مبارزة!..

بواسطة | يونيو 3, 2023

بواسطة | يونيو 3, 2023

مبارزة!..

في العام 1540 في اليابان، على متن قارب يعج بالناس، وقف محارب ساموراي شاب يسرد ببجاحة أخبار انتصاراته على الركاب الذين كانوا يستمعون إليه محاولين إخفاء مللهم منه بدافع الخوف! وفي آخر القارب كان ثَمَّ عجوز يجلس بهدوء متجاهلا هذا الشاب المغرور، وكان هذا العجوز هو “توشكاهارا بوكودن” أعظم مقاتل بالسيف في زمانه، وكان يفضل أن يسافر متخفيا!
اغتاظ المحارب الشاب من تجاهل العجوز له، فقال له بشيء من الاستعلاء: من المؤكد أيها العجوز أنك لا تجيد استخدام السيف، وأن مجرد الحديث عنه يخيفك.
فقال له العجوز: أجيد استخدام السيف أكثر مما تظن!
فقال له الشاب: هيا إذن، قاتلني.
فقال له: ليس هنا.. في مركب مكتظ سيتأذى الناس، ربما عند أول جزيرة مهجورة نصل إليها.
أشهر الشاب سيفه منتظرا بشغف أول جزيرة، وعندما وصلوا إليها قفز من القارب وصرخ بالعجوز: هيا!

الكثير من المشكلات يحتاج إلى عقل لا إلى عضلات، فالحكمة تبلغ ما تعجز عنه القوة! والعاصفة تستطيعُ أن تدمر سفينة، لكنها لا تستطيع أن تحل عقدة في حبل!

توجه العجوز بهدوء نحو مجذافي القارب، ودفعهما بقوة، تاركا الشاب وحده على الجزيرة؛ وشيئا فشيئا كان القارب يبتعد، وشتائم الشاب بالكاد تُسمع!
عندها قال العجوز لقائد المركب: خذ مجذافيك، وهذه هي طريقتي في المبارزة أحيانا.. أن لا أُبارز!
الأحمق القوي من السهل هزيمته، لأن محركه الأول هو الغضب، بعكس الحكيم الأقل قوة، لأن محركه الأول هو العقل! ومن كثُرَ غضبه كثرت سقطاته، ويوما ما ستكون إحداها مميتة!
الكثير من المشكلات يحتاج إلى عقل لا إلى عضلات، فالحكمة تبلغ ما تعجز عنه القوة! والعاصفة تستطيعُ أن تدمر سفينة، لكنها لا تستطيع أن تحل عقدة في حبل!
العقلاء لا يخوضون كل مبارزة يُدعَون إليها، ولا يُجَرون إلى كل جدال يتزين أمامهم، هذا لأن بعض النصر تافه وإن تحقق، ولأن بعض المعارك الفوز فيها لا يكون إلا بعدم خوضها! وإن اضطررتَ إلى النزال، فليكن بالسلاح الذي يخشاه عدوك لا بالسلاح الذي تخشاه أنت، وبالتوقيت الذي تختاره أنت لا بالتوقيت الذي يختاره عدوك! بعض الصبر يبدو ضعفا، ومقتل الأقوياء أن تجعلهم يستهينون بقوتك حتى تحين اللحظة!
على سبيل المثال لا الحصر، في كل مرة يقصف فيها الاحتلال قطاع غزة، يطالب الجميع المقاومة بالرد. والناس في هذا فئتان، مُحِبٌّ واثق، يعرف أنه في العشرين سنة الأخيرة لم يجرؤ أحد أن يرميَ دولة الاحتلال بوردة، في حين كانت المقاومة تقصف عاصمته المزعومة على الهواء مباشرة! والآخر خبيث مبغض، ليس له في العير ولا في النفير، شاكٍ باكٍ، سلم منه الاحتلال ولم يسلم منه إخوانه، والسبب أن الأبطال يُذكِّرون الأقزام بقصر قاماتهم؛ وهذا تراه حتى حين ترد المقاومة يُحمِّلها دماء الشهداء الذين يقتلهم الاحتلال! فلا إن ردت المقاومة سلمتْ منه، ولا إن تريثتْ لحسابات تحسبها، وتقديرات تُقدرها سلمت منه!

الاحتلال خبيث وليس أحمقا! إنها ببساطة إستراتيجية إفراغ ترسانة المقاومة، فهو يريدها أن تبدأ من الصفر بعد كل جولة

عموماً، إذا وثقتَ فلا شأن لك بالتفاصيل، دع الأمر لأهله، وأعط القوس باريها.. عاطفتكَ محمودة، وثقتكَ في موضعها!
وإن خوَّنتَ فرُدَّ أنتَ، سُدَّ مسدَّهُم، وعلِّمهم كيف يجب أن تكون الحرب! ولكن، إن كنت عاجزا، همُّكَ من دنياك شهوة بطنك وفرجك، وتريد أن تُعيِّنَ نفسكَ قائدا لهيئة الأركان؛ وعندك جعجعة ولا طحين، نقيق ضفادع في مستنقع، فمن المستحسن أن تخرس!
ثم للطرفين، للواثق والمُخوِّن، هلا سألتم أنفسكم: لمَ يريد الاحتلال من المقاومة أن ترُدَّ رغم أنه في غنىً عن فتح ملاجئه، وتعطيل الحياة كلها في دولته؟ لِمَ يعمدُ كل سنة، على أبعد تقدير، لفتح معركة يعرف يقينا أنه لا يستطيع كسر المقاومة فيها؟!
الاحتلال خبيث وليس أحمقا! إنها ببساطة إستراتيجية إفراغ ترسانة المقاومة، فهو يريدها أن تبدأ من الصفر بعد كل جولة، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يضمن وجوده.. حروب متكررة يُصاب فيها بخدوش يسهل علاجها، والتعافي منها!
هذا شيء تعرفه المقاومة جيدا، وتتعامل معه باحترافية، فاستراتجية الاحتلال لإفراغ القوة، تُجابَه بمراكمة هذه القوة حتى تحين لحظة المعركة الحاسمة، التي تكسر العظم ولا تخمش الوجه فحسب! لهذا، هي عندما تتجنب الحرب تتجنبها لأسباب كثيرة، ليس الجبن من بينها؛ وحين ترد، فإنها ترد بالمقدار الذي يلزم لتكون جولة لا تؤثر على مسار الإعداد للمعركة الفاصلة التي ستأتي لا محالة!
السر كله يكمن في التوقيت، ولا شيء أسهل من إشهار السيف، فهذا يمكن لأي كان أن يفعله، ولكن قرار إغماده لن يكون بيدكَ.. وإن حربا لا تملك أن تذهبَ فيها إلى آخرها، ليس هذا وقتها!

أدهم شرقاوي

لا أضعُ حرف الدال قبل اسمي، أنا من الذين تكفيهم أسماؤهم!
جاهل وإن بدوتُ عكس ذلك،
عاصٍ وإن كان في كلامي رائحة التقوى،
وعلى ما فِيَّ من نقصٍ أُحاولُ أن أدُلَّ الناس على الله، أُحاولُ فقط!

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

الخرافة والسياسة والولاية

الخرافة والسياسة والولاية

حينما تحضر الخرافة تموت السياسة.. هذا أبسط شيء يمكن قوله اليوم في الواقع الطائفي المأزوم الذي تعيشه المنطقة العربية على وقع انهيار الدولة الوطنية العربية، في عديد من الجمهوريات العربية، التي أُفشلت فكرة الدولة فيها لعوامل عدة. في مقدمة تلك العوامل عدم تحول فكرة الدولة...

قراءة المزيد
هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

هكذا كان غير المسلمين جزءًا من الجسد الإسلامي

لا شك أن هوية أي أمة تحددها الثقافة الأم التي تعتنقها أغلبية هذه الأمة، ومنذ أن أشرقت شمس الرسالة على أرض العرب، أصبح الإسلام يمثل إلى اليوم هويتها المعبرة عن ثقافتها، بعد أن صبغ فيها أوجه الحياة من تصورات وعادات وتقاليد وفنون وعلوم ومعايير رفض وقبول ونحو ذلك. ومع كل...

قراءة المزيد
جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

جرأة نجيب ساويرس بين المسجد والكنيسة والمستشفى!

قبل نحو عقدين من الزمن قررت أن أكون من أصحاب السيارات لأول مرة في حياتي، ولأني لم أكن أجيد القيادة جيداً، فقد نصحني البعض أن أبدأ بالسيارات المستعملة، حتى تتحمل أية أخطاء متوقعة من المبتدئين أمثالي. لجأت إلى أحد تجار هذا الصنف في قرية مجاورة، وهو مع أقرانه خليط من ذوي...

قراءة المزيد
Loading...