بعد عام من الحرب.. أصبح السودان “خارج نطاق الخدمة”

بواسطة | أبريل 26, 2024

بواسطة | أبريل 26, 2024

بعد عام من الحرب.. أصبح السودان “خارج نطاق الخدمة”

نصف مليون شخص قد يموتون جوعًا دون إغاثة عاجلة

لقد أصبح الأمر أشبه بالحزورة.. ما هي الدولة التي لديها أكبر عدد من اللاجئين الداخليين في العالم، ولديها أكبر عدد من الناس يواجهون الموت جوعًا؟ وأين تتحمل وكالات الإغاثة العبء الإنساني الأكبر في العالم؟. الجواب ليس كما قد يفترض كثيرون، في غزة أو أوكرانيا، إنه السودان!.

عندما بدأ الصراع في ثالث أكبر دولة في أفريقيا قبل عام، ربما كان من الخطأ أن نعتبره معركة واضحة المعالم بين جنرالين يتنافسان على السيطرة على الدولة المركزية؛ فمن ناحية أولى كانت القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ومن ناحية أخرى قوات الدعم السريع، وهي وحدة شبه عسكرية تحت قيادة محمد حمدان دقلو (أمير الحرب الدارفوري المعروف عالميًا باسم حميدتي). وحتى بعد اندلاع القتال في العاصمة الخرطوم وانتشاره سريعاً إلى دارفور، ظل بعض المراقبين يتصورون إمكانية احتوائه، أو أنّ الجانبين قد يصلان إلى طريق مسدود، ثم يتوصلان بعد ذلك إلى اتفاق لتقاسم السلطة.

وبدلاً من ذلك، تحول الصراع إلى حريق هائل على مستوى البلاد وفوضى عارمة، لدرجة أدت إلى زعزعة استقرار العديد من جيران السودان؛ فإذا كانت هناك في البداية كتلتان مسلحتان، كل منهما متماسكة تحت قيادة محددة، فقد أصبح لدينا الآن تكتلات من الميليشيات المتنافسة وحركات التمرد، ولكل منها مصالحها وأجنداتها الخاصة. وتتدفق الأسلحة والمرتزقة عبر الحدود من تشاد وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، وعبر البحر الأحمر.. بل هناك مقاتلون من مناطق بعيدة مثل روسيا وأوكرانيا انضموا إلى المعركة.

ومع عدم تمكن أي من الطرفين من توجيه ضربة حاسمة للطرف الآخر، بدأت القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في الانقسام. يقول توم بيرييلو، المبعوث الأمريكي الخاص المعين مؤخراً: “إننا نتجه بسرعة نحو دولة فاشلة، هناك خطر حقيقي من حدوث انتكاسة لمدة تتراوح بين 20 إلى 25 عامًا لشعب السودان والمنطقة ككل”.

والأمر الأكثر إلحاحًا هو خطر المجاعة الجماعية.. يقول مايكل دانفورد، رئيس برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في شرق أفريقيا: “الوضع كارثي، عندما تنظر إلى الحجم والنطاق الهائلين، نشعر بقلق بالغ بشأن الاتجاه الذي سينتهي إليه هذا الأمر”.

وفي 15 أبريل/ نيسان الجاري، تعهد المانحون بتقديم حوالي 2.1 مليار دولار لتمويل جهود المساعدات الإنسانية؛ ومع ذلك ربما يكون الوقت قد فات بالفعل لتجنب المجاعة المتوقعة بحلول يونيو/ حزيران، والتي قد تقتل 500 ألف شخص، وفقاً لـ”السيناريو الأكثر ترجيحاً” في دراسة أجراها معهد كلينجينديل، وهو مركز أبحاث هولندي.

وفي توقعات السيناريو “الأسوأ”، قد يموت ما يصل إلى مليون شخص!. وبسبب الحرب، لم تجمع أجزاء كبيرة من السودان – وخاصة دارفور- أي محصول تقريبًا في عام 2023، وانهار الإنتاج الوطني للحبوب بمقدار النصف تقريبًا، وارتفعت أسعار السلع الغذائية الأساسية بنسبة تصل إلى 83%؛ ومن المتوقع أن تتفاقم هذه الأرقام مع وصول القتال الآن إلى ولاية الجزيرة، التي تمثل سلة الخبز.

وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة لم تعلن بعد رسميًا عن المجاعة، فإن بعض الخبراء يؤكدون أن هناك مجاعة واقعة بالفعل في أجزاء من السودان.. وفي المناطق الأكثر تضرراً – والتي تشمل العاصمة- يأكل الناس أوراق الشجر من أجل البقاء، وقد بدأ الأطفال بالفعل يموتون بسبب سوء التغذية أو الأمراض ذات الصلة.

ووفقاً لديمبالا ماهلا من مجموعة الإغاثة، فإن حوالي 70% من المرافق الصحية في المناطق المنكوبة بالحرب لم تعد تعمل.. وفي معظم فترات العام الماضي، قال اللاجئون الذين وصلوا إلى تشاد – المتاخمة لدارفور- إنهم فروا من حملة مخيفة من التطهير العرقي، شنتها قوات الدعم السريع والميليشيات العربية المتحالفة ضد الأفارقة السود المحليين؛ والآن يخبر الوافدون الجدد عمال الإغاثة أنهم يفرون من الجوع.

ويعرقل الجانبان وصول المساعدات الإنسانية، ويهاجم مقاتلو قوات الدعم السريع بانتظام شاحنات المساعدات، وينهبون المستودعات التابعة للمنظمات غير الحكومية؛ وفي فبراير/ شباط، منعت القوات المسلحة السودانية وكالات الإغاثة من توصيل الإمدادات عبر تشاد، ومنذ ذلك الحين رضخت جزئياً، لكنها استمرت في حجب التأشيرات وتصاريح السفر لعمال الإغاثة.

ويشير أحد مسؤولي الأمم المتحدة إلى أن عبور الخطوط الفاصلة بين الأراضي التي تسيطر عليها القوات المسلحة، وتلك التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، لتقديم المساعدة هو أمر “مرهق ويستغرق وقتًا طويلًا بشكل متعمد”. ونتيجة لذلك، انقطعت إمدادات الطوارئ عن مناطق بأكملها لعدة أشهر؛ يقول أليكس دي وال، خبير المجاعات في جامعة تافتس: “إن الأزمات الغذائية السابقة في السودان كانت محلية، والآن نشهد شيئًا لم نشهده منذ القرن التاسع عشر، حالة طوارئ غذائية في كل أنحاء البلاد”.

ولنتأمل هنا مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، وآخر معقل رئيسي للقوات المسلحة السودانية في الغرب.. قبل الحرب، كانت المدينة ملاذاً للفارين من العنف والجوع في أماكن أخرى؛ فقد لجأ إليها عشرات الآلاف – إن لم يكن مئات الآلاف- من المدنيين منذ الجولة السابقة من التطهير العرقي في دارفور قبل 20 عاماً، ومع ذلك فإنها في هذه الأيام صورة مصغرة للفوضى السائدة في أماكن أخرى من السودان. ومن الناحية النظرية يظل الجيش الوطني هو المسؤول، حيث يتحصن عدة آلاف من الجنود في ثكنات بوسط المدينة، لكن الواقع أن معظم خدمات الأمن يوفرها المتمردون من جماعة الزغاوة العرقية المحلية، في حين أن معظم الضواحي تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع والميليشيات التابعة لها.

إن العبور من أحد أطراف المدينة إلى الجانب الآخر يعني المرور عبر عدة نقاط تفتيش، كل منها تديرها مجموعة مسلحة مختلفة. وعلى الرغم من قيام القوات المسلحة السودانية بشن غارات جوية متكررة على مواقع قوات الدعم السريع، فإنها غالبًا ما تنتهي بضرب المناطق المدنية، بما في ذلك تلك الخاضعة لسيطرة الجيش. ونظراً لأن التنقل داخل مدينة الفاشر وخارجها وفي ما حولها أمر مكلف وخطير للغاية، فإن الحياة في الداخل أصبحت بائسة.. تقول جوستين موزيك من منظمة التضامن الدولية، وهي مؤسسة خيرية إنسانية فرنسية: “لقد فات الأوان بالفعل”.

وتتفشى هناك حمى الضنك والملاريا، وتقول منظمة أطباء بلا حدود – وهي مؤسسة خيرية فرنسية أخرى- إنه في مخيم زمزم للاجئين، الواقع على الجانب الجنوبي الغربي، يموت طفل كل ساعتين بسبب نقص الغذاء أو الرعاية الطبية. ومع تدفق الوافدين الجدد إلى المدينة من أجزاء أخرى من دارفور، تتضاءل الإمدادات الأساسية؛ وعلى الرغم من أن المواد الغذائية لا تزال متوفرة في السوق، فإن سعر كيس الأرز يمكن أن يكلف ما يقرب من ثمانية أضعاف ما كان عليه قبل الحرب.

وفي أجزاء كبيرة من البلاد، يقوم الجنود من الجانبين باغتصاب النساء والفتيات، يقع ذلك في بعض الحالات بسبب انتمائهن العرقي، وفي ولاية الخرطوم وحدها وقعت أكثر من 1000 حالة اغتصاب، وفقاً للمحامين والأطباء.. تصف غادة عباس، محامية حقوق الإنسان التي فرت مؤخراً من السودان، حادثة اعتدى فيها جنود على ثلاث شقيقات أعمارهن 12 و16 و18 عاماً في أم درمان، وهي مدينة قريبة من العاصمة، وتقول إنه على الرغم من أن الناس سمعوا صرخاتهن، فإنه “لم يجرؤ أحد على الخروج”.

وفي أماكن أخرى، هناك بعض الإشارات التي تبعث على الأمل؛ تجري محادثات سرية في العاصمة المصرية القاهرة لوقف إطلاق النار، ومن المقرر أيضًا استئناف عملية منفصلة تدعمها الولايات المتحدة في المملكة العربية السعودية قريبًا.. ومع ذلك، فقد نجح الجيش النظامي في الأسابيع الأخيرة في عكس بعض المكاسب التي حققتها قوات الدعم السريع في الخرطوم في وقت سابق، ما زاد الآمال بين مؤيديه بتحقيق نصر حاسم، وقبل بضعة أسابيع فقط كانت قوات الدعم السريع هي التي تبدو منتصرة.

تقول خلود خير من مؤسسة كونفلوينس الاستشارية، وهي مؤسسة ثقافية سودانية: “ما يبدو عليه الأمر الآن أشبه بلعبة الكراسي الموسيقية”، فهو ليس تغييرًا جذريًا حقيقيًا.. ومع استمرار تصميم الجانبين على تحقيق النصر وفرض الإرادة، فإن احتمالات السلام ضئيلة.

المصدر: إيكونوميست
تاريخ النشر: 15/04/2024

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

دانشمند: تحولات الغزالي وروح عصره  (3)

دانشمند: تحولات الغزالي وروح عصره  (3)

بعد جزالة اللغة وسعة الخيال والمهارة في الربط بين أجزاء الرواية؛ يبقى التفنن في الوصف والقدرة على تحريك الشخوص وفق أدوارهم المرسومة محل اختبار لكل روائي، وفي رواية دانشمند نجاح ماتع في "الرسم بالكلمات" لملامح الأشخاص، وقدرة إبداعية على تحريك شخصيات الرواية الكثيرة في...

قراءة المزيد
الرّدّ على المشنّعين على شعيرة الأضحية وكشف زيفهم

الرّدّ على المشنّعين على شعيرة الأضحية وكشف زيفهم

متّكئًا على أريكته بعد أن ألقى في بطنه وجبة دجاجٍ من "كنتاكي" وكان سبقها بيومٍ بالتهام شطيرة لحمٍ من "ماكدونالدز"؛ يرفع عقيرته بالتّشنيع على المسلمين الذين يذبحون الأضاحي في العيد لأنّهم يمارسون الجريمة بحقّ الحيوانات ويرعبه منظر الخراف المسكينة التي لقيت حتفها على...

قراءة المزيد
نشر نعيه قبل موته!

نشر نعيه قبل موته!

تائه في لندن أنا، لذا تذكرت محمد عفيفي صاحب كتاب "تائه في لندن". ذات عام سألني أحمد خالد توفيق: كيف توصلت إلى زوجة محمد عفيفي؟ منذ سنوات طوال وأنا أبحث عن أي أثر لهذا الكاتب العظيم، ولم أصل لأحد!. كنت مثل أحمد خالد توفيق لسنوات أتقصى أثره، أبحث عن هذا الساخر الكبير،...

قراءة المزيد
Loading...