته خسر والد محمد سلماوي كثيرًا من مشاريعه التجارية بسبب التأميم، وكذلك خسر أراضي زراعية بسبب الإصلاح الزراعي، لكنه لم يعترض في فترة حكم عبد الناصر، وهُنا أعجبني تحليل سلماوي موقف والده، فقد اندهش سلماوي كثيرًا بعد رحيل عبد الناصر، وحين...

قراءة المزيد
لا نامت أعين الجبناء

لا نامت أعين الجبناء

في سكرات موته بدا واهنًا بشكل لا يُصدَّق، كان قادرًا على أن يلمح الوجوه الجزعة التي جاءت لتطمئن عليه، لم يستطع جسده المحموم أن يبلغ به وضع القعود، فتحسس جسده بكلتا يديه وابتسم ! إن جسده المرهق الواهي ليس فيه موضع سليم، لا يوجد شبرٌ واحد على حاله التي خُلق عليها،...

قراءة المزيد
Loading...