إسرائيل تنهار

بواسطة | يوليو 7, 2024

بواسطة | يوليو 7, 2024

إسرائيل تنهار

يتحدث الفكر الفلسفي عن تاريخ الأمم والحضارات والشعوب، فنجد فيه أن التاريخ ليس مجرد خط مستقيم نحو التقدم، بل هو دورات متعاقبة من النمو والانحلال.

الفيلسوف الألماني شبنجلر أكد أن “كل حضارة تشبه الإنسان، تولد وتنمو وتنضج، ثم تشيخ وتموت”، في حين رأى توينبي أن “التاريخ دورات حلزونية، تبدأ بالولادة والنمو ثم الشيخوخة والموت”.. وبالقياس، نجد أن دورة حياة الكيان الصهيوني تسير في المسار التاريخي المتكرر نفسه.

والسابع من أكتوبر يُشكل عمليًّا خطوة إضافية على طريق نهاية هذا المشروع الغربي في المنطقة، حيث كُسر العمود الفقري الرئيسي فيه ممثلاً بمؤسسة الجيش والأمن، كما أن المقاومة المستمرة والصمود البطولي لشعب فلسطين يشكلان إشارات واضحة على أن هذا الكيان يقترب من نهايته، وأن قُدرته على البقاء والاستمرارية باتت تحدياً كبيراً له.. قد يجادل البعض بأن هذا التفاؤل مفرط، لكن الشواهد التاريخية تدعم ذلك.

ففتح مكة لم يبدأ يوم الفتح، وإنما بدأ في اليوم الذي وقف فيه رسولنا صلى الله عليه وسلم بعد معركة الأحزاب، ليقول: “اليوم نغزوهم ولا يغزوننا”؛ وفرعون لم تنتهِ حياته حين غرق في البحر، بل بدأت نهايته يوم ولد سيدنا موسى عليه السلام وعاش في بيته؛ وهزيمة أمريكا في فيتنام لم تبدأ يوم خروجها منها عام 1973م وإنما بدأت يوم عملية “تيت” عام 1968م، وفرنسا لم تُهزم حين خرجت من الجزائر، بل هُزمت يوم قرر الشعب الجزائري إطلاق ثورته الكبرى قبل ذلك بنحو عشر سنوات. ونحن البشر في غالبيتنا لا نموت فجأة، وإنما يسبق ذلك غالبًا مرحلة الضعف الجسدي والشيخوخة والمرض.. هذه إشارات تُنبهنا للنهاية، وحركة التاريخ – كما دورة حياة الإنسان- لا تُحابي أحدًا، فهي تمر في دورة متعاقبة من النمو إلى الانحلال.

قياسا على ذلك، فإن الكيان الصهيوني يعيش اليوم مؤشرات نهايته، التي بدأت في تقديري عند تلك اللحظة التي انبعثت فيها المقاومة الإسلامية في فلسطين.. عندما تم إعداد الجيل تربويًا وعقائديًا قبل إعداده عسكريًا!. كانت تلك النقطة هي بداية النهاية لهذا المشروع، لذلك فإنه ليس من الغريب أن نسمع قول الشيخ أحمد ياسين وهو يُسمي هذا الجيل بجيل التحرير مُعللاً ذلك بحسن تربيته الإيمانيّة، فأصبح حمل البندقية بالنسبة عنده شيء له معنى وقيمة وفهم.

في المقابل، هناك جيل صهيوني أقل تمسكاً وإيماناً بفكرة البقاء على أرض فلسطين، وقد عبر عن ذلك أبراهام بورغ، الذي شغل منصب رئيس الكنيست الإسرائيلي في الفترة بين عامَيْ 1999 و2003، بقوله: “هناك احتمال حقيقي أن يكون جيلنا هو الجيل الصهيوني الأخير”. فيما يرى المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس أن: “إسرائيل في طريقها إلى الفناء، لقد أنشأنا دولة معتمدة على العنف، وبدون حل سياسي، فإننا نمضي نحو كارثة حتمية”. وكتب يوسي ميلمان، محلل الشؤون الأمنية في صحيفة “هآرتس”، قائلاً: “إن إسرائيل تمر بأزمة وجودية عميقة، وعلينا أن نعترف بأننا فقدنا السيطرة على العديد من الأمور”.

لقد أدرك كثيرون في إسرائيل – كما يقول بورغ في مقاله “نهاية الصهيونية”- أنّ “النضال اليهودي لمدة ألفي عام للبقاء على قيد الحياة انتهى بدولة مستوطنات، تُدار من قبل زمرة غير أخلاقية من الخارجين عن القانون، الذين يصمّون آذانهم عن مواطنيهم وأعدائهم على حد سواء. دولة تفتقر إلى العدالة لا يمكن أن تستمر.. المزيد والمزيد من الإسرائيليين بدؤوا يفهمون هذا ويسألون أطفالهم عن مكان إقامتهم المتوقع في غضون 25 عامًا، الأطفال الذين يكونون صادقين يصدمون والديهم بالإجابة إنهم لا يعرفون.. العد التنازلي لنهاية المجتمع الإسرائيلي قد بدأ”.

إن دورة حياة الكيان الصهيوني تسير في المسار التاريخي المتكرر نفسه، والمقاومة المستمرة والصمود البطولي لشعب فلسطين يشكلان إشارات واضحة على أن هذا الكيان يقترب من نهايته. فالحركة التاريخية لا تحابي أحداً، وهي الآن تتجه نحو نهاية هذا المشروع الاستعماري الذي استمر لعقود.

على مر السنين، تزايدت علامات الانهيار الداخلي في إسرائيل؛ الاقتصاد المتذبذب، التوترات الاجتماعية، والتغيرات الديموغرافية كلها مؤشرات على أن هذا الكيان يعيش في مرحلة الشيخوخة، ويضاف إلى ذلك زيادة معدلات الهجرة العكسية. لكن أخطر تلك المؤشرات الداخلية في تقديري هو صعود أقصى اليمين المتطرف – أو ما يسمى بجيل “ما بعد الصهيونية”- فهو يعني -بحسب د. عبد الوهاب المسيري- “نهاية الصهيونية”.. ولهذا عُدَّ هذا الجيل داخل الكيان معادياً للدولة وشرعية وجودها.

لقد أنصف التاريخ كل الدول التي وقعت تحت ظلم الاحتلال رغم ما قدمته من تضحيات لنيل حريتها، وبقدر ما كانت تلك التضحيات أعظم كانت النهاية أسرع.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

أنس بن مالك.. المحدّث العظيم والخادم الأمين

أنس بن مالك.. المحدّث العظيم والخادم الأمين

الإمام، المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وقرابته من النساء، وتلميذه، وتبعه، وآخر أصحابه موتا، رضي الله عنه وأرضاه. أولاً- اسمه ونسبه ومولده:  أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد...

قراءة المزيد
أبو عبيدة وصناعة القدوات والمشاهير

أبو عبيدة وصناعة القدوات والمشاهير

في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، حيث انتشار المعلومة وسرعتها، ظهرت موجة مصاحبة لها هي ما تسمى بالمشاهير، بغض النظر عن المحتوى المقدم من لدنهم، وإن كان غالبه غث لا يسمن ولا يغني من جوع، بل يزيد المتابع أو المقتدي بهم تشتتاً فكرياً وخواء روحياً وغير ذلك من سلبيات لا...

قراءة المزيد
الحيوانات البشرية

الحيوانات البشرية

سبحان الله!. في الوقت الذي يقول فيه وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت إن المنظومة الأمنية الإسرائيلية مصممة على محاسبة من سماهم "الحيوانات البشرية"، التي عملت ضد الإسرائيليين، يكشف موقع إسرائيلي اعترافات عدد من جنود الاحتلال بتفاصيل مفزعة عن انتهاكات الجيش في مناطق...

قراءة المزيد
Loading...